من فعاليات أيام الشارقة التراثية في “بيت النابودة”
خاص غرفة 19
إعداد: مروان ناصح/ سوريا

في قلب الفعاليات الثقافية التي تحتضنها مدينة الشارقة، وضمن أجواء الاحتفاء بالذاكرة الشعبية في أيام الشارقة التراثية، نظم مركز التراث العربي ندوة ثقافية بعنوان:
“الحناء… طقوس جمالية وممارسات اجتماعية “لتعيد إلى الواجهة واحدة من أعمق رموز الجمال والفرح في الوجدان الإماراتي.
-الحناء… لغة صامتة للجمال:
ليست الحناء في الثقافة الإماراتية مجرد مسحوق نباتي يُعجن بالماء، ولا لونًا يُزين الكفوف والأقدام، بل هي لغة صامتة تنطق بالفرح، ورسالة اجتماعية تعلن عن لحظة استثنائية في حياة الإنسان. هي طقس يتجاوز الزينة إلى معنى المشاركة، والتواصل، والاحتفال بالحياة في أجمل تجلياتها.
-من الطبيعة إلى الذاكرة:
في الندوة، جرى التأكيد على أن الحناء تبدأ رحلتها من الأرض، من أوراق شجرة بسيطة، ثم تتحول، عبر مهارة النساء وخبرتهن، إلى لوحة فنية نابضة بالحياة. كانت المرأة الإماراتية تجمع أوراق الحناء، وتجففها، ثم تطحنها بعناية، وتخلطها بمقادير تحفظها الذاكرة الشعبية، لتخرج منها عجينة تفوح منها رائحة الأرض والدفء.
-طقس جماعي لا فردي:
أبرزت الندوة أن وضع الحناء لم يكن يومًا فعلًا فرديًا، بل طقسًا جماعيًا بامتياز.
تجتمع النسوة في “ليلة الحناء”، تتعانق الضحكات، وتتعالى الأغنيات الشعبية، وتنساب الحكايات القديمة، بينما تتزين الأيدي بخيوط بنية تميل إلى الحمرة، كأنها وشم من نور الذاكرة. في تلك الليلة، كانت الحناء تعلن قرب العرس، وتبشر ببدايات جديدة، وتمنح المناسبة قدسيتها الاجتماعية والروحية.
-زخارف تحكي قصصًا:
لم تكن نقوش الحناء عشوائية، بل كانت لغة بصرية لها مفرداتها الخاصة:
دوائر ترمز إلى الاكتمال،
خطوط تشير إلى الاستمرارية،
وأشكال نباتية تستلهم الصحراء والبحر والنخيل.
كل نقش كان يحمل حكاية، وكل يدٍ مزخرفة كانت صفحة مفتوحة من كتاب التراث.
-الحناء والهوية الاجتماعية:
تطرقت الندوة إلى دور الحناء في التعبير عن المكانة الاجتماعية والمناسبات المختلفة؛
فالحناء في الأعراس تختلف عن حناء الأعياد، وتتنوع أشكالها بين الفتيات والمتزوجات وكبيرات السن، في نظام اجتماعي غير مكتوب، تحفظه الذاكرة وتعيد إنتاجه جيلاً بعد جيل.
-بين الأمس واليوم:
ناقش المشاركون التحولات التي طرأت على طقوس الحناء في العصر الحديث، حيث دخلت القوالب الجاهزة، والأصباغ الصناعية، والنقوش المستوردة. لكنهم أكدوا أن الحناء الأصيلة ما زالت تحتفظ بمكانتها، وأن العودة إليها اليوم تمثل بحثًا عن الجذور، وتمسكًا بالهوية في زمن التسارع. فالمرأة الإماراتية المعاصرة، رغم انفتاحها على العالم، ما زالت تجد في الحناء إحياءً للذاكرة، وجسرًا يصلها بأمهاتها وجداتها.
-الحناء… احتفال بالحياة:
خلصت الندوة إلى أن الحناء ليست زينة عابرة، بل احتفال بالحياة نفسها:
احتفال بالأنوثة، وبالفرح، وبالانتماء، وبالذاكرة المشتركة.
إنها طقس يعيد ترتيب المشاعر، ويمنح اللحظة معناها، ويحوّل الجسد إلى مساحة للفن والتراث معًا.
-خاتمة:
في ندوة “الحناء… طقوس جمالية وممارسات اجتماعية”، لم يكن الحديث عن لونٍ على كفّ، بل عن تاريخٍ يسكن الروح، وعن جمالٍ يولد من المشاركة، وعن تراثٍ لا يشيخ مهما تبدلت الأزمنة.
فالحناء في الإمارات ستبقى، ما بقي الفرح في القلوب، وما بقيت النساء ينسجن من الذاكرة خيوطًا من نور، تزيّن الحاضر، وتحرس الماضي، وتفتح للمستقبل أبوابه على مصاريعها.