بعثت إلى إبن عمومتي، الدبلوماسي السفير الشاعر ابراهيم عواودة، المقيم في مدينة « جوهانسبورغ » في جنوب افريقيا ، صورة من ربيع بلادي ، شجرة زيتون يحيط بها زهر الدحنون ( شقائق النعمان ) ، فيبدو ان الصورة تركت في نفسه شيء من حنين ، فرد على رسالتي المصورة بقصيدة قصيرة جسد فيها الأثر فقال :
« ما أجملَ الدَّحنونْ
يُحيطُ بالزيتونْ
كأنه عاشقٌ
مُتيَّمٌ وحَنونْ
رَواهُ قلبُ الثَّرَىٰ
حتى غدا أحمرا
يَسْبي قلوبَ الوَرَىٰ
نضارةً وفُتونْ
عشقتُهُ يافِعا
وكم صَبَوْنا مَعا
ولم يَزَلْ يانِعاث
وقد دهتْني السُّنونْ
أحِنُّ دوماً إلى
عُمْري بذاكَ الخَلا
يا حُسْنَهُ مَنزِلا
يُثْري الحِجا والعيونْ
( السفير الشاعر ابراهيم عواودة / جوهانسبورغ » .
تقدّم هذه المقطوعة الشعرية نموذجاً دالَّاً على قدرة النصّ القصير على احتضان بنيةٍ رمزية مركّبة وعميقة ، تتداخل فيها عناصر الطبيعة مع حضور لـِ أسئلة الهوية والزمن والاغتراب ، وعلى الرغم من طابعها الغنائي العفوي ، فإنها – عند قراءتها في سياق سيرة قائلها ، المولود في القدس عام 1958 لأبوين أردنيين من بلدة قميم / لواء الوسطية ، والمقيم اليوم في « جوهانسبورغ » ، بعد مسيرة دبلوماسية طويلة – تكتسب أبعاداً تتجاوز الوصف الربيعي إلى خطابٍ وحداني ضمني حول الجذر والإغتراب . يمكننا تتبع النص عبر ثلاثة محاور تحليلية رئيسة : البنية الرمزية ، والفضاء الزمني ، وأفق الاغتراب ؛ نبدأها بـِ البنية الرمزية « الدحنون/الزيتون » ، حيث يقيم النص ثنائيته المركزية على صورتين طبيعيتين ؛ الدحنون ، بوصفه زهرةً موسمية حمراء ، جمالها موسمي عابر ، الصورة المكثفة ، والطفولة المتجددة في دورة الطبيعة ، أما الزيتون فيمثل الثبات، الرسوخ ، والامتداد التاريخي ، في المخيال الديني والثقافي ، تحظى الزيتونة بدلالة خاصة ؛ فقد ورد ذكرها في قوله تعالى : { والتين والزيتون } ، وذهب عدد من المفسرين إلى أن « الزيتون » إشارة إلى القدس الشريف ، وبهذا المعطى ، تتعزّز رمزية الزيتون بوصفه علامةً على الأرض المباركة ، وعلى المدينة التي وُلد فيها الشاعر . حين يقول الشاعر العواودة : « يحيط بالزيتون / كأنه عاشق متيم وحنون » ، فإن الصورة تتجاوز المشهد الحسي إلى علاقة دلالية بين « العابر والثابت » ؛ الدحنون يحيط ويزهو ، لكنه لا يملك الجذر ؛ يحَبّ ، لكنه لا يرسّخ الحضور ، وهنا تتجسد دلالة الإنسان/الأرض : الإنسان زمنٌ محدود ، والأرض زمنٌ ممتد ، ومن خلال تجربة الشاعر الدبلوماسية وترحاله ، يمكن قراءة الدحنون كـ استعارةً للذات المتنقلة ، فيما الزيتون استعارةٌ للأصل الثابت ذي الجذور . وفي البعد الزمني ومفارقة التجدد ، ينتقل النص من الوصف الخارجي إلى الفضاء الزمني في قول الشاعر : « عشقته يافعاً … ولم يزل يانعاً / وقد دهتني السنون » ، تتضمن هذه العبارة مفارقة دقيقة : الطبيعة تتجدد دورياً « لم يزل يانعاً » ، بينما الإنسان يخضع لخط زمني أحادي « دهتني السنون » ، هذه المفارقة تؤسس لشعور بالحنين ، حيث يصبح الربيع استعادةً رمزية لما لا يمكن استعادته فعليا : العمر الأول . الحنين هنا ليس حنيناً مكانياً فحسب ، لكنه حنين زمنـيّ أيضا ؛ إنه توقٌ إلى الحياة السابقة ، وذات سابقة ،ولذلك يقول : « أحن دوما إلى عمري بذاك الخلا » ، فالخلا ليس مجرد فضاء جغرافي مكاني ، بل فضاءٌ نفسي فيه البراءة والبدايات ، وبهذا المعنى ، يتحول المكان إلى محتوىٰ للزمن ، ويصبح الربيع أداة لاسترجاع ذكريات الطفولة . أما في أفق الاغتراب وإعادة إنتاج الهوية ، فتكتسب هذه الدلالات عمقاً إضافياً ، إذا استُحضرت إقامة الشاعر في « جوهانسبورغ » ، والمسافة الجغرافية تُفعّل آلية التذكّر ، وتجعل من الصورة الطبيعية جسراً رمزياً بين الوطن والإغتراب ، الاغتراب هنا ليس صريحاً في اللغة ، لكنه حاضر في بنية القصيدة : حضورٌ عبر التذكّر لا عبر الشكوى ، ومن اللافت أن النص لا يستند على خطاب مأساوي ، بل على استعادة جمالية هادئة ، مما يمنحه توازناً بين الرهافة والرصانة والجمال . كذلك في القصيدة ، تتسم اللغة بنزوع كلاسيكي واضح في استخدام مفرداتها ؛ « الورىٰ ، الحجا ، الخلا » ، بما يعكس خلفية ثقافية عميقة تميل إلى البيان التقليدي الرصين ؛ وهذا الاختيار الأسلوبي ينسجم مع مضمون النص ؛ إذ يرسّخ الإحساس بالجذر والامتداد ، حتى على مستوى معجم الكلمات . وفي خاتمة الحديث ؛ يبدو إن هذه المقطوعة ، على قصرها ، تُظهر كيف يمكن للصورة الطبيعية أن تتحول إلى بنيةٍ دلالية كثيفة ، تستحضر أسئلة الهوية والزمن والانتماء ، فالدحنون ليس زهرةً فحسب ، والزيتون ليس شجرةً وحسب ؛ إنهما قطبا جدليةٍ بين العابر والدائم ، بين الإغتراب والجذر ، بين ما يتجدّد في الطبيعة وما يتآكل في الإنسان ،
وبين القدس التي يرمز إليها الزيتون، و« قميم » التي تستعاد في الخلا ، و « جوهانسبورغ » حيث يقيم الشاعر ، تمتد قصيدةٌ صغيرة المساحة ، واسعة الأفق ، تؤكد أن الهوية ليست إقامةً في مكان ما ، بل علاقةً حيّةً بالجذر ، وأن الربيع قادرٌ على أن يعيد تشكيل الوطن في الذاكرة واللغة وفي القصيدة .

( عماد عواودة ، ابو حازم
الثلاثاء ٢٤ فبراير ٢٠٢٦ ، قميم / الاردن )