خاص غرفة 19 أيام الشارقة التراثية 2026
إعداد: مروان ناصح/ سوريا
في الساحة المفتوحة، تحت سماءٍ تفيض زرقةً وطمأنينة، كانت الطبول تُعلن بداية الحكاية، لا عرضًا عابرًا، ولا مشهدًا سياحيًا مؤقتًا، بل طقسًا قديمًا يستيقظ من ذاكرة المكان. هناك، في قلب المشهد، كانت رقصة اليولة (العيّالة) تكتب حضورها البهيّ، بوصفها إحدى أبهى علامات التراث في الإمارات العربية المتحدة.لم تكن الرقصة مجرد حركة، بل سيرة وطنٍ تُروى بالجسد، وتُنشَد بالصوت، وتُحفَظ في الإيقاع.
-الاصطفاف… هندسة الروح الجماعية:
يصطف الرجال في صفّين متقابلين، كتفين متلاصقين، كأنهم جدار من نور، أو موجتان تلتقيان في منتصف الزمن.
لا مكان للفردية هنا؛ فالجماعة هي البطل، والانسجام هو اللغة الأولى. في هذا الاصطفاف، نرى معنى التكاتف، وقيمة الوقوف معًا في وجه الزمن، كما وقف الأجداد يومًا في وجه الصحراء والبحر والمصاعب.
-الطبول… نبض الأرض والذاكرة:
في الوسط، تتكلم الطبول.
الطبل الكبير يعلن الإيقاع الأساسي،
والطبول الصغيرة تطرّز الزمن بنبضات متلاحقة.
كل ضربة ليست صوتًا فحسب، بل استدعاء لذاكرة بعيدة، تذكّر بالمواسم، والرحلات، والمعارك، والأفراح الأولى. إنها موسيقى لا تُسمَع فقط، بل تُحَسّ في الصدر.
-العصا… حين يتحول السلاح إلى رمز:
في أيدي الراقصين عصيٌّ رفيعة، ترتفع وتنخفض بانسجام، في حركة أقرب إلى الصلاة الجسدية.
كانت هذه العصا قديمًا ترمز إلى السيف أو البندقية، إلى القوة والدفاع والكرامة، لكنها اليوم تحوّلت إلى رمز للسلام، والاعتزاز، والهوية.
هكذا يصالح التراث بين الماضي والحاضر، دون أن يفقد روحه.
-الصوت الجماعي… نشيد “نحن”:
لا تكتمل اليولة بلا الغناء. ينطلق الصوت جماعيًا، بلا زعامة، بلا نجومية، بلا فرد متقدم. الجميع ينشد: للوطن، للشجاعة، للكرم، للمحبة.
إنه صوت “نحن”، لا “أنا”. نشيد الجماعة التي تعرف أن قوتها في وحدتها.
-الحركة… قصيدة بلا كلمات:
تميل الأجساد للأمام، ثم تعود للخلف، ترتفع العصا، وتنخفض، تهتز الأكتاف، وتتمايل الخطوات. ليست هذه حركات عشوائية، بل لغة كاملة، مكتوبة في الهواء، قصيدة تُقرأ بالعين قبل الأذن. في كل حركة معنى، وفي كل تمايل رسالة.
-زمن ممتد… لماذا تبدو الرقصة طويلة؟
قد يظن المشاهد العابر أن اليولة طويلة، أو مكررة، أو بلا نهاية واضحة. لكنها في الحقيقة لا تُؤدَّى لتُختَصر، بل لتُعاش. هي زمن مفتوح، يمنح الروح فرصة للاندماج، وللخروج من إيقاع الحياة السريع، إلى إيقاع الذاكرة العميقة. إنها استراحة روحية داخل صخب العصر.
-من المعركة إلى الاحتفال:
تاريخيًا، كانت العيّالة مرتبطة بالاستعداد للقتال، وإظهار القوة والتماسك. ثم تحوّلت، مع الزمن، إلى طقس احتفالي يُؤدَّى في الأعراس، والأعياد، والمناسبات الوطنية، والمهرجانات التراثية. وهكذا انتقلت من ساحة المواجهة إلى ساحة الفرح، دون أن تفقد معناها.
-خاتمة: حين يصبح التراث مرآة للروح:
اليولة ليست رقصة فقط، ولا مشهدًا فولكلوريًا للعرض والتصوير. إنها وطنٌ صغير يتحرك، وتاريخٌ يغني، وجماعة تعلن حضورها في وجه النسيان. من يشاهدها بعينٍ مفتوحة، لا يرى أجسادًا ترقص، بل يرى ذاكرة تمشي، وهوية تتنفس، وروحًا تقول بهدوء:
“نحن هنا…وسنبقى”.

مروان ناصح