الزمن الجميل”…هل كان جميلا حقا؟ (27)

الكاتب مروان ناصح
هناك حوادث صغيرة في العمر، لكنها تهزُّ ذاكرة الطفولة هزًّا كالفجاءة، وتظلّ صورها معلّقة على جدران الروح…حيث تتشبث أول زيارة إلى الطبيب بصفحة القلب، لا لشدّة الوجع… بل لعمق الدهشة. فالطفل لا يعرف المرض كما نعرفه نحن الكبار…هو يراه مخلوقًا غريبًا يختبئ في جسده،
ويهاجمه كلما حاول الجري أو الضحك.
-يد الأم: حبل الأمان الأخير:
في ذلك الصباح القديم، كانت يد الأم هي الحبل السري الأخير الذي يربط الطفل بالأمان.
تشده برفق، وتهمس بطمأنينتها المعهودة: “مجرد كشف بسيط… وينتهي كل شيء”.
لكن الطفل يسمع في الكلمات شيئًا آخر… يسمع أبواق الخطر! فـــ”الكشف البسيط” قد ينقلب في أي لحظة، إلى حقنة غادرة تعتمد على عنصر المفاجأة.
– خطوات في عالم الغموض:
في الطريق إلى العيادة، تتبدل رائحة الهواء…وتظهر لافتة طويلة بكلمة “عيادة” مطبوعة بلون الغموض…وتتحول خطوات الطفل إلى دقات قلب تمشي لا إلى أقدام تسير. كل المارة طبيعيون، إلا هو…يشبه سفينةً صغيرةً تصارع أمواجًا لا يراها أحد سواه.
-غرفة الانتظار: عالم بين السلام والخطر:
ثم غرفة الانتظار… الممر المعلّق بين سلامٍ لم يعد موجودًا، وخطرٍ لم يبدأ بعد. وجوه باهتة، كأن المرض يعيد تشكيلها على مقاس القلق…طفل يبكي، آخر يسعل ويتصبب عرقًا، وثالث ينظر إلى الباب المغلق حيث يقبع “الساحر الأبيض”. المجلات على الطاولة لا تُقرأ، فمن يجرؤ على تقليب الصفحات، و”الباب” قد يُفتح في أي لحظة ويلفظ اسمك؟!
-الطبيب: المعطف الأبيض والأدوات الغامضة:
ويأتي النداء المنتظر…أو لنقل: الكارثة التي تجعلك تكره اسمك الأول. يرتجف القلب الصغير وهو يدخل. ها هو الطبيب…المعطف الأبيض كالثلج، لكنه أبرد منه، ولمعة أدواته المعدنية تنعكس في عيني الطفل كسيوف صغيرة. ينظر الطبيب إلى الحنجرة، يطرق على الركبة، يصغي إلى الصدر…
والطفل يصغي كذلك، لكن لحديثٍ آخر…حديث الأم المدهون بالعسل، والألم الغامض المحتمل!
– العدو الأول للطفولة:
ثم تصل اللحظة التي يخشاها الجميع: الحقنة. ذلك السهم المطلي بالدواء، الذي يُقال عنه: ” لن تشعر بشيء”…لكن الطفل يشعر بكل شيء! يشعر بأن العالم كله انكمش في تلك الإبرة…
وأن الشجاعة ليست سوى دمعة، تتأخر ثانية واحدة قبل أن تسقط.
-المكافأة: الوسام الذي يلي الألم:
ثم… ينتهي كل شيء فجأة! يخرج الطفل من غرفة التعذيب الرحيمة، ومعه وسام البطولة:
قطعة شوكولا… أو قبلة دافئة على الخد… أو حتى جملة من الأم: “أنا فخورة بك”.
ويا لها من جملة! تحوّل الألم إلى قصة مغامرة، يرويها الطفل لأقرانه متباهيًا.
-العودة إلى البيت: الدروس الصغيرة:
وفي طريق العودة، تعود العصافير للغناء، والسماء للاتساع…ويكتشف الطفل أنّ الخوف داء قابل للشفاء، وأن مواجهة الألم بداية كل شجاعة. فإلى تلك الأصابع الدافئة التي أمسكت بأيدينا في طريق العيادات، قبل أن تمسك بنا الدنيا بأقسى ما لديها…إلى الأمهات:
لقد كنتنّ الدواء الذي يسبق أمهر الأطباء.