الدكتور سعيد عيسى

إذا تتبّعنا أغنية “بنت الجيران” وهي تنتقل من الشارع إلى المنصّة ثم إلى المنصات الرقمية، سنكتشف أن معناها ليس شيئًا محمولًا داخل الكلمات فقط، بل شيء يتكوّن في كل مرة من جديد بحسب من يسمع، وأين، وتحت أي نوع من الرقابة، وبأي طريقة يشارك الناس في تشغيلها وإعادة تدويرها.
في الشارع، الأغنية لا تبدأ حين يبدأ التسجيل، بل حين يُقرَّر أن الشارع نفسه سيصير “مكانًا صالحًا للفرح”. لحظة تركيب السماعات وتمديد الكهرباء وإغلاق جزء من الطريق هي لحظة إعلان سيادة مؤقتة على الفضاء العام. هنا “بنت الجيران” تعمل كأداة لتجميع الأجساد وتنظيمها، إيقاعها ليس خلفية، بل محرك. واللازمة ليست “كورسًا” بقدر ما هي عبارة قابلة للهتاف، أي قابلة للتحول إلى فعل اجتماعي. في فرح شارع، كثير من الناس لا يرددونها لأنهم يتبنون معناها الحرفي، بل لأنهم يريدون الدخول في الجماعة، أن يكونوا جزءًا من كتلة صوتية واحدة. المعنى الأساسي هنا يصبح معنى الطقس، تفريغ ضغط، صناعة بهجة، تحويل الحيّ إلى مسرح، وإعادة ترتيب العلاقات لدقائق. حتى الذي يقف متحفظًا يشارك بطريقة ما؛ يراقب، يعلّق، يبتسم نصف ابتسامة، أو يذهب ويعود. الأغنية تصنع “منظومة مشاركة” أوسع من الرقص نفسه.
في الشارع أيضًا تتغيّر وظيفة الكلمات المثيرة للجدل. لا تُستقبل كبيان أخلاقي يُناقَش ببرود، بل كجزء من لغة استعراض وتحدٍّ يتغذى على المزاح الثقيل والغمز والمبالغة. هناك مساحة ضمنية تسمح بأن تقول أشياء “لا تُقال” رسميًا لأن الجميع يفهم-أو يتواطأ على فهم-أنها جزء من أداء اللحظة لا من برنامج حياة. وهذا يفسر مفارقة تبدو غريبة خارج الشارع، قد تسمع العبارة نفسها في فرح، فتأتي الضحكة والتصفيقة بدل الاستنكار. ليس لأن المجتمع بلا قيم، بل لأن سياق الطقس يعلّق بعض قواعد الخطاب، ويعيد تعريف ما هو “مقبول” بوصفه جزءًا من الهيصة، لا جزءًا من خطاب تربوي علني.
ثم تخرج الأغنية إلى “المنصّة” بمعناها الرسمي، مسرح، حفلة كبيرة، بث تلفزيوني، أو إطار نقابي/مؤسسي. هنا يحدث أول انقلاب في المعنى، الأغنية لم تعد ملك الشارع وحده؛ صارت ممثّلًا عن الشارع أمام جمهور أوسع وأعين أكثر صرامة. المنصّة تجعل العمل يُقرأ باعتباره “عرضًا عامًا” لا “فعلًا محليًا”. يتبدّل نوع الرقابة، في الشارع الرقابة اجتماعية موزعة (نظرات الجيران، كلام الناس، حضور الأهل)، أما على المنصّة فالرقابة مؤسسية وقانونية وإعلامية، وفيها سؤال دائم: هل هذا يصلح أن يُقدَّم بوصفه فنًا مشروعًا؟ هنا تظهر “سياسة الاحترام” بكامل ثقلها، ليس فقط ماذا قيل، بل هل يليق أن يُقال أمام كاميرا؟ هل يليق أن يردده جمهور مختلط وفي فضاء محسوب على “الذوق العام”؟
ولذلك تتحول الأغنية على المنصة إلى كائن “مُهذَّب” أو “مُعدَّل”. تغيير كلمة واحدة ليس تفصيلًا لغويًا؛ هو إعادة ضبط للهوية. النسخة المعدلة تقول: نحن قادرون على التكيّف مع شروط الشرعية. لكن في الوقت نفسه، هذا التكيّف يغيّر إحساس الشارع بالأغنية، جزء من جمهورها الأصلي قد يشعر أن روحها خُففت أو أن تمردها جرى تدجينه. هكذا يتولد معنى جديد، الأغنية تصبح ساحة صراع بين نسختين من المجتمع؛ مجتمع يريد الاعتراف الرسمي بشرط التهذيب، ومجتمع يفضّل “الصدق الفج” حتى لو كان مكلفًا. على المنصة، “بنت الجيران” لا تختبر فقط مهارة المغني، بل تختبر حدود ما تسمح به المؤسسة لصوت قادم من الهامش عندما يقترب من المركز.
وحتى طريقة التلقي تتغير على المنصة. الجمهور هناك غالبًا لا يشارك بالطريقة نفسها؛ المشاركة تصبح أكثر انضباطًا، تصفيق في أوقات، تصوير بالجوال، ترديد محسوب. في الشارع الجمهور “شريك إنتاج” لأن صوت الجماعة جزء من المكس النهائي للحفلة، أما على المسرح فالجمهور “متلقٍ” ضمن عقد عرض واضح، فنان يؤدي، وجمهور يستهلك، وأمن ينظم. بهذا يتبدل معنى الأغنية من كونها أداة امتلاك للفضاء إلى كونها منتجًا يُقدَّم داخل فضاء مُمتلك أصلًا من جهة أخرى.
