
“دعسة ناقصة للشمس”، ديوان جديد يصدر للشاعرة اللبنانية بالتعبير الفرنسي فينوس خوري-غاتا عن “دار بلفون” الفرنسية. ديوان عن الموت عن رحيل زوجها، تستقصي فيه عالم الموت، وأدواته، وشخوصه، وأمكنته، في رحلة تغوي بالكشف، بقدر ما تهدد المسافر بالاختلالات والانهيارات النفسية والعصبية. دعسة ناقصة… طبعاً على مستوى حياتها الخاصة، الا أنها خطوة ثابتة وأكيدة في عالم الشعر، لا أمام العتبة حيث يقف العديد من الشعراء.
لعل كلمات هذا اللقاء، الذي انعقد معها في دارتها الباريسية، ينقل بأمانة بعض تهدجات صوتها المعذب. إنه حوار مرعب وجارح؛ وشاعريته تعادل إنسانيته.
الصحافي يقيم عادة على مسافة من الشخص لغرض المقابلة طلباً للموضوعية، كما يقال. ونظراً لطبيعة الشخص أو الموضوع الجافة شعرتُ بهزال هذه القاعدة المهنية أثناء حواري مع الشاعرة فينوس خوري-غاتا، فأنا ارتعبتُ وارتجفتُ وعانيتُ من دون أن اكتفي برشقها بالأسئلة المعدة سلفاً. والصحافي – أيضاً وأيضاً – يفرغ أو يكتب المقابلة، من دون أن يجد أي حرج في نقلها إلى الورق، إذ إن نبرة الصوت أثناء الحوار لا تضيف شيئاً على ما تقوله الأجوبة، فيما تَنقص هذا الحوار أوجاع صوت الشاعرة وهو يتهدج ويتقطع. فالشاعرة اللبنانية بالتعبير الفرنسي فينوس خوري، بعد ستة دواوين شعرية، تتورط بالشعر حتى حدود الجنون، ولا تصل إليه إلا عبر أنفاق العصب والوجع والتوتر. ففي ديوانها الجديد، “دعسة ناقصة للشمس”، الصادر حديثا عن “دار بلفون”، تتقصد الشاعرة الوصول إلى مدينة الموت، لعلها بذلك تلتقي، تبقي الصلة بزوجها الراحل قبل سنة. غان
القصيدة، هنا، وجع، دفعة جارحة من القلب، تصل إلى مشارف الهذيان، فيما هي تحاول الخلاص عبر الكلمات، خلال ۲۳ يوماً كتبتْ الشاعرة قصيدتها الطويلة المقسمة إلى مقطوعات. هي أيام عذابها اليومي قرب زوجها، وهو يقاوم الموت: كل مساء في الساعة التي تغلق فيها هذه القصائد أبوابها بالقفل، أسمع هذا الرجل الحبيب يتسلق الصفحات غير مبالٍ بالكلمات التي تقول موته. كلمات مؤلمة تتبعه على مسافة، وهي متنبهة للضجة التي تحدثها خطواته الموقعة بالحبر كل مساء، وخارج جدران هذه القصائد. تضرب امراة فوق زجاج قلب ينشبت بقضيان دمه.
فينوس خوري-غاتا صارت تتحدث عن الموت بعد أن عاشت معه، واستقصت، في رحلة مخيفة ومرعبة، معالم مدينته التي لا يفصلها عن مدينة الحياة سوى خيط مسطح هو خيط الأرض. بعد رحلة الموت تقف الشاعرة من جديد عند عتبة الحياة أمام غرفة النقاهة بذاكرة رهيبة، وندوب عريضة. منذ كتابتها لهذه القصائد، تحاول فينوس كتابة أخرى، روائية ساخرة عن حرب لبنان، تحاول النسيان والتسلية. ولكن هل ستستطيع كتابة الشعر لاحقاً، إذا صار ثمن الشعر باهظاً لهذه الدرجة: أن يربح الشعر، أي أن يصير شاعراً صميمياً وحقيقياً، ويخسر نفسه؟
فينوس خوري-غانا تواجه أسئلة الشعر الحقيقية.
