
بقلم: مسعودة فرجاني/الجزائر
في مشهد ثقافي يتجدّد كل عام، ويزداد ألقًا وعمقًا، افتتح صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، الدورة الثالثة والعشرين من «أيام الشارقة التراثية»، مؤكّدًا مرة أخرى أن التراث ليس مجرد ماضٍ نحتفي به، بل روحٌ حيّة تتجدد في وجدان الأجيال.
تمثّل «أيام الشارقة التراثية» واحدًا من أبرز المهرجانات الثقافية في العالم العربي، وأحد المشاريع الحضارية الرائدة التي تتبناها إمارة الشارقة في سبيل صون الذاكرة الإنسانية، وحماية الموروث الشعبي من النسيان والتهميش. فمنذ انطلاقته الأولى، حمل هذا الحدث رسالة واضحة تؤكد أن التراث هو أساس الهوية، وركيزة الانتماء، وجسر التواصل بين الماضي والحاضر والمستقبل.
تنوّع ثقافي وإنساني يجسد روح الأصالة
تتميّز أيام الشارقة التراثية بتنوّعها الغني، حيث تجمع في فضائها الثقافي بين التراث الإماراتي الأصيل، والتراث العربي، وموروثات شعوب من مختلف أنحاء العالم. وتشارك في فعالياتها عشرات الدول، مقدّمة نماذج حيّة من عاداتها وتقاليدها وفنونها الشعبية وصناعاتها اليدوية ومأكولاتها التراثية، في لوحة إنسانية نابضة بالحياة.
هذا التنوّع لا يكتفي بعرض الاختلاف، بل يحوّله إلى مساحة للحوار والتفاعل، حيث يلتقي الشرق بالغرب، والقديم بالجديد، في تجربة ثقافية تُعلي من قيمة التعدد والتسامح والاحترام المتبادل.
حفظ التراث بوصفه مشروعًا حضاريًا
لا تقتصر أهمية أيام الشارقة التراثية على الجانب الاحتفالي، بل تتجاوز ذلك إلى كونها مشروعًا معرفيًا وثقافيًا متكاملًا، يهدف إلى توثيق الموروث الشعبي، ودراسته، ونقله إلى الأجيال الجديدة بأساليب معاصرة وجاذبة.
وتتضمّن الفعاليات ورشًا تعليمية، وعروضًا حية للحرف التقليدية، وندوات فكرية، وأمسيات فنية وشعرية، ومعارض متخصصة، تسهم جميعها في إعادة الاعتبار للتراث بوصفه مصدرًا للوعي والجمال والإبداع.
كما تشكّل هذه الأيام منصة مهمة للباحثين والمهتمين بالتراث، حيث تتيح لهم تبادل الخبرات، ومناقشة قضايا الحفاظ على الهوية الثقافية في زمن العولمة والتسارع التكنولوجي.
خدمة التراث العربي والإنساني
في سياق عربي يعاني أحيانًا من تراجع الاهتمام بالموروث الشعبي أمام سطوة الحداثة، تأتي أيام الشارقة التراثية لتؤكد أن الأصالة لا تتناقض مع التطور، وأن الهوية الثقافية لا تُبنى بالقطيعة مع الماضي، بل بالحوار معه.
وقد أسهم هذا المهرجان، في إعادة الاعتبار للتراث العربي، وإبرازه في صورة مشرقة أمام العالم، عبر تقديمه بلغة معاصرة تحافظ على جوهره دون أن تجمّده.
أما عالميًا، فقد نجحت الشارقة، من خلال هذا الحدث، في ترسيخ موقعها بوصفها عاصمة ثقافية وإنسانية، ومركزًا للحوار الحضاري، ومكانًا يحتفي بالتراث الإنساني المشترك بعيدًا عن النزعات الإقصائية أو الأحادية.
الشارقة… نموذج ثقافي مميز
تندرج أيام الشارقة التراثية ضمن مشروع ثقافي شامل تقوده الإمارة منذ عقود، ويضع الإنسان والمعرفة والهوية في قلب التنمية. فبدعم مباشر ورؤية مستنيرة من صاحب السمو حاكم الشارقة، تحوّلت الثقافة إلى ركيزة أساسية من ركائز النهضة، لا إلى نشاط هامشي أو ترف فكري.
ومن هنا، فإن هذا المهرجان لا يُقرأ بوصفه فعالية موسمية، بل بوصفه جزءًا من رؤية حضارية متكاملة، تؤمن بأن الأمم الحية هي التي تحفظ ذاكرتها، وتصون لغتها، وتحترم تراثها، وتقدّمه للعالم بثقة واعتزاز.
تؤكّد هذه الدورة من «أيام الشارقة التراثية» أن هذا الحدث لم يعد مجرّد مهرجان، بل أصبح مؤسسة ثقافية حيّة، ومنبرًا للهوية، وجسرًا للتواصل الإنساني. تظل الشارقة، عبر أيامها التراثية، صوتًا واعيًا يذكّرنا بأن المستقبل لا يُبنى بلا جذور، وأن الحضارة الحقيقية تبدأ من احترام الماضي، والانفتاح على العالم، والإيمان بقيمة الإنسان وثقافته.