حين يتكلم التراث بلغة الحياة
خاص غرفة 19 أيام الشارقة التراثية 2026
في مساءٍ مشبع برائحة الذاكرة، ومضاءة بنبض الحكايات القديمة، احتضن بيت النابودة ضمن فعاليات «أيام الشارقة التراثية» أمسية ثقافية ثرية، توزعت على ندوتين متكاملتين، حملتا الجمهور في رحلة عبر الأسواق القديمة والفنون الشعبية، قبل أن تختتم الليلة بلمسة شعرية موسيقية زادت المشهد بهاءً ودفئًا.
الندوة الأولى:
العمق الاقتصادي للأسواق القديمة: السلع والبضائع والمنتوجات
المشاركون:
- الباحث د. خميس بن نايم الكعبي (الإمارات)
- الباحث أ. محمد حنون النقبي (الإمارات)
- الباحث د. يونس بن سيف النعماني (عُمان)
- الباحثة والفنانة د. كريمة الشوملي (الإمارات)
- إدارة الندوة: المهندس سلطان الحمادي (الإمارات)
افتتحت الندوة بمدخل غنيّ قدّمه الباحث الدكتور خميس الكعبي، حين استحضر حرفة «السخام» أو الفحم، بوصفها نموذجًا حيًّا على مشقة الإنتاج في البيئة القديمة. لم يكن السخام مجرّد مادة للطهي أو التدفئة، بل ثمرة عمل شاق يبدأ من جمع أغصان شجر السمر والسدر والغاف، مرورًا بحرقها ودفنها في الرمال، وانتهاءً بتداولها في الأسواق. توقف المتحدث عند طرق التجارة التي حملت هذا المنتج إلى أسواق مثل الشناصية والصقر، مشيرًا إلى أن المقايضة كانت نظامًا اقتصاديًا راسخًا، يقوم على الثقة والتكافل، قبل أن يكون تبادلًا ماديًا. ثم انتقل الحديث إلى السوق القديم في خورفكان، حيث قدّم الباحث محمد النقبي صورة نابضة لهذا الفضاء، الذي لم يكن مجرد مكان للبيع والشراء، بل ساحة اجتماعية وثقافية وفنية. تحدّث عن نظام الحراسة، وعن الأدوار الجماعية في حماية السوق، وعن تشابهه مع أسواق عربية تاريخية كـسوق عكاظ، حيث تلاقت التجارة بالشعر، والسلعة بالفكرة.
وتتبع المتحدث مسار تطور السوق حتى أصبح اليوم معلمًا سياحيًا، دون أن يفقد جذوره الأولى.
من جانبه، فتح الباحث الدكتور يونس النعماني نافذة على التجربة العُمانية، من خلال سوقي نزوى ومطرح، مبرزًا مكانتهما كمركزين اقتصاديين وثقافيين. ولم يقتصر دورهما على التجارة، بل امتد ليكونا رافدًا للتنمية المستدامة، وميدانًا للحفاظ على الهوية.
أما الباحثة والفنانة الدكتورة كريمة الشوملي، فقد أخذت الحضور إلى عالم الأقمشة، والزخارف، والألوان، بوصفها لغة صامتة تعبّر عن الذوق والهوية والانتماء. تحدثت عن أسواق مثل سوق العرصة، وعن طقوس الشراء، وعن الدور الاجتماعي للنساء، سواء عبر تكليف الأزواج أو من خلال البيع المتجول، في مشهد يعكس ديناميكية المجتمع القديم.
وكان لإدارة الندوة حضور لافت، حيث نجح المهندس سلطان الحمادي في ضبط إيقاع الحوار، وفتح مساحات للنقاش، وربط الأفكار بسلاسة وعمق.

الندوة الثانية:
الفنون الشعبية… ذاكرة الروح وإيقاع الجماعة
المشاركون:
- الباحث د. أحمد سعد الدين (مصر)
- الباحث أ. خالد البدور (الإمارات)
- الباحث أ. علي البشر (الإمارات)
- إدارة الندوة: الباحث أ. علي العبدان (الإمارات)
انطلقت الندوة بمداخلة مقارنة للدكتور أحمد سعد الدين، وضع فيها الفنون الشعبية المصرية والإماراتية في سياقها العربي المشترك، مبرزًا وحدة الجذور وتنوّع التعبيرات.
استعرض نماذج من الفنون الإماراتية، مثل العيالة والليوا، مفسرًا رمزية الحركات، ودلالات الإيقاع، وعلاقتها بالقيم الاجتماعية والانضباط الجماعي. كما قدّم نماذج من التراث المصري، كالسيرة الهلالية، والتحطيب، والأراجوز، والإنشاد الديني، محللًا أبعادها الفنية والفكرية والنفسية.
ثم جاء دور الباحث خالد البدور، الذي أضاء جانبًا حميميًا من التراث، عبر «المهاورة» أو أغاني المهد. عرض تسجيلات لنساء يرددن هذه الأهازيج، محللًا لغتها، ونبرتها الحزينة غالبًا، وما تحمله من شكاوى وحنين وذاكرة عاطفية عميقة، جعلت من هذه الأغنيات وثائق وجدانية بامتياز.
وفي الختام، قدّم الباحث علي البشر عرضًا بانوراميًا للفنون الخليجية، مبرزًا تشابهها الكبير، مع بعض الخصوصيات المحلية. كما أدّى نماذج إيقاعية حيّة، وأشار إلى جهوده في مزج القوالب التراثية من خلال فرقة “زينة الشارقة للفنون الخليجية”، في محاولة واعية لإحياء التراث بروح معاصرة.

ختام الأمسية:
حين يلتقي الشعر بالموسيقى
لم تنتهِ الليلة عند حدود الفكر والتحليل، بل اكتملت روحها بأمسية شعرية موسيقية، جمعت الفنان محمد اليافعي بالشاعر والملحن عتيق الكبيسي.
عزف اليافعي مقطوعات تراثية، نسجت خلفية صوتية دافئة، بينما ألقى الكبيسي قصائده الوجدانية بصوت مشبع بالإحساس، فامتزجت الكلمة بالنغمة، والذاكرة بالوجدان، في لحظة صفاء نادرة.
كانت الخاتمة بمثابة تتويج لكل ما سبقها:
اقتصاد قديم، وفن أصيل، وشعر حيّ… اجتمعت لتقول إن التراث ليس محفوظات تردد، بل حياة تُعاش بكل أبعادها.

الشارقة: مروان ناصح