ثم تأتي المنصات الرقمية فتفعل شيئًا أكثر راديكالية، لا تنقل الأغنية فقط، بل تفتتها وتعيد تركيبها. على تيك توك وإنستغرام مثلًا، الأغنية لا تُستهلك كاملة غالبًا؛ تُستهلك كـ“مقطع قابل لإعادة الاستخدام”. هذا يخلق تحولًا ثالثًا في المعنى: من أغنية لها بداية ونهاية إلى “خامّة اجتماعية” تصلح لكل شيء. فجأة قد يصبح المقطع نفسه خلفية لفيديو ساخر عن الغيرة، أو لاستعراض ملابس، أو لمشهد تمثيلي عن خذلان، أو لرقصة في مدرسة، أو لاحتفال في سيارة. هنا تنفصل الدلالة عن سياقها الأصلي، لا يعود مهمًا أن القصة تتعلق بـ“بنت الجيران” حرفيًا؛ المهم أن الطاقة الانفعالية للمقطع (التحدي/الهيصة/المبالغة) تصلح لتضخيم أي قصة قصيرة يريدها المستخدم.
ومع هذه التجزئة تتغير السلطة مرة أخرى. في الشارع، السلطة موزعة بين الدي جي والجمهور والحي؛ على المنصة، السلطة بيد منظمي الحفل والمؤسسة؛ على المنصات الرقمية، السلطة خليط معقّد من المستخدمين والخوارزميات. الخوارزمية تكافئ ما يُعاد استخدامه بسهولة، مقطع قصير، واضح الإيقاع، قابل للتقليد، ويُنتج “تفاعلًا”. وهذا يعيد تعريف ما هو “نجاح”، النجاح ليس عدد مرات الاستماع فقط، بل عدد مرات إعادة التوظيف. الأغنية تصبح “قالبًا” جاهزًا لإظهار الذات. كثير من جيل “زد” لا يضعها ليصغي لها، بل ليقول شيئًا عن نفسه عبرها: أنا جامد، أنا زعلان، أنا بهزر، أنا بعاكس، أنا أحتفل. الأغنية تتحول إلى لغة إيمائية.
الأكثر أهمية أن المنصات الرقمية تخلق مسرحًا أخلاقيًا جديدًا أيضًا. ما كان “مقبولًا” في فرح شارع بوصفه جزءًا من الطقس، قد يصبح على الإنترنت مادة لمحاكمة علنية لأن الإنترنت يخلط الجمهور، شخص من حي شعبي وشخص من طبقة وسطى محافظة وشخص يعيش خارج البلد، كلهم يشاهدون المقطع نفسه من دون أن يشتركوا في قواعد السياق المحلي. فتظهر سوء قراءة منتج، أحدهم يرى “هيصة”، آخر يرى “انحلال”، ثالث يرى “فنًا شعبيًا مقاومًا”. وهنا تشتغل التعليقات كفضاء تفاوض، الجمهور لا يكتفي بالاستماع، بل يضع حدودًا ويصنع معنى ويطلق أحكامًا ويصوغ سرديات عن “المجتمع”. كأن الأغنية تتحول إلى قضية عامة صغيرة تتجدد مع كل فيديو.
ومن خصائص المنصات أيضًا أنها تعكس العلاقة بين العلنية والخصوصية بطريقة معاكسة للشارع. في الشارع، أنت ضمن جماعة محلية تعرفك وقد تحاسبك لاحقًا؛ في المنصات، أنت قد تكون مجهولًا لكنك مكشوف أمام جمهور هائل. هذه المفارقة تغيّر استخدام الأغنية، قد يتشجع البعض على أداء مبالغ فيه لأنهم محميون نسبيًا خلف الشاشة، وقد يتراجع آخرون لأنهم يخافون الأرشفة الرقمية. الشارع ينسى نسبيًا، أما المنصة الرقمية فلا تنسى. وبالتالي تتبدل “جرأة” الأغنية، في الشارع هي جرأة لحظية، على الإنترنت هي جرأة قابلة للاقتطاع وإعادة السياق إلى ما لا نهاية.
والأهم من كل ذلك أن هذه التحولات الثلاثة تصنع ثلاث نسخ من “بنت الجيران” تعيش معًا. نسخة الشارع: أغنية فرح واحتلال صوتي للمكان وتنفيس جماعي. نسخة المنصّة: أغنية “قابلة للتمثيل” أمام المؤسسة بعد التهذيب والمفاوضة. نسخة المنصات الرقمية: أغنية-مادة خام، تُقصّ وتُلصق لتخدم سرديات لا علاقة لها بالضرورة بقصة الأصل. وكل نسخة تعيد تشكيل ما نعتقد أنه “المعنى الحقيقي” للأغنية؛ فلا يعود هناك معنى واحد ثابت، بل شبكة معانٍ تتغير مع انتقال الأغنية بين أنظمة مشاركة مختلفة، من جسد جماعي في الشارع، إلى جمهور منضبط على المسرح، إلى أفراد يصنعون محتوى تحت عين الخوارزمية.