-من ديوانك الشعري السابق، “الظلال وصرخاتها”، إلى ديوانك الجديد، “دعسة ناقصة للشمس”، تنتقلين من قصيدة الموت الجماعي، موت شعبك، إلى قصيدة الموت الفردي، موت زوجك.
=حصل هذا الانتقال، إلا أنني ما انتبهتُ له إلا بعد فترة على قيامي بكتابة القصائد عن الموت، فيما كانت حالة زوجي المرضية تزداد سوءاً. كنتُ أتكلم عن ميت فأخاطبه، ولكن من دون أن أحاول أبداً إنقاذه، وإعادته معي إلى الحياة. كنت أذهب مع الميت إلى عالم الموتى، إلى مدينتهم.
-ولكن أي موت تتحدثين عنه؟
=الموت مكان، مكان عدمي، فيه يعيش الموتى حياتهم كموتى. لهم حركات جامدة، وحياة تحت الأرض، أو في الكون. في مكان لا أستطيع تعيينه، لأنني لم أكن فيه بعد. أثناء مرض زوجي، رافقتني رغبةُ مواكبته إلى ذلك العالم. كان يمكن لي أن أنتحر في تلك الفترة. كان الموت يرصدني، يتسلط عليّ، بل كان يسحرني ويجذبني.
رافقتُه بعد موته، وأعطيت الموتى حياتهم الخاصة، وأدوات عملهم، وقراهم. بالمناسبة، قبل أيام، قمت بزيارة “بير لا شيز” (مقبرة باريسية عمومية) لحضور دفن أحد الأصدقاء، فتنبهتُ إلى أن المقبرة هذه مدينة حيث لبعض الموتى بيوت كبيرة، وللبعض الآخر بيوت متواضعة، وحيث هناك جادات فسيحة وأزقة ضيقة… التراتبية موجودة حتى في عالم الموتى ! فهناك الأغنياء منهم، وهناك الفقراء. وقلتُ، عندها، بأن الموت يشبه الحياة. فالواحد هو توازي الآخر: واحد يجري تحت الأرض، والآخر فوقها، وبين هذين العالمَين يقوم خط مسطح : الأرض.
-الدخول إلى مدينة الموتى، وعالمِهم، طموحُ شعراء عديدين. وهم يتنكبون عن ذلك، أو يكتبون عن ذلك دوماً، لأنه يحتاج إلى رهن الجسد عصبياً وانفعالياً في مغامرة خطيرة. ماذا أصابك عند الدخول ؟
=اقتربتُ، إثر انتهائي من كتابة هذه القصائد، من حالة الجنون. على أي حال، أنا ما استطعتُ، منذ سنة – تاريخ الانتهاء من كتابة الديوان – كتابةَ أية قصيدة. صمت شعري تام. أحاول تعكير مناخاته بكتابة رواية عن حرب لبنان، ستصدر خلال شهور في باريس.
لا يَخرج مني أي بيت شعري، كما لو أنني استنفدتُ طاقتي كلها، عواطفي وأفكاري، في كتابة الديوان. ما كان النوم يوافيني. كنتُ أسمع أصواتاً في البيت، وكنتُ أعتقد بأن زوجي الميت سيصل بين لحظة وأخرى، بل يسحبني مع بنتنا، ياسمين، إلى بيته الجديد. في الليل، لما كنت أعبر هذا الممر في البيت، هنا، كانت تلفحني، في رقبتي، وفي ظهري، نسمة باردة، فأقول لنفسي : إنه هنا، إنه نفسه، لقد أتى لاصطحابنا معه. في الوقت ذاته، كنت سعيدة لأنني سأرافقه، ولكن من دون أن يفارقني شعور الخوف. كان الموت يشدني إليه، من دون أن يبارحني خوفي منه.
