بداية سوف نورد جزئية من مذكرات لدكتور اسمه « وجدي السيد » ، يتحدث فيه عن موقف في طفولته المبكرة ، ثم نعلق على النص بما جاد به القلم والعقل ، يقول الدكتور وجدي :
( ذات يوم وأنا بقسم الابتدائي وعدتنا المعلمة برحلة مخصصة للتلاميذ الأوائل بالمدرسة وستكون هذه الرحلة لزيارة المطار كي نرى الطائرة لأول مرة ، وكنت حينها قد تحصلت على المرتبة الأولى على مستوى المدرسه بمعدل 09.50 ، اجتمعنا صبيحة الجمعة أمام المدرسة كي نذهب للرحلة !! وكنت على يقين أنني من الذاهبين كوني الأول ؛
جاءت الحافلة ، كانت تحمل عدداً محدوداً من الأماكن لا يتسع للجميع !! حينها اختارت المعلمة التلاميذ الذين كانوا يلبسون أحسن لباس ، ويحملون حقائب بها جميع مستلزمات السفر من أكل ومشروبات وقطع الحلوى وفواكه !! وغضت علينا البصر كوننا فقراء ، لم نلبس الجديد ونحمل أكلنا المتواضع في أكياس سوداء !!
ووعدتنا المعلمة بالرحلة القادمة ستكون مخصصة للذين لم يذهبوا اليوم !! في تلك الصبيحة طعنت أشد طعنة !! لم أستطع القدرة على تقبل الصدمة غير المتوقعة أبدا !! وبقيت صامتاً صامداً أنتظر تراجع معلمتي عن قرارها الخاطئ !! ، ولكن الحافلة أقلعت وكل الأطفال الذين بها كانوا في فرح وسرور !! . مكثت غير بعيد عن باب مدرستنا ، وبكيت ؛ نعم بكيت بكاءً لم ابكي مثله قط ، كرهت معلمتي ، ولعنت المصنع الذي سرّح أبي من العمل وتركنا فقراء !! ، حزنت على كيسي الأسود الذي وضعت فيه أمي الخبز وحبات البندورة والخيار وساندويشة الزعتر ، واتذكر اني لعنت صاحب الحافلة الذي لم يتسع لنا المكان بعربته اللئيمة !! كرهت ذلك الصباح بقوة !!
حملت أثقالي المنهكة ، لملمت أجزائي المبعثرة ، وقررت العودة الى البيت كي أصرخ بحرية أكثر ، وفجأة تذكرت مبلغ الرحلة الزهيد وكيف سأخبر أبي أني لم أذهب ، وأن المبلغ قد ذهب مع الذاهبين !! ، كيف سأخبر أمي أن إزعاجاتي وإلحاحاتي لها بالأمس وحماسي الكبير قد اغتيل واغتصب !!
بقيت في حيرة لمدة ، ثم فكرت في كذبة أن صاحب الحافلة حين قدومه الينا اصطدم بشاحنة ومات !! ، ولأجل ذلك لم نذهب ..
وانصرفت !!
في ذلك اليوم ، لم تشأ صورة معلمتي أن تذهب عن مخيلتي وهي تبرأ ذمتها الدنيئة ، وهي تحملنا وزر عدم ترتيب هندامنا البالي ، لم أستطع نسيان تبرير فعلتها ؛ أن قائد الطائرة لا يقبل أن يرانا هكذا مذبذبين مبعثرين مشردين !! ، لم أستطع نسيان طعم الوجع !! في ذلك اليوم ، تعلمت أن كل الوعود كاذبة !! ، تعلمت أن حتى المعلم الذي يأمرنا ألا نكذب ، يكذب !! « لا تقتلوا الجانب البريء فينا بأفعالكم » من مذكرات الدكتور وجدي السيد ) هنا انتهى حديث الدكتور وجدي السيد ليست بعض النصوص القصيرة استعادة لذكرى بعيدة بقدر ما هي استحضار لجرح مؤلم لم يُغلق مع مرور الزمن ، ففي هذا المقتطف من مذكرات الدكتور وجدي السيد ، ترد قصة طفولة بسيطة في ظاهرها ، عن وعد برحلة مدرسية لزيارة المطار ، خُصّصت للتلاميذ الأوائل ، كان الكاتب في طليعتهم ، غير أن الحافلة لم تتسع للجميع ، فاختير من اختير ، وبقي آخرون خلفها ، لا لقصور في الاستحقاق ، بل لقصور في الهندام ، وفي القدرة على محاكاة صورة مقبولة اجتماعياً ، يُقصى الطفل المتفوق المستحق لأنه كان فقيراً ، يحمل طعامه في كيس أسود ، ويقف هناك على هامش صورة أرادها النظام المدرسي أن تكون نظيفة في ظاهرها ، لائقة ، قابلة للعرض . لا يقدّم الكاتب هذه الحادثة كـ حكاية ذاتية كي تستدر العاطفة ، إنما كـ لحظة وعي مبكرة ، لحظة انكسار داخلي ، تشكّل فيها المعنى الأول للظلم ، الألم في النص لا يصدر عن الحرمان وحده ، بل عن الحنث بالوعد ، وعن السقوط الصادم لصورة المعلم بوصفه نموذجاً أخلاقياً ، هنا لا تُكسَر مشاعر الطفل فحسب ، بل تُكسَر فكرة العدالة نفسها ، ويُزرع في الوعي التربوي سؤال ثقيل : كيف يمكن لمن يعلّم الصدق أن يكذب؟ ، وكيف يمكن لمن يتحدث عن الاستحقاق أن يلغيه في لحظة واحدة ؟ الأثر الذي تركه هذا الموقف في نفس الكاتب لا يُقرأ كـ تجربة شخصية منتهية طويت في مرحلة الطفولة ، إنما كـ حالة تتكرر في المجتمع بأكمله ، فالكاتب هنا ليس فردا بعينه ، هو تمثيل رمزي لكل من اكتشف مبكراً أن التفوق لا يحمي صاحبه ، وأن الحقوق لا تُمنح بالجدارة وحدها ، بل بما يحيط بها من وساطات وصور واعتبارات طبقية ، إن البكاء الذي بين سطور النص ليس بكاء طفل حُرم من رحلة ، هذا البكاء بكاء منظومة قيم تُفرغ من مضمونها ، ويُعاد تعريف العدالة بوصفها امتيازاً لا حقاً . السياق يجعل القصة تتحول إلى ما يشبه ضميراً اجتماعياً صامتاً ، يضع القارئ أمام نموذج مصغّر لنظام إداري وسياسي مألوف في كثير من دول العالم النامي ؛ نظام مثقل بالوعود ، ثم يُفرغ وعده من محتواه ، ويحتفظ بالفرص داخل دائرة نخبوية مغلقة ، لا يُسمح باختراقها إلا بشق الأنفس ، أو بدفع أثمان نفسية واجتماعية باهظة ، فالحافلة هنا ليست وسيلة نقل ، بل صورة دولة محدودة السعة عمداً ، لا تعترف بمسؤوليتها عن الإقصاء ، وتلقي باللوم على من لم يُحسن الظهور . وما يمنح هذا النص قوته ، أنه لا يلجأ إلى الاتهام المباشر ، ولا يرفع شعارات سياسية ، بل يكتفي بسرد وجع نظيف وبريء ، يُترك للقارئ أن يستكمل إسقاطه على واقعه ، فالكاتب لا يعلن موقفاً سياسياً أو إدارياً ، بل يكشف أثراً ، ولا يقدّم خطاباً مجلجلاً ، بل يترك جرحاً مفتوحاً ، ينخر في الوعي طويلاً ، بهذا الأسلوب تتحول الذاكرة الفردية إلى وعي مجتمعي ، ويصير النص شهادة على أن أخطر أشكال العنف ليس ما يُمارس بالجسد ، بل ما يُمارس على كينونة الإنسان وضميره ؛ حين يُطلب من الضحية أن تتفهّم إقصاءها ، وأن تصدّق أن المشكلة كانت فيها ذاتيا ، لا في النظام الذي أقصاها . إن هذه المقتطف من المذكرات ، في اختصارها وهدوئها ، لا تُدين معلمة بعينها ، ولا مدرسة بعينها ، إنما تُعرّي بنية كاملة من المحسوبية والوساطة ، ومن تزييف معايير الاستحقاق ، ومن إعادة إنتاج نخبة لا ترى في المجتمع سوى صورتها الخاصة ، ولهذا تبقى مسيطرة حاضرة ، لأنها لا تنتمي إلى زمن محدد ، بل إلى لحظة إنسانية تتكرر كلما صعدت الحافلة أو تحركت الحافلة ، وبقي أصحاب الحق واقفين خلفها ، يحملون أكياسهم السوداء ، ليكتشفوا مبكراً أن الطريق إلى الأعلى لا يُقاس دائماً بالجدارة والاستحقاق .

( عماد عواودة ، ابو حازم
الأربعاء ، ٢٨ يناير ٢٠٢٦ ، قميم / الاردن )