بين الحين والحين ، وفي لحظات استرخاء على أريكتي ، أتنقّل بين منصّات التواصل الاجتماعي ؛ أقرأ نصوصاً ، وأشاهد مقاطع فيديو ، وأطّلع على صور قادمة من جهات شتّىٰ من هذا العالم ، لا يكون ذلك بدافع التسلية ، بقدر ما هو بحث غير مباشر عن ملامح التقدُّم الإنساني ، وعن الكيفية التي تعبّر بها الشعوب عن ثقافتها ، وعن علاقتها بالمعرفة والتكنولوجيا ، وبالكتاب على وجه الخصوص.
بعض ما نراه يبعث على الفرح والإبتهاج ، لأنّه يؤكّد أن الإنسان ما يزال قادراً على إنتاج الوعي ، وبعضه الآخر يترك في النفس مرارةً ثقيلة ، لأنه يكشف عن هوَّة آخذة في الاتساع ، لا سيما حين ننظر إلى موقعنا الثقافي العربي في هذا المشهد العالمي المتسارع.
في الأيام القليلة الماضية ، استوقفني مقطع مصوّر لامرأة عربية تقيم في كندا ، كانت تتحدّث بمرارة عن تجربة شخصية ، لكنها في الحقيقة كانت تعبّر عن أزمة جماعية ؛ اعتادت هذه المرأة ارتياد القسم العربي في مكتبة عامة قريبة من مكان سكنها ، وحين انقطعت عن زيارتها للمكتبة مدة قصيرة ، ثم عادت ، فوجئت باختفاء الركن العربي بالكامل من المكتبة ، وحين سألت عن السبب ، جاءها الجواب بسيطاً وصادماً في آن واحد : « تمت إزالة القسم العربي لأن عدد روّاده خلال العامين الأخيرين لم يتجاوز عدد أصابع اليد » .
ليس في الأمر عداء للغة العربية ، ولا أَنَّها مؤامرة ثقافية كما يعتقد البعض أو قد يتبادر إلى الذهن ، إنَّها سياسة مؤسسية : « ما لا يُقرأ ، لا مبرّر لبقائه ، وهنا يتبادر إلى الذهن السؤال القديم المتجدّد : هل العرب لا يقرأون؟ » .
في مشهد آخر ، من الجهة المقابلة من العالم ، وتحديداً من الصين ، يظهر طابور طويل يمتد أمام أحد المباني العامة ، يستفسر صانع الفيديو عن سبب هذا الازدحام ، فيأتيه الرد المفاجئ : « الطابور للدخول إلى المكتبة العامة » ، مشهد يبدو غريباً لمن اعتاد رؤية المكتبات أماكن صامتة ، شبه مهجورة ، لكنه في الصين مشهد يومي ، حتى بات ارتياد المكتبة مشهداً مجتمعياً يتطلّب الانتظار .
وبين هذين المشهدين ، يمرّ خبر ثقافي عابر في القنوات المتلفزة ، لكنه يكشف عن سوءة : « ما يُترجَم من الكتب من وإلى اللغة الإسبانية يعادل قرابة عشرين ضعف ما تترجمه الدول العربية مجتمعة » ، رقم لا يحتاج إلى تعليق طويل ، لأنه يضعنا مباشرة أمام فجوة معرفية تتجاوز الأفراد إلى السياسات الثقافية العامة والمؤسسات .
ثم تأتي الشهادة الأقرب مكانياً وزمانياً ، تخبرني ابنتي ، بعد زيارة لمكتبة الجامعة التي تدرس فيها ، عن فراغ يثير القلق ؛ مكتبة واسعة ، هادئة إلى حد مريب ، تكاد تخلو إلا من عدد محدود من الموظفين ، وصمت يدل على الغياب ، غياب الطالب ، وغياب القارئ ، وربما غياب السؤال ، الذي هو جوهر المعرفة .
هذه المشاهد ، حين تُقرأ مجتمعة ، لا تبدو حوادث منفصلة ، إنما هي أعراض لحالة ثقافية عميقة ، حالة تتراجع فيها القراءة بوصفها طقوساً يومية ، وتتراجع معها القدرة على صناعة وعي نقدي حاضر ، فالأمم لا تبني مستقبلها بالصور السريعة وقراءة المنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي ، ولا بالمعرفة المجتزأة ، بل بالكتاب الذي يراكم الفكرة ، ويمنح العقل عالمه الطبيعي والزمن للفهم والتأمل .
السؤال الحقيقي ليس : « هل يقرأون ونحن لا نقرأ؟ »
السؤال الأعمق : « هل نؤمن بأن القراءة ضرورة حياة ، أم اختزلناها في كماليات ثقافية يمكن الاستغناء عنها ؟ » .
حين تنحسر القراءة ، ينحسر معها عدد الكتب ، وتضيق المساحة التي يتكوّن فيها الإنسان الواعي ، القادر على الفهم والتحليل والمساءلة واتخاذ الموقف ، وعندما تتراجع الترجمة ، لا نخسر الكتب فقط ، بل نخسر الحوار مع العالم ، وننسحب تدريجياً إلى هامش التاريخ . هذا ليس جلداً للذات ، ولا وقوفاً على أطلال الثقافة العربية ، هذه محاولة تأمل صادقة في واقع حقيقي لا يمكن تجاهله ، واقع يدعونا إلى مراجعة حثيثة لعلاقتنا بالمعرفة ، وبالكتاب ، وبالسؤال الأساس الذي بدأت به كل الحضارات : لماذا نقرأ ؟ . وقفة تأمل … وقفة حزن واعٍ … وسؤال مفتوح ، لأن الإجابات السهلة ما عادت كافية . وهيهات ..

( عماد عواودة ، أبو حازم
الأحد ١١ يناير ٢٠٢٦ ، قميم ، الأردن )