-في ديوانك السابق، قبل سنتين، تحدثت عن موت خارجي، بمعنى من المعاني، أي أنك ما واجهت في حينها الموت في حياتك الخاصة. أي علاقة لك مع الموت ؟
=لما كنت طفلة اكتشفتُ، أثناء نزهاتي مع رفاقي في قرية بشري، في شمال لبنان، أن النزهة كانت تنتهي دوماً أمام مقبرة. أمامها، ما كانت ترتبك الفتيات أبداً. أما أنا، فقد كنتُ أعدو هرباً صوب بيتنا. هذا الخوف الكبير، هذه القابلية للارتعاب في نفسي، ومنذ طفولتي، هي التي جعلتني أصير شاعرة. الشاعر، هل هو إنسان مختل ؟ أهو يخاف أكثر من الآخرين حين يخافون، ويبرد أكثر منهم حين يبردون ؟ الاختلال، هل يؤدي إلى الشعر؟ الإنسان الطبيعي، هل يستطيع كتابة الشعر؟
لقد واجهتُ موت زوجي بردات فعل رهيبة. لن أتركه يذهب لوحده إلى هناك، حيث لا يعرفه أحد. لقد بقيت (على هذه الحال) طيلة تسعة شهور. الأطباء قالوا بأنني أصبتُ بانهيار (عصبي)، أما أنا فأقول بأنني كنت أقيم، وقتها، في غرفة الانتظار الخاصة بالموت، حيث إنه كان يمكنني، بل كنت معرضة للانزلاق بين يوم وآخر، من غرفة الانتظار إلى قاعات الموت الداخلية.
-كأنك زرتِ مدينة الموتى حقاً، كما يتبدى ذلك جلياً في الصور الشعرية المعبرة، حيث تصير عيون الموتى ممراً للأنهار الجوفية، وحيث الأصابع فزّاعات ليلية !
=قاربتُ الجنون في هذه القصائد، الأمر الذي يفسر تعبيرية الصور الشعرية : الميت الذي يكنس المارة من أمام أشجار الصنوبر… لهم أشجارهم : نحن نراها من الجهة العليا، وهم من الجهة السفلى، من جهة الجذور… لهم كاتدرائياتهم، ولكن من جهة أسس البناء… لهم عالمهم، إذا، وهو عالم مقلوب؛ عالم أكلة لحوم البشر… الشجرة التي تأكل أوراقها… الميت الذي يأكل كفنه… الميت الذي ينتظر في كوته أي دعسة ناقصة للشمس، لكي يقص أشعتها، كما ينتف العصفور، ويأكلها حين تقع في الكوة…
طبيب نفساني قال عن هذه القصائد بأنها نتاج انهيار عصبي وهذيان، قريبين من الجنون. لكنني – كما ترى – ها أنا هنا، وقد تعافيت. فالموت، في نهاية الأمر،ـ غير حياتي، وعائلتي، وسريري. كان قريباً جداً منى وبشكل مرعب. لقد كانت ردة فعلي على الموت سيئة جداً، إذ إنني ما حاولت التعلق بالأحياء وبالحياة، بل انحبست بين جدران بيتي، وقابلتُ الموت وجهاً لوجه. في نهاية الأمر، لم يأخذني الموت معه، خاصة وأنني لم أكن قادرة على الدفاع ولا على المقاومة.
–شهور انقضت على الحوادث المؤلمة، كيف أنت الآن ؟
=لقد استعدتُ تذوقي للحياة، رغم أنني، فيما سبقَ، لم أكن مقتنعة بأنني قد أستعيد يوماً حاسة الذوق هذه. الآن بتُّ أستطيع القول إن هذا النهار جميل، وإن هذا الطبق لذيذ… الحياة كانت أقوى في النهاية. الجحيم الذي سكنني طيلة شهور اختفى، إلا أن القطيعة التي حصلت في حياتي لن تلتحم من جديد. وإذا ما التحمت فان معالمها لن تختفي كليا. استعيد السكينة في بيتي فلا ارتعب في الليل عند عبور اي سيارة اسعاف.
