قراءة أدبية في قصيدة” كن جميلاً ترَ الوجود جميلاً” للشاعر إيليا أبوماضي
يكتبها د. ناصر البكر
ليس من المبالغة القول إن بعض القصائد لا تبدأ أبياتها الأولى افتتاحاً فنياً فحسب، بل تكون إعلاناً فكرياً عن رؤية كاملة للحياة.
ومطلع هذه القصيدة واحد من تلك البدايات النادرة التي استطاعت أن تتحول من شعر يُقرأ إلى حكمةٍ تُعاش.
فالشاعر لا يدخل قصيدته بتمهيدٍ وصفي أو عاطفي، بل يدخلها بسؤال يهزّ النفس هزّاً:
أيُّهذا الشاكي وما بك داء
كيف تغدو إذا غدوت عليلا
إنه سؤال يحمل في ظاهره تعجباً، وفي باطنه تشخيصاً نفسياً عميقاً.
فالشاعر لا ينكر وجود الألم في العالم، لكنه يرفض تضخيمه حتى يصبح هوية الإنسان.
هنا يتحول الخطاب من مواساة الشاكي إلى محاسبته بلطف؛ وكأن الشاعر يقول: لعل العلّة ليست فيما أصابك، بل في الطريقة التي تنظر بها إلى ما أصابك.
بلاغياً، يبدأ النداء بـ «أيها» ليمنح الخطاب طابعاً عاماً، فلا يعود موجهاً لشخص بعينه، بل لكل إنسان حمل عبء الحياة أكثر مما تحتمل.
ثم يأتي الاستفهام «وما بك داء» لا طلباً للجواب، بل ليوقظ القارئ من وهمٍ اعتاده؛ فكم من إنسان يعيش سليماً في جسده، ميسوراً في حياته، لكنه يصرّ على ارتداء ثوب المعاناة.
وهنا يضع الشاعر يده على واحدة من أعقد القضايا الإنسانية:
الإنسان قد يختار الحزن دون أن يشعر.
ثم ينتقل إلى بيت يعدّ من أعمق أبيات الحكمة النفسية في الشعر العربي الحديث:
إن شرَّ الجناة في الأرض نفسٌ
تتوقّى قبل الرحيل الرحيلا
هذا البيت ليس مجرد حكمة، بل تحليل لآلية القلق الإنساني.
فالإنسان ـ في كثير من الأحيان ـ لا يتألم من الواقع، بل من توقعه الدائم للأسوأ.
إنه يعيش النهاية قبل أن تأتي، ويحزن على ما لم يحدث بعد.
وهذه الفكرة تسبق بكثير ما يعرف اليوم في علم النفس بـ «قلق التوقع»؛ حيث يتحول الخوف من الفقد إلى فقدٍ فعلي للحياة نفسها. فالذي يخشى الرحيل قبل أوانه لا يعيش الحاضر، بل يدفنه تحت ظلال المستقبل.
والتعبير «شر الجناة» يحمل قوة أخلاقية لافتة؛ إذ يجعل الشاعر النفس المتشائمة مجرمةً في حق صاحبها، لأنها تسلبه نعمة العيش وهو حيّ.
ثم يبلغ الخطاب ذروة الاتزان الفكري في قوله:
أحكم الناس في الحياة أناس
عللوها فأحسنوا التعليلا
هنا ينتقل الشاعر من التشخيص إلى العلاج.
فالحكمة ليست في الهروب من الحياة ولا في الاستسلام لها، بل في فهمها. كلمة «علّلوها» شديدة الدقة؛ فهي لا تعني التبرير الساذج، بل تعني إدراك الأسباب والسنن.
فالإنسان الحكيم لا يسأل: لماذا وقعت المصيبة؟
بل يسأل: كيف أفهمها بحيث أستمر في العيش؟
وهذا التحول هو الفرق بين العقل القلق والعقل الناضج؛ فالأول يقاوم الواقع، أما الثاني فيفسّره ثم يتعايش معه.
ثم يأتي البيت الذي يمثل دعوة صريحة إلى فن العيش:
فتمتّع بالصبح ما دمت فيه
لا تخف أن يزول حتى يزولا
الصبح هنا ليس زمناً فحسب، بل رمز للحظة الحاضرة.
والشاعر يرفض أن يعيش الإنسان فرحته مشوبة بالخوف من نهايتها. فكم من إنسان أفسد لحظات السعادة لأنه انشغل بزوالها قبل أن يعيشها!
وهنا تظهر فلسفة مهجرية واضحة:
الحياة ليست ملكاً دائماً، لكنها هبة مؤقتة، وجمالها في مؤقتيتها نفسها.
إن الشاعر لا يدعو إلى الغفلة، بل إلى الوعي الهادئ؛ أن تعيش اللحظة دون قلقٍ يسرق معناها.
ثم يعود الشاعر إلى المطلع نفسه، لكن بعد رحلة فكرية كاملة، فيقول:
أيهذا الشاكي وما بك داء
كن جميلاً ترَ الوجود جميلا
إن إعادة النداء ليست تكراراً بل تحولاً دلالياً.
ففي البداية كان سؤالاً، أما الآن فقد صار جواباً.
وكأن القصيدة كلها كانت طريقاً للوصول إلى هذه الخلاصة: المشكلة لم تكن في العالم، بل في زاوية النظر إليه.
الجمال هنا ليس جمال الشكل، بل جمال الروح، صفاء الرؤية، وسلام الداخل.
فالإنسان الجميل نفساً يرى المعاني قبل المظاهر، والفرص قبل العقبات، والنور قبل الظلام.
ولعل سر خلود هذا البيت أنه لا يعد الإنسان بالسعادة، بل يمنحه مفتاحها: غيّر نفسك يتغيّر العالم في عينيك.
إن هذه الأبيات تمثل خلاصة تجربة إنسان مهاجر عرف الغربة والقلق والبحث عن المعنى، فخرج بفلسفة بسيطة عميقة: الحياة لا تُقاس بطولها ولا بخلوّها من الألم، بل بقدرة الإنسان على أن يعيشها بروحٍ متصالحة معها.
وهكذا يتحول الشعر عند الشاعر من زخرفة لغوية إلى فعل إنقاذٍ نفسي، ومن غناء وجداني إلى حكمة وجودية. إنه شعر لا يهرب من الواقع، بل يعلّم الإنسان كيف يسكنه دون أن يسكنه اليأس.
ولهذا بقيت هذه الأبيات حيّة في الذاكرة العربية؛ لأنها لا تخاطب زمناً بعينه، بل تخاطب الإنسان كلما أثقلته الشكوى، وكلما نسي أن الحياة ـ على قصرها ـ تستحق أن تُعاش بوجهٍ جميل وقلبٍ مطمئن

د. ناصر البكر