خاص غرفة 19 أيام الشارقة التراثية 2026
ندوتان في بيت النابودة…
الأدب الشعبي والحلي التراثية في حوار الذاكرة والهوية
في مساء الجمعة 13 فبراير، احتضن بيت النابودة ندوتين ثقافيتين ضمن أيام الشارقة الثقافية، اجتمعت فيهما أصوات من أقطار عربية مختلفة، لتقدّم قراءة معمّقة في مكوّنات التراث الشعبي، بين الكلمة والمادة، وبين الذاكرة والابتكار.
جاءت الأمسيتان نموذجًا حيًّا للتفاعل العربي المشترك، حيث التقت التجربة المغربية والمصرية والإماراتية والقطرية في فضاء واحد، يؤمن بأن التراث ليس ماضيًا منتهيًا، بل مشروع وعي متجدد.
الأدب الشعبي في العالم العربي… وحدة الجذور وتنوّع المسارات حملت الندوة الأولى عنوان “الأدب الشعبي في العالم العربي” وشارك فيها نخبة من الباحثين:
• الدكتورة العالية ماء العينين (من المغرب)
• الدكتور مصطفى جاد الحق (من مصر)
• الدكتور خالد أبو الليل (من مصر )
• الدكتور راشد المزروعي (من الإمارات)
وأدارها الأستاذ سالم الطنيحي )من الإمارات)
-الأندلس في الذاكرة الشعبية
استهلّت الدكتورة عالية ماء العينين مداخلتها بعنوان “الأثر الأندلسي في الأدب الشعبي المغربي والبلاد العربية”، مؤكدة أن الأدب الشعبي العربي ينطلق من وحدة حضارية وتاريخية مشتركة. وتناولت حضور الثقافة الأندلسية في الأمثال والحكايات المغربية، موضحة أن هذا التأثير بدأ قبل خروج المسلمين من الأندلس، ثم تعزّز بعد هجرتهم إلى المغرب. كما بيّنت كيف انتقلت هذه الأمثال لاحقًا إلى مصر والمشرق، لتصبح جزءًا من الذاكرة العربية الجامعة.
-مسار البحث الأكاديمي
ثم قدّم الدكتور مصطفى جاد الحق مداخلته بعنوان “الرؤية المستقبلية للباحث العربي في الأدب الشعبي” مستعرضًا بدايات الاهتمام الأكاديمي في مصر منذ أربعينيات القرن الماضي، مع دراسة الدكتورة سهير القلماوي لـــ” ألف ليلة وليلة”. وأشار إلى دور الدكتور عبد الحميد يونس في تأسيس جيل من الباحثين، ثم إلى ازدياد الدراسات الجامعية في الستينيات، رغم استمرار نقص المتخصصين حتى اليوم، مقابل كثرة المؤلفات غير الأكاديمية. وأكد أن الأدب الشعبي ما يزال المجال الأبرز في الدراسات التراثية.
-الأصالة في زمن التقنية
أما الدكتور خالد أبو الليل، فقد طرح إشكالية العلاقة بين الأصالة والمعاصرة في مداخلته “أصالة الأدب الشعبي وعلاقته بالذكاء الاصطناعي” متسائلًا: هل الحداثة نقيض للتراث؟ وانتهى إلى التمييز بين “التراث” المنقضي، و”الموروث” الحي القابل للتجدد، معتبرًا أن الثقافة الشعبية استطاعت سابقًا التكيّف مع الإذاعة والتلفزيون، وهي اليوم قادرة على التفاعل مع الذكاء الاصطناعي أيضًا.
-الشعر الشعبي والتوثيق
وفي مداخلته بعنوان “الشعر الشعبي ودوره في توثيق الحياة الشعبية “أكد الدكتور راشد المزروعي وحدة منابع الأمثال العربية، وتنوّع أساليبها. وتحدث عن تجربته في جمع الأمثال والقصائد الشعبية في الإمارات، مبرزًا دور الشعر العامي في تسجيل الأحداث والكوارث والوقائع الاجتماعية، وقرأ نماذج شعرية تؤكد هذا الدور التوثيقي.
وقد أسهم مدير الندوة في ضبط الوقت وتنشيط الحوار، مما منح الجلسة إيقاعًا معرفيًا متوازنًا.

الحلي والزينة… من الذاكرة الاجتماعية إلى الابتكار الفني
جاءت الندوة الثانية بعنوان “الحلي والزينة من التراث… بين الأمس واليوم”، وشارك فيها:
• الباحثة خولة محمد المناعي (من قطر)
• الأستاذة فاطمة مسعود المنصوري (من الإمارات – العين)
• الفنان علي مبارك (من الإمارات)
وأدارتها الفنانة إسراء المُلا (من الإمارات)
-الزينة بوصفها تجربة حياة
افتتحت الباحثة خولة المناعي الندوة بالتأكيد على تشابه أدوات الزينة في المجتمعات الخليجية، معتبرة إياها جزءًا من دورة الحياة الاجتماعية، المرتبطة بالمناسبات والأعراس والطقوس. وتناولت المواد المستخدمة، كالذهب والفضة والأحجار الكريمة، وقدمت عرضًا مفصلًا لأدوات تزيين الجسد من الرأس إلى القدم، مدعومًا بصور توضيحية ووصف علمي دقيق.
-ابتكار معاصر من رحم التراث
ثم قدّم الفنان علي مبارك تجربته في توظيف التراث لصناعة أشكال حديثة من الحلي، معتمدًا على البنية الهندسية للمكعبات، في مشروعه الفني “التالي”، المستلهم من المثل الشعبي: (اللي ما له أول ما له تالي). وبيّن كيف يمكن للقطعة التراثية أن تتحول إلى عمل فني معاصر، دون أن تفقد روحها الأصلية.
-متحف العين وذاكرة الزينة
أما فاطمة المنصوري، فقد خصصت مداخلتها للحديث عن مقتنيات متحف العين من أدوات الزينة، مؤكدة أبعادها التاريخية والعقائدية، إلى جانب بعدها الجمالي. وأشارت إلى أن المتحف هو أول متحف في الإمارات، تأسس بجهود الشيخ زايد رحمه الله، كما تحدثت عن حركة تجارة مواد الزينة بين دول المنطقة، وعن العثور على نماذج ذهبية وقصائد مصاغة بالذهب في بعض المواقع الأثرية.
وقد تميّزت إدارة الندوة بالمعرفة الدقيقة بمحاور الموضوع، وحسن الربط بين المداخلات.
-خاتمة
كشفت هاتان الندوتان، في فضاء “بيت النابودة”، أن التراث العربي لا يعيش في الكتب وحدها، بل في الذاكرة الحية، وفي البحث العلمي، وفي التجربة الفنية، وفي الحوار المفتوح بين الأجيال. من الأدب الشعبي إلى الحلي والزينة، بدا التراث مشروعًا مستمرًا، يتجدد بالوعي، ويزدهر حين يجد من يصغي إليه بعين المحبة والمسؤولية.
وهكذا تحوّلت الأمسية إلى درس عملي في أن الثقافة ليست احتفاءً بالماضي فحسب، بل استثمارًا ذكيًا له في بناء الحاضر وصناعة المستقبل.

الشارقة: مروان ناصح