اميرة ناجي / ترجمة بتصرف
تقدم تجربة الرسامة ماي وينتورث نموذجًا معاصرًا للفن الذي يتجاوز حدود الأسلوب ليغدو ممارسة فكرية وبصرية متكاملة فهي لا تتعامل مع اللوحة باعتبارها مساحة تمثيل مباشر بل كحقل للتفكير في الهوية والسلطة والذاكرة في زمن تتشابك فيه الصورة مع التكنولوجيا والواقع الافتراضي؛ فأعمالها تنتمي إلى خطاب بصري نقدي يستند إلى الحاضر ويعيد مساءلته من الداخل معتمدًا على التشويش والضبابية كخيار جمالي ودلالي
تشير وينتورث إلى التحول المفصلي في مسيرتها عام ٢٠٠٩ عند انضمامها إلى حركة سوبرستروك وهي تجربة أعادت تشكيل علاقتها بالرسم ونقلتها من الواقعية المفرطة إلى التعبيرية غير أن إقصاءها لاحقًا بسبب طبيعة ضربات فرشاتها يكشف عن موقفها الجمالي الواضح فهي لا تبحث عن العنف البصري بل عن توتر داخلي هادئ فكان انتقالها إلى حركة سوبربلور كونها تركز على نمط من الضبابية التي كانت منسجمة مع رؤيتها التي ترى في الغموض أفقًا للتفكير لا عائقًا للفهم.
تعتمد وينتورث على جمع الصور من الإنترنت ووسائل الإعلام المختلفة لتجعل من الصورة المعاصرة مادة أولية، ومناسبة لإعادة تفكيك الصور التي لا تستعاد فقط، بل تخضع للإزاحة والتشويه بهدف تحررها من وظيفتها الاستهلاكية؛ ومن السلطة والسياسة وتسليع الذات وحضور التكنولوجيا المتطفلة التي تظهر عبر ملامح مطموسة، وعيون مشوشة في إشارة إلى الانفصال بين ما يعرض وما يعاش.
تلعب المساحات اللونية المحايدة في أعمال وينتورث دورًا فكريًا عميقًا فهي لا تمثل فراغًا بصريًا بل فضاء ذهنيًا صامتًا ينهي أي تدخل تفسيري جاهز ويجعل الفكر نفسه موضوعا لعمل هذه المساحات تمنح المتلقي حرية الدخول إلى اللوحة دون توجيه مسبق ويتحول السطح التشكيلي إلى مجال تأملي يعمل فيه المعنى من الداخل لا من الظاهر.
تتقاطع هذه الرؤية مع مساءلة الإرث الإقليدي (نسبة الى اقليدس)، في التلقي البصري حيث اعتادت العين على ان الخط المستقيم في النظام الهندسي الاقليدي هو اقصر خط يوصل نقطتين؛ مما اعطى الخط المستقيم سلطة حضور بوجود نقطتين مهما تعرض الى انقطاعات كتلك التي تصنعها الفنانة وينتورث في اشكالها التي تصنع خطا يوصل نقطتين على أرضية اللوحة، وان أعمال وينتورث تعتمد في حيويتها على كسر هذه اليقينية عبر تفكيك الخطوط وإرباك الفضاء فلا يعود الإدراك البصري قائمًا على الاستقرار بل على الاحتمال والتنقل داخل الصورة، وبهذا المعنى تتحول الرؤية إلى فعل ذهني مفتوح يعيد تدريب العين على قبول التعدد والغموض.
الذاكرة تشكل محورًا أساسيًا في تجربتها سواء كانت شخصية أو مصطنعة ويتكرر حضور الرجال بالبدلات الرسمية في إشارة إلى السلطة وقيد الزي الاجتماعي دون فرض قراءة واحدة حيث يظل المتلقي مدعوًا إلى ابتكار روايته الخاصة.
إن فعل الرسم لدى ماي وينتورث هو الجوهر الذي يوحد كل هذه العناصر فالرسم ليس أداة تنفيذ بل فعل تفكير يعيد وصل الصورة بالذاكرة والهوية من خلاله تتشكل اللغة البصرية وتولد الدلالة داخل المادة والسطح لتغدو اللوحة تجربة معرفية مفتوحة.
تؤكد تجربة وينتورث أن الرسم المعاصر ما زال قادرًا على إنتاج المعنى حين يتحرر من السرد المباشر ويمنح الفكر مساحة للعمل إنها تجربة تعيد الاعتبار للرسم كفعل يوحد الرؤية والتحليل ويجعل اللوحة حقلًا حيًا للتأمل والبحث.
المصدر:
https://dossiermag.net/home/may-wentworth-art