-كتابة الموت، أو التعبير عن آلامه، اما ساعدتك على الخروج من هذا الوضع النفسي المؤلم؟
=أبداً. أبداً. كتابة هذه القصائد كانت فصلاً غير صحي نفسياً. لقد قمتُ بدور خطير في هذه اللعبة الجهنمية، إذ إنها قادتني إلى مهاوي الجنون. فبدون هذه القصائد، لكانت ردة فعلي على الأحداث المؤلمة أكثر صحة.
-لكنني اكتشفتِ، من خلال هذه القصائد، نفسك إذ خضعت لامتحانات نفسية ولمواجهات صعبة.
=لقد اتجهتُ صوب العالم الذي كان يخيفني. فالموت ما قدم صوبي، بل أنا استدعيته إلى بيتي، إلى جسدي. لقد تعاملتُ معه، واشتغلتُ بأدواته، أي العظام، وتعرفتُ على بيته، على جذور الشجر، وقد صارت خيوطاً وأسلاكاً لنشر غسيل لحم الموتى… لكي أقول كل هذا. هذا يعني أنني لم أكن مرتاحة أبداً في جسدي، وأنني لعبتُ لعبة خطرة. لحسن الحظ أنني أمسكتُ نفسي في اللحظة المناسبة، فما انزلقتُ.
-لقد اجتزتِ الممر الصعب الذي يثير شهية الشعراء، ويُحبط عزائمهم، وهو ممر الموت، أي أن ارتباطك بالشعر بات ارتباطاً كلياً، تورطاً جسدياً ونفسياً. أليس كذلك؟
=في ديواني السابق عن حرب لبنان ترد بوفرة عبارات : التابوت، المقابر، الدم…. أي أنني تعاملت بها في القصائد، ولكن كمتفرج، وعن مسافة. فأنا عايشتُ حرب لبنان عبر الصحافة وصور التلفزيون، وما عايشتها، مثلما كان الأمر مع موت زوجي، في بيتي، في جسدي. فهناك أمور وأحداث لا يمكنني نسيانها أبداً، إذ عشتُها. فقسم الإنعاش، الذي قاوم فيه زوجي الموت طيلة ٢٣ يوماً، سيبقى دوماً بالنسبة لي صالةَ تعذيب، وأدوات الأطباء أدوات قهر. هل يمكنني نسيان صرخته حينما استيقظ مرةً، وقال لي : خذيني من هنا :! لا أعرف إذا كان يمكن نسيان أن الموت لامسنا أثناء عبوره ؟ انا لن انسى على أي حال. هل لأنني شاعرة واجهتُ الموت يضعفٍ لا تلقاه عند غير الشعراء من الناس ؟
-بعد هذه الرحلة هل يمكنك كتابة الشعر ؟
=قد لا أكتب بعد اليوم الشعر أبداً. قد أكتفي بالروايات، كما هي عليه حالي منذ شهور. فقد تسليتُ، وفرحتُ بكتابة رواية هي ليست إلا محاكاة ساخرة لحرب لبنان.، وستصدر في شباط-فبراير المقبل عن “دار فلاماريون” الفرنسية.
حاولتُ كتابة الشعر أكثر من مرة من دون أن أوفق، أو أن أتمكن أصلاً. اضطررتُ للاعتذار عن نشر قصائد جديدة في مجلات فرنسية طلبتْ مني ذلك. فقد كتبتُ قصائدي عن الموت باحساسات قوية جداً، وتبدو أمامها إحساساتي الجديدة باهتة وفاترة.
لقد استعذبتُ الموت بقدر ما خفتُ منه، حتى إن طبيباً نفسانياً نصحني بكتابة أحلامي نثراً، لان كتابتها شعراً لا تنقذني منها، وشدد عليَّ أيضا أن أحكيها.
