
استاذة فاتن محمد علي
لم تكن أم كلثوم مطربةً عابرة في تاريخ الغناء العربي، ولا ظاهرةً صوتية فحسب، بل كانت كيانًا ثقافيًا قائمًا بذاته، مؤسسةً شديدة التعقيد والثراء، تشكّلت حولها العقول الكبرى، وتقاطعت عندها مسارات الأدب، والصحافة، والموسيقى والسياسة. لقد تجاوزت حدود الفن بوصفه أداءً، لتصبح فعلًا ثقافيًا مركزيًا، وصوتًا جمعيًا عبّر عن وجدان الأمة العربية في أكثر لحظاتها توترًا وانكسارًا ونهوضًا.
بنت أم كلثوم صرحها العظيم بوعيٍ نادر لدورها التاريخي. لم تكن صاحبة الموهبة وحدها، بل أدركت منذ بداياتها أن الصوت لا يخلد ما لم تحمله رؤية، وما لم يُصقل بالمعرفة والانضباط والاختيار الصارم. لذلك أحاطت نفسها بنخبة من فطاحل الكُتاب والشعراء: بنتّ أم كلثوم ثقافتها الغنائية جنبًا إلى جنب مع أحمد رامي، لا بوصفه شاعرًا فحسب، بل بوصفه عقلًا جماليًا شاركها تشكيل ذائقتها، وارتقى بالكلمة المغنّاة من حدود الطرب إلى فضاء التأمل والسمو الإنساني. كان رامي شريكًا في بناء هذا الوعي، كما كانت هي تلميذة نهمة لا تتوقف عن التعلم، تقرأ، وتناقش، وتراجع، إذ منح الغناء بعده العاطفي العميق، وبيرم التونسي، ثم لاحقًا صلاح جاهين وعبد الوهاب محمد وغيرهم، ممن صاغوا للكلمة الغنائية مكانةً موازية للشعر المكتوب. لم تكن تختار النصوص بوصفها مادة للغناء فقط، بل بوصفها خطابًا ثقافيًا يُقال على الملأ، ويُعاد ترديده في الوعي الجمعي.
وفي الموسيقى، شكّلت أم كلثوم محورًا التقت حوله عبقريات التلحين:
، لم تبدأ الرحلة مع الكبار فقط، بل مع الجذور. كان الموسيقار محمد أبو العلا أحد أوائل من صاغوا ملامحها الأولى، وأسهم في تهذيب صوتها وتثبيت أقدامها على الطريق الصحيح، واضعًا الأساس الذي سيُبنى عليه لاحقًا هذا الصرح الهائل. ثم القصبجي الذي جدد معها الاغنية، زكريا احمد ورياض السنباطي الذي قدم معها اروع القصائد الصعبة والتي كانت تجد طريقها لذائقة جمهور واع، يعيها، ويتذوقها
ثم لقاء السحاب مع الموسيقار عبد الوهاب، الذي نقل الأغنية إلى أفق جديد دون أن يفقدها روحها الشرقية. كانت شريكةً حقيقية في صناعة العمل، تناقش، وتراجع، وتؤجل، وتعيد الغناء عشرات المرات حتى تبلغ الصيغة التي ترضى عنها. هكذا تحوّل العمل الغنائي إلى مشروع ثقافي طويل النفس، لا إلى منتج استهلاكي سريع الزوال.
كلٌّ يضيف طبقة جديدة من العمق، دون أن يطغى على جوهر الشخصية الكلثومية.
ولم تكن أم كلثوم منغلقة على مجدها، بل امتلكت شجاعة نادرة في منح الثقة للمواهب الجديدة. شجعت الملحن الشاب بليغ حمدي، وراهنت على موهبته في وقت كان فيه الاقتراب من كوكب الشرق مغامرة محفوفة بالرهبة. قدّم لها بليغ روائع لحنيّة نقلت الأغنية إلى مساحة أكثر حيوية وحداثة، دون أن تُفقدها وقارها، فكانت شريكته في تجديد محسوب لا يهدم، بل يضيف.
أما علاقتها بالصحافة، فكانت علاقة تأثيرٍ متبادل. لم تكن الصحافة تتابعها فحسب، بل كانت جزءًا من حضورها العام. كتبت عنها الأقلام الكبرى، فربطتها صداقة واحترام متبادل مع أعلامها الكبار: فكري أباظة بقلمه الراق العميق، ومحمد التابعي “أبو الصحافة” بوعيه النقدي ونفوذه الثقافي، ومصطفى أمين بحضوره الجماهيري وتأثيره الواسع. لم تكن هذه العلاقات ترفًا اجتماعيًا، بل امتدادًا لوعيها بدورها، وإدراكها أن الفن يعيش داخل سياق ثقافي متكامل. وحُللت حفلاتها كما تُحلل الأحداث السياسية، وتحوّلت ليلة الخميس التي تغني فيها إلى طقس اجتماعي وثقافي، تتوقف له الشوارع، وتُغلق المقاهي على صوتها، ويصغي الناس كأنهم أمام خطاب مصيري. لقد وحّدت الذائقة، وصنعت زمنًا مشتركًا نادر الحدوث.
بنت أم كلثوم رمزها أيضًا عبر انضباط صارم واحترام عميق للجمهور. لم تُفرّط في قيمتها، ولم تُبدد صوتها في التكرار المجاني، ولم تنساق خلف موجات عابرة. كانت تدرك أن الخلود لا يُمنح، بل يُنتزع بالعمل الشاق، وبالقدرة على التطور دون الانفصال عن الجذور. لذلك ظلّت حاضرة لعقود، تتغير الأزمنة وتبقى هي، تتبدل الأذواق وتفرض هي معيارها.
إن أم كلثوم لم تخلّدها قوة الصوت وحدها، بل قدرتها على أن تكون مركزًا ثقافيًا جامعًا، وضميرًا فنيًا، وذاكرةً حيّة. لقد شيدت صرحها حجرًا حجر: بالكلمة المنتقاة، واللحن العميق، والأداء المتفرّد، والوعي بدورها التاريخي. هكذا تحوّلت من مطربة إلى رمز، ومن نجمة إلى مؤسسة، ومن صوتٍ فردي إلى ذاكرة أمة لا تزال تنصت.