بقلم الناقد العراقي اسماعيل آلرجب
المقدّمة :
تُعتبر لبنى ياسين فنانة متعدّدة الأبعاد، تجمع بين الصحافة والأدب والفن التشكيلي، مما يمنح أعمالها عمقًا وجوديًا ينعكس في لوحاتها التجريدية الغنيّة بالرمزية العاطفية. تنتمي أعمالها إلى المدرسة التجريدية، لكنّها تبتكر لغتها الخاصّة عبر مزج التشكيل والألوان لاستكشاف التحوّلات النفسية والجسدية للإنسان، مُحاوِلةً تجسيد الحالة المزاجية في مساحات لونية تتناغم فيها الحرارة والبرودة، الحركة والسكون.
1.التجريد كمرآة للعقل الباطن
تتجاوز ياسين في لوحاتها تمثيل الواقع المادي، مُنحازةً إلى عوالم اللاوعي، حيث تُترجم الانفعالات الداخلية عبر تشكيلات عضوية وخطوط ديناميكية تُذكّر بأعمال واسيلي كاندينسكي** في تركيزها على الروحانيات. لكنّها تختلف بتركيزها على الجسد كوسيط للتعبير؛ فحركات الأجساد في أعمالها ليست مجرّد أشكال، بل هي انعكاس لصراعات نفسية، تُلامس فيها ثنائيات الشغف والهدوء، القلق والاتزان. تستخدم الفنانة ضربات فرشاةٍ حُرّة، تارةً متشابكة كالاضطرابات الداخلية، وتارةً مُنطلقة كالتحرر العاطفي، مما يخلق حوارًا بصريًا بين الفنانة والمتلقي.
- لغة الألوان للتعبير عن المشاعر المتعدّدة
تميّز ياسين في توظيفها الثنائية اللونية بين الدفء والبرودة، فتُطلِق الألوان الحارة (كالأحمر والبرتقالي) كرمز للشغف والتعلّق بالحياة، متدفقةً كدماءٍ في شرايين اللوحة، بينما تُحيطها بمساحاتٍ من الأزرق والأخضر البارد، كفُسْحَةٍ للتأمّل أو تنفيسٍ عن التوتر. هذا الانزياح اللوني ليس مجرّد تقنية جمالية، بل هو استعارةٌ لتعقيدات الوجود الإنساني، حيث لا ينفصل الفرح عن الألم، ولا الحماس عن التروّي. في لوحةٍ افتراضيةٍ لها، قد نرى اصطدامًا بين لونٍ ناريٍّ وآخرَ ترابيٍّ، كأنّه صراعٌ بين الرغبة في الاحتراق بالحياة والخوف من التلاشي.
3.تأثيرات متقاطعة
لا يمكن فصل تجربة ياسين كروائية وصحفية عن فنها التشكيلي. فكما تُنسج “اللعنة الموروثة” حكاياتٍ عن الإرث الثقافي والاجتماعي، تُعيد لوحاتها كتابةَ السرد عبر الخط واللون، وكأنّها فصولٌ بصريةٌ من روايةٍ مفتوحةٍ. أمّا خلفيتها العلمية (بكالوريوس العلوم) فربما تفسّر دقّةَ تركيبها اللوني، واهتمامها بتمثيل التحوّلات، سواءٌ في الطبيعة أم النفس البشرية، بطريقةٍ تحمل شيئًا من التحليل المنهجي.
4.الرأي النهائي:
تُقدّم ياسين في أعمالها رؤيةً فريدةً للفن التجريدي، لا كتمرينٍ جماليٍّ فحسب، بل كبحثٍ فلسفيٍّ عن جوهر الإنسان. فهي تستثمر الألوان والحركة لخلق حوارٍ بين الظاهر والخفِي، بين الاندفاع العاطفي والحاجة إلى التوازن. قد يُثار تساؤلٌ حول مدى وضوح رسالتها في بعض اللوحات، إلا أنّ الغموض هنا ليس ضعفًا، بل بوابةٌ لتأويلاتٍ متعددةٍ، تمنح العمل الفنّي حياةً مستمرّةً في عين الناظر. إنّها فنٌّ يعيد تعريف التجريد كفضاءٍ للقاءِ العلم بالأدب، والجسد بالروح.
** فاسيلي كاندينسكي، فنان روسي بارز، ولد في 16 ديسمبر 1866 وتوفي في 13 ديسمبر 1944. يُعتبر من أشهر فناني القرن العشرين، وله إسهامات كبيرة في الفن التجريدي. يعتبر كاندينسكي رائدًا في هذا المجال، وقد أحدثت أعماله ثورة في عالم الفن، حيث ابتعد عن الأشكال التقليدية نحو التعبير عن المشاعر والأفكار من خلال الألوان والأشكال المجردة. كان له تأثير كبير على العديد من الفنانين في عصره وبعده.