-لو تروين لنا بعض هذه الأحلام ...
=حلم أول : أحاول في أحلامي إخراجه من قسم الإنعاش، واعادته إلى البيت عبر الزجاج. كنت أرى الشجر يعرى، وأنا أحمل في يدي حقيبته. يقوم بتجميع أوراق محاضرته في حقيبة جلدية، واذا بالحقيقة تتمزق من أسفلها، وتطير الأوراق، نركض خلف الأوراق، أنا وهو، لعلنا نلتقطها… من دون جدوى، فيما يهرع خلفنا الأطباء، والممرضون والممرضات، للامساك بنا، لاعتقالنا، نتوقف عن جمع بعض الأوراق، ونضعها في الحقيبة الجلدية، ثم لا تلبث الحقيبة أن تتمزق وتطير الأوراق من جديد.
حلم ثان : كاهن يصل إلى بيتي فجأة، فاتحاً الأبواب بقوة، فأطرده وأحكم إقفال الأبواب والنوافذ من جديد. كان يرتدي لباساً أخضر، مثل خضرة الورق المتساقط في الحلم السابق…
بعدما تقبلت حقيقية موته، عدتُ أحاول، في أحلامي، إخراجه من المستشفى، بل معاشرته حيث يقيم. صارت الأحلام في فرصة لقائي به، بحيث كنت أبلغ يومياً الحبوب المنومة للوصول إليه بسرعة. في أحلامي الجديدة، كان يبتسم ابتسامة خفيفة من دون أن يتكلم، لكن ستاراً شفافاً كان يفصلني عنه دوماً. أينما كنتُ، ألتقيه : في أحلامي، في الصالون، أو في غرفة النوم. كان الستار يفصلني عنه. ما هو هذا الستار ؟ ماذا تعني الأحلام ؟
-الرواية، بعكس الشعر، لا تفترض أو لا تؤدي بالضرورة إلى مهالك الجنون، وإلى عذابات الجسد. لو تحدثينا عن روايتك الجديدة، عن عودتك الوحيدة إلى عالم الكتابة…
=في الديوان تكلمتُ عن وضع مأسوي.، هو رحيل زوجي، بكيفية مأسوية، أما في الرواية فقد تكلمتُ عن وضع مأسوي هو حرب لبنان، ولكن بكيفية ساخرة مضحكة وغريبة، أحاول نزع الهالة السرية عن الحرب، بحيث أن البعض قد يتهمني، أمام طرافة وسخرية تناولي للحرب، بأنني من دون قلب. بهذه الطريقة أجعل الرعب أقل إيلاماً، أقل أذى.
في الرواية شخوص قد نتعرف ق على بعض أصولها ومراجعها الواقعية : سالمون، حاكم “نابيبي”، الذي ترافقه دوماً العنزات، ويضعها تحت إبطه. امرأة مسنة عايشتْ غزوات البلد كلها، وعرفت في سريرها قادة الغزو كلهم… لقد استخدمتُ، أو انطلقتُ من شخصيات لبنانية معروفة وحولتها، كما فعلتُ، مثلاً، مع رئيس الميليشيا الفينيقية.
-تمزحين، تتسلين، تحاولين الخروج من أنفاق الشعر-الفاجعة، هل تتوصلين ؟
=في البداية، لما دفعت لي دار النشر بمسودة الديوان الطباعية رفضتُ استلامها لتصححيها. خفتُ العودة، مهما كان شكلها ومدتها. دعتني عدة جمعيات ثقافية فرنسية لإلقاء عدد من قصائد الديوان في أمسيات، فتوصلتُ إلى ذلك، ولكن بصعوبة وألم. فقد كتبتُ قصاتئد الديوان خلال ٢٣ يوماً، إلا أن كتابتها استلزمت نزولي إلى أسفل نقطة من ذاتي. إلى قعر أحوالي النفسية،حيث أرتعد تماماً حينما تمثل أمامي تلك اللحظات، حيث القصيدة تتخذ شكل المقبرة.
