
المتساقط من التدوين في رواية سؤال النار
أنسنة التأريخ بين الطوباوية والواقع
البحث عن المتساقط من التدوين … سؤال النار انموذجا
سؤال النار هو عنوان الرواية التي صدرت للأديب علي لفتة سعيد عن دار اسكرايب للنشر والتوزيع في مصر لعام 2024 ، وحين نكشف شفرات هذه الرواية لابد لنا ان نبدأ من مقاربة عتبة العنوان (سؤال النار) حين يبدأ السرد بعد الاستهلال مباشرة بسؤال بديهي تحدده شخصية البطل يطرح نفسه دائما من داخل أعماقنا جميعا . (لماذا نحن نعيش هكذا في صراع ؟) ومن ثم يتناسل هذا السؤال ليولد في داخل الشخصية عدة اسئلة . (من المسؤول) و (لماذا كل هذا الموت قتلا واغتيالا) و ( لماذا نكره الحياة ونتاجر بالموت )
( أنا انسان وضعت السؤال أمامي فاشتعل نارا ص24 )
إن بدايات السرد في هذه الرواية توحي للقارئ بأن ما يدور من صراع ديني أو مذهبي سببه التدوين والمقطوع من التاريخ والمخفي وكذلك المسكوت عنه ، لكن حين تنتهي من قراءتها بشكلٍكامل يتضح لنا أن شخصية البطل تصل الى قناعة تامة ان الإشكالية تكمن في فهمنا للتاريخ الديني بشكل خاص، وأن اختلاف المذاهب حول القضايا المفصلية بسبب عملية التأويل الخاطئةـ لأسبابٍ تتعلق بالمسكوت عنه والمخفي والمقطوع من التاريخ طبقا للعوامل السياسية والاجتماعية .
تتّصف هذه الرواية بجوانب طوباوية عديدة أثمرت عن وجوب استدعاء شخصيات افتراضية في (مخيلة البطل) بعد ان أغرق ذاته بالعديد من الأسئلة ، وأن توالد تلك الأسئلة في هذه الرواية من قبل (البطل) يتحتم بوجوب استدعاء شخصيات ماثلة يستدعيها الكاتب بطريقة متفردة وهي شخصيات وهمية تدور في مخيلته وتتحدث عن المسببات الأساسية لهذا الدمار والقتل الذي يحيط بنا ، وهي حوارية جدلية تفصح عن المرتكزات الأساسية التي جعلت ما يحيط بنا هو سببه التاريخ والتدوين ،ونستشف من قراءة هذه الرواية ايضا ان الكاتب يريد هنا محاكمة التاريخ عن كل ما دار من مثالب وكبوات وصراعات في هذه الحياة التي نعيشها .
لذلك جاءت شخصية البطل مطابقة ومولعة بقراءة التاريخ ورثها من أبيه وتكون هذه الشخصية وكأنها تبحث عن الأجوبة وهي عملية صعبة ومعقدة حسب شخصية ( ذي الأسماء ) .
عندما نتحدث عن الانعكاس التاريخي على الواقعـ لابد لنا أن نستعين بشذرات أو جزئيات معينة من التاريخ لتذويبها وتوظيفها داخل المتن النصي ؟ لذلك قصد الكاتب الى ابراز وقائع وحوادث عديدة وصلت الينا عبر كتب التأريخ وعرضها امام الشخصية ( ذي الأسماء ) من خلال الحوارات والسجالات التي تبين لنا ان هذه الشخصية اصبحت بمثابة الناطق باسم التأريخ ، وهنايحيلنا الكاتب الى القراءة الموضوعية للتاريخ بين الماضي والحاضر والطريقة المثلى التي يفترض من خلالها تدوين الراهن ، فالكاتب علي سعيد يقرب عين التاريخ على الحاضر والمتغيرات التي طرأت في الألفية الثالثة من حياتنا ومن خلال الشخصية التاريخية التي صنعها وهي شخصية تبدو كأنها مرئية من وجهة نظر البطل لكنها من نسج الخيال ، لكن وجودها يعد بمثابة معادل موضوعي للإجابة على المتون السردية تارة وتارة اخرى عن الأسئلة التي يطلقها بطل الرواية من خلال المنولوجات وكذلك الحوارات الدائرة بينهما .
