عبدالوهاب بيراني/ كاتب كردي من سوريا
يُعَدُّ المسرح الشعبي أحد الفنون التعبيرية التي تجسِّد روح وهوية الشعوب، فهو مرآة تعكس قيم وثقافة المجتمع من خلال عروض بسيطة ومؤثرة. يتجلى هذا الفن في أشكال متنوعة تتراوح بين الخيال الرمزي والفكاهة الساخرة، مثل خيال الظل والدمى وصندوق الدنيا والمسرح الارتجالي. وفي الشرق عمومًا، ومع تركيز خاص على الثقافة الكردية، نجد أن للمسرح الشعبي بصمة فريدة تُبرز تاريخ الشعوب وأبطالها وتروي قصصهم بأسلوب يتماشى مع تقاليدهم وتراثهم، ويتميز المسرح الشعبي بتنوع أشكاله، التي تتراوح بين الدمى، خيال الظل، والمسرح الارتجالي. فيما يلي أبرز أشكاله في الشرق عمومًا، وفي الثقافة الكردية خصوصًا:
أشكال المسرح الشعبي المشتركة في الشرق. خيال الظل (كَرَاكُوز وعِيواظ) وقد نشأ في آسيا الوسطى وانتشر في العصر العباسي، ثم تطور في تركيا تحت اسم “كاراكوز” و”حاجي فاتح”، وهما شخصيتان كوميديتان تنتقدان السلطة والفساد عبر الحوار الساخر، ويعتمد على عرائس جلدية مُلوَّنة تُحرَّك خلف شاشة مُضاءة.
وعُرف في مصر باسم “خيال الظل” (مثل شخصية ابن دانيال)
أما عند الكرد فتوجد عروض مشابهة باسم “سيا ساي” (الظل الأسود) ففي كردستان العراق، تُروى باللغة الكردية وتستلهم القصص المحلية.
اما الدمى (الماريونيت) فهي من أقدم أشكال المسرح، وارتبطت بالطقوس الدينية في بلاد ما بين النهرين(ميزوبوتاميا)
ومن أشكاله
دمى الخيط وهي دمى تُحرك بخيوط من الأعلى (مثل “صندوق الدنيا” في العراق، الذي يعرض مشاهد من الحياة اليومية).
و دمى اليد والتي تُلبس على اليد، مثل شخصية “قره گوز” الكردية، التي تشبه “كاراكوز” لكن بملامح كردية.
إضافة إلى صندوق الدنيا (الپانوپتيكوم) وهو صندوق خشبي صغير يحتوي على مشاهد مُصغَّرة تُعرض عبر فتحات، ويقوم الحكواتي بسرد القصص المصاحبة.
ويُسمى عند الكرد أحيانًا “چاندوخا جيهان”، ويُستخدم في القرى لنشر الحكايات الأخلاقية، وفي إيران تعرف باسم “خيمه شب بازي”(مسرح الدمى الليلي)
اما المسرح الارتجالي فأنه يعتمد على حكواتي يجسد شخصيات متعددة، مثل “المُدوِّي”في المغرب أو “الميدان” في سوريا.
وعند الكرد تسمى “چیرۆکبێژ”(الحكواتي)، ويُقدم حكايات عن الأبطال التاريخيين مثل صلاح الدين الأيوبي وقصص العشق مثل سيامند وخجي ومن وزين.
المسرح الشعبي الكردي: الخصوصية والتأثيرات أشكال مسرحية كردية مميزة
“دەمەڵێن” (الرقصات الحكائية) ومنها :
رقصات جماعية (مثل “الگَرْيان”) تُصاحبها حكايات عن البطولات الكردية.
المغني الشعبي وهو مغنٍّ يرتجل قصصًا عن الحب والحرب مع تفاعل الجمهور، يشبه فن “الهايدوس”التركي.
أما “كوروك” (مسرح الدمى الكردي): فهي دمى تُصنع من الخشب أو القماش، تُجسّد شخصيات مثل “مَمْ وزين”أو “كاوا الحداد”. ب. تأثيرات من الشعوب المجاورة
استعار الاتراك شخصية “كَرَاكُوز” من الكرد لكنهم أضافوا لها ملامح عثمانية (مثل اللباس التقليدي)
أما الفُرس فقد تأثروا بمسرح “روحوزي” الإيراني في استخدام الرموز الصوفية،و تشارك العرب مع الكرد في فنون مثل “خيال الظل”، خاصة في المناطق المختلطة (مثل سوريا).
ختامًا، يظهر المسرح الشعبي بأشكاله المتعددة كوسيلة حيوية تعبّر عن التراث والهوية، حيث استطاع عبر العصور أن يجمع بين الأصالة والتجديد. إن هذا الفن الذي جمع بين الترفيه والنقد الاجتماعي يظل شاهدًا حيًا على تاريخ الشعوب وقيمها، خاصة بين الكرد والشعوب المجاورة. ويعد الحفاظ على هذا التراث وتطويره تحديًا وفرصة لنقل القيم والتجارب الثقافية للأجيال القادمة، مما يؤكد على أهمية المسرح الشعبي كفن ينبض بروح التاريخ والحياة.

١٥/٣/٢٠٢٥
سوريا / الحسكة