
الكاتب مروان ناصح
كان الملحُ في الزمن الجميل شيئًا يتجاوز المذاق؛ وكان سرَّ البقاء ونداءَ الأرض ودمعةَ البحر في رغيف الخبز اليومي. لم يكن مادةً بيضاء تُذرّ على الطعام فحسب، بل رمزًا من رموز الوفاء بين الإنسان والعطاء، بين العرق والمائدة، بين البحر والبرّ. وحين نقول “خبز وملح”، فإننا نتحدث عن ميثاقٍ صامت، لا ينكثه إلا من فقد النخوة وطعم الإنسانية.
-الملح في الذاكرة الأولى:
في طفولة القرى، كان الملحُ حكايةً تُروى بلمسة أمٍّ ترشُّ منه على الجبنة، أو بذرّات من يد الجدّ تبارك الطعام قبل أن تمتدّ الأيدي. كانت حُبيباته الصغيرة كنجومٍ أرضية تلمع على المائدة،
تعلمنا أن القليل يُغني إذا امتزج بالرضا. كان الأطفال يرسمون بأصابعهم دوائر صغيرة على الطاولة الخشبية، فيضحك الملح تحت الضوء كأنّه يلهو معهم.
-ملح البحر وملح العرق:
ما بين الموج والصدر المجهد، علاقةٌ خفية تشبه صلاةً لا تُرى. الملّاحون القدامى عرفوا أن طعم البحر هو ذاته طعم الجهد الإنساني، وأن من يواجه الموج لا يعود كما كان. لذلك صار الملحُ قرين العرق، وصار طعم الكدح مرًّا قليلاً، لكن فيه نكهة الحياة الحقّة.
-الملح والكرامة:
في الزمن الجميل، كانت عبارة “بيننا خبز وملح” تعني أمانًا لا يُمسّ، وحرمةً تظلّل القلوب قبل الموائد. لم يكن أحد يفرّط في “ملح العِشرة”، لأن الملح كان يرمز إلى نقاء القلب، واستقامة السريرة. اليوم، حين فتر طعم العلاقات وتبدّد الصفاء، صار بعضهم يبيع الملح كما يبيع الكلام، بلا عهدٍ ولا نكهة.
-الملح في الأسطورة والمعنى
حمل الملحُ في التراث رموزًا متعددة: فهو الدواء الذي يطهّر، والعين التي تحرس، والسحر الأبيض الذي يبدد الشر. كان يُنثر على العتبات لتبقى البيوت مأهولةً بالبركة، وتوضع ذراته في الماء لطرد الغمّ. في المعتقد الشعبي، الملح يحفظ اللحم من الفساد، كما يحفظ الذاكرة من النسيان.
-الملح في الشعر والوجدان: قال الشعراء عنه ما لم يقولوه عن الذهب. فالملح في القصائد دمعةٌ على خدّ الغياب، ونكهةُ الدمع حين يفيض الوجدان. في كل بيتٍ شعريٍّ يتحدث عن الشوق، ثمة ملحٌ يذوب بين الحروف. حتى الحبّ، حين يشتدُّ صفاؤه أو وجعه، يصير طعمه مالحًا كبحرٍ لا نهاية له. وفي ذاكرتي قول أبي تمّام العظيم في الملح؛ رمزًا لصفاء المودة:
“وملحُ الدموعِ على الوجناتِ… شهادةُ صدقٍ لما في الفؤادْ”
– ملح الخبز… وملح الأرض:
كان الناس يقدّسون الخبز، ويعرفون أن الملح روحه. في المواسم الزراعية، كانوا يرشّون الملح على الحقول رمزًا للخير، كأنهم يقولون للأرض: “لتبقي نقية كالبحر”. ومنه وُلدت العبارة الجميلة:
“هو ملح الأرض”، أي جوهرها الصافي الذي يمنعها من الفساد.
-حين يفقد العالم نكهته:
اليوم، يبدو العالم كطعامٍ بلا ملح، كثقافةٍ بلا جذور، كصداقةٍ بلا ميثاق. كلما ذاب معنى المشاركة والوفاء، ذاب معه الملح في طوفان الصناعي والزائف. لكنْ ما يزال في القلوب من يذكر أن قليلاً من الملح كافٍ ليعيد للطعام، وللحياة، طعمهما الأول.
-خاتمة:
الملح ليس طعمًا فحسب، بل ذاكرة الإنسان حين كان بسيطًا وكريمًا وصادقًا.
في الزمن الجميل، كانت ذرة ملحٍ تكفي لصنع مائدةٍ من المحبة، وميثاقًا من الوفاء لا يُنقض.
فهل نملك اليوم أن نعيد لتلك الذرة الصغيرة مكانها في القلب قبل المائدة؟
أم أنّ زمن الملاحة الجميل، قد ذاب في بحر النسيان الذي بلا شطآن؟