لذلك ان الخيال الخصب الذي يتمتع به ( البطل ) جاء ليحفز الذاكرة في الاسترجاع الفني لبعض الأحداث الماضية من جهة واستحضار الشخصيات التاريخية من جهة اخرى وهذا اسهم بشكل فاعل في تصعيد درامية المشاهد وتوليد الحبكة الفنية داخل النص الروائي .
الرواية تستعرض العديد من الشخصيات التاريخية والسياسية والقامات الشعرية عن طريق شخصية البطل عبر مجادلتها في العديد من القضايا المختلفة مع ( ذي الاسماء ) . لذلك اصبحت شخصية البطل تعاني من استكشاف الحقائق داخل التاريخ حول ما وصلنا من احداث نقلت الينا عبر مر الأزمنة ، فلا بد من فهم التاريخ اولا وكذلك عدم وجود اجوبة مقنعة من خلال الحوارات الدائرة .
تعد الشخصية التأريخية في هذه الرواية شخصية خارقة كونهصاحب دور أساسي في السرد حيث يمتاز بمرجعية تاريخية وأشبه بالسارد الغائب الذي يقدم لنا مسرودات معينة بأقل تدخل سردي فقد اعتمد الكاتب على طريقة التلخيص كون السرد هنا يتعلق بسلسلة من الأجوبة ردًا على مجموعة من الأسئلة المعينة ، فيكون التلخيص هو الذي يؤلف الأجوبة المثارة حسب تعبير (برنس ) .
إن كمية الوعي التي تمتلكها شخصية ( البطل ) جعلت منها شخصية مضطربة تعيش تائهة في الطرقات ومحبطة وغارقة في التفكير وتشعر دائما بالاغتراب عن بقية الأفراد ، بينما بقية الناس تعيش بلا مبالاة وهذه هي ضريبة الوعي والثقافة التي يمتلكها المثقف حسب تعبير الكاتب .
يشكل المنولوج العتبة الرئيسية والمهمة في هذه الرواية بل القاعدة الرئيسية التي بنيت عليها جميع مرتكزات الرواية ، ومن خلال هذا العمل الفني قد يخيل للقارئ اننا امام عمل فني منودرامي بسبب الشخوص المتخيلة والصوت الخارجي والحوار مع الذات وكذلك الفجوة الدرامية وبعض الاسترجاعان الفنية في سرد الأحداث المعينة. فقد مثل المنولوج هنا صوتًا أحاديًامعارضًا وبمثابة الشخصية التي تشكّك وتفنّد مجريات التاريخ من خلال طرح الأسئلة التي تلقي بظلالها على محاكمة الراهنوالتاريخ معا، وكذلك المحفّز نحو خلق الأسئلة في مخيّلة البطل، كونه عانى كثيرًا من المأساة التي عاشها بعد أن فقد أبيه أثر تفجير سيارة مفخّخة في شارع المتنبي، بعد أن ذهب والده لشراء كتاب تأريخي! وهذا يدلّل على الربط الواضح بين المأساة والتأريخ .
( الساعة العالية لا تعمل كأن التاريخ متوقّف أو زمن التاريخ ، فالتاريخ لم يزل يأكل علف السنين )
إن رواية سؤال النار للكاتب علي سعيد جاءت بمثابة جملة من الأسئلة التأريخية التي تصل بك الى جملة من المتاهات التي تتعلّق بالتأويل التأريخي الذي يحمل مساحات واسعة جدا ، وهذا ما انعكس بشكلٍ واضحٍ في خاتمة الرواية على شخصية البطل الذي تاه في لجّ الأسئلة والأجوبة والتأويل الواسع .