-يعود ذلك إلى أنك تلاعبتِ بعواطفك، ولاعبتِ الموت. أليس كذلك؟
=لم تكن أمامي وسيلة أخرى غير الشعر. ماذا كان يمكنني أن افعل في المستشفى خلال ٢٣ يوماً، غير الشعر، انا التي اعتادت حياتي عليه، خاصة في الأوقات التي لا شغل لي فيها ! إلى هذا، فإن كتابتي للشعر في حينها كانت تعني لي أنه موجود، أنه ما زال قيد الحياة يقاوم الموت. ماذا كان يمكنني أن أفعل في المستشفى غير الشعر، انا التي اعتبرت وقتها كلَّ عصفور رمادي أمام نافذة غرفتي رسالة موجهة لي.
-قد لا تتوصلين بعد هذا الديوان إلى كتابة الشعر…
=أجل، طالما أنني لا أصل إلى الشعر الذي يجعل شفاهي ترتجف بحروف أبياتها. بعد كل ما عايشته وكتبته، تبدو لي كتابة الشعر محاولة بائسة. أنتظر حالات نفسية تعيدني إلى الشعر، حين يتدفق من الشفاه كصراخ، كوجع، ودفعة واحدة. فبعد أن وصلتُ إلى ما وصلتُ إليه في قصائدي الأخيرة، وبعد أن عانى جسدي ما عاناه شعرياً وانفعالياً، يبدو لي أن “فبركة” الشعر، لا معايشته عمقياً وصميمياً، فعلٌ حقير.
أو أن أكتب شعراً مساوياً في الحالة والتعبير، لما انتهيت من كتابته، أو أنني أمتنع أساساً عن كتابة الشعر. من دون هذا الشرط، تصبح كتابة الشعر، عندي على الأقل، عملاً مخالفاً للاستقامة. إذا لم يجئ الشعر بعد هذه القصائد بهذه المواصفات، أسفا عليه، وأسفاً علي.
-تتحدثين عن الموت، لكنك ما عدتٍ تعيشين في مدينته، أو لا تسافرين صوب عوالمه. تتعلمين، وتتعودين على درب الحياة من جديد، أليس كذلك ؟
=أجل، لقد نجوتُ. ها أنا قد حدثتك عن الموت خلال هذا اللقاء بوعي، بوضوح. إذاً، لقد أفلتُ من أسره.
-إنت لم تتعرفي على عالم الموت، بل تعرفتِ على جسدك (فكراً، وانفعالاً…) يندمج اندماجاً عضوياً بموضوع كتاباتك. ألا تعتقدين بأن اندماجك العضوي هذا يمكن تحقيقه في الحياة نفسها، وليس بالضرورة في الموت فقط ؟ ألا تعتقدين بأن لذة الحياة تليق بمثل هذا الشعر ؟
=أجل، من دون شك. قصائدي عن الموت دمرتني. ففي نهاية الأمر، أنا تورطتُ وأنجذبتُ إلى عوالم عدمية ومحبطة. أجل، يمكن توظيف طاقة الشعر في الحياة، إلا أنني لا أستطيع ذلك في المرحلة الراهنة. فأنا أعود من رحلة إلى عالم الموت، منهكة، مستنفذة، وخائرة القوى. أنا مفرغة عاطفياً، بحيث لا أستطيع الاندماج في حبوه، أو هوس، في أي كتابة شعرية. يكفيني، وأنا في فترة النقاهة، أنني أتمتع بمقدار كاف من الوعي والوضوح، يجعلني أتحقق مما فعلت، وأتبين مسالك الخروج منه. أنا الآن واقفة عند عتبة الحياة، ومن جديد، أنا، الآن، أستطيع أن أثبت قدماً قبل قدم، فلا تطلب مني الجري أو الركض.