
الكاتب الصحفي مروان ناصح
في الزمن الذي كانت فيه اليد تسبق الآلة، وكانت المرأة الخيّاطة إحدى أيقونات البيوت العربية.
من بين أقمشةٍ ملونة وخيوطٍ متشابكة، كانت تزرع الأمل في تفاصيل الحياة، وتحوّل غرفة صغيرة إلى معمل دفءٍ وإنسانية.
لم تكن الخياطة عندها مهنةً فحسب، بل رسالة حياة، تجمع بها بين صبر الأم، وإبداع الفنانة،
وإصرار من لا يملك إلا يديه ليهزم الحاجة بكرامة.
-البيت الذي أصبح دكانًا:
لم يكن بيتها واسعًا، لكنه كان يفيض حركةً ودفئًا. من الصباح إلى المساء، تتقاطر النساء من كل الأعمار إلى بيتها، يحملن الأقمشة كما تحمل النحلات رحيق الحقول. أصواتهن تتداخل مع هدير الماكينة الصغيرة في الزاوية، ورائحة القماش الجديد تمتزج برائحة الخبز في المطبخ، فيغدو البيت عالمًا صغيرًا من الأنوثة والعمل والحياة. كان بيتها محجّةً للنساء، ومهرجانًا من الألوان والضحكات والحكايات.
-الماكينة رفيقة العمر:
تجلس أمام ماكينتها العتيقة، كما تجلس عاشقة أمام حبيبٍ لا يملّ من شكواها. برجْلها تدير الإيقاع، وبيديها تصنع الجمال. الماكينة تصدر أنينًا مألوفًا يشبه نبضها، وفي كل غرزة خيطٍ تضع شيئًا من روحها. لا أحد يدرك كم من الأحلام مرّت بين تلك الإبر، وكم من القلوب استعادت فرحها بثوبٍ أنيق صنعته أناملها الصابرة. كانت الماكينة مرآةٌ لروحها، تبوح لها بأسرار التعب، وتبادلها شكوى السنين بصوتٍ خافتٍ لا يسمعه إلا القلب.
-بين الفقر والكبرياء:
لم تكن تشتغل لتكنز مالًا، بل لتقاوم العوز بكرامة. كانت تعرف أن في كل غرزةٍ لقمةً،
وفي كل ثوبٍ مصروف مدرسةٍ لطفل، وفي كل ليلة سهرٍ مستقبلًا يُنسج بخيط الأمل.
لم تشكُ يومًا، ولم ترفع صوتها على الزمان، بل كانت تخيط حتى التعب الأخير وهي تقول في سرّها:
“ما دام في اليد خيط، فالحياة لم تنقطع بعد”.
-نساء الحيّ… الزبونات الصديقات: كانت النسوة يأتينها حاملاتٍ أقمشة العيد والأفراح، وأحيانًا أقمشة الحزن. يجلسن حولها، يحكين أسرارهن، كما لو كانت إبرة الخياطة تحفظ السرّ في خزانةٍ من الصمت. كانت تصغي بابتسامة الأمّ، وتعلّق على الحكايات بلمعةٍ في عينيها. وإذا بكت إحداهن، ناولتها منديلًا خيطته بيديها، وكأنها تمسح دموعها بخيطٍ من الحنان. كانت الخياطة عندها مجلس صداقةٍ واعترافٍ وتضامنٍ نسائيٍّ عميق.
-فنّها البسيط… جمالها العميق: لم تتعلّم في معهدٍ أو تدرس في جامعة، لكن ذوقها الفطري كان أصدق من أي شهادة. تعرف كيف تجعل الثوب يحاكي صاحبتَه، وكيف تختار لون الخيط ليوافق لون القلب. كانت تبتكر الزخارف بخيالٍ فطريٍّ مذهل، وتحوّل القماش العادي إلى لوحةٍ من البهجة. كل ثوبٍ تمرّ به يداها كان يحمل بصمتها الخاصة، مثل توقيعٍ لا يُرى بالعين، لكنه يُحسّ بالروح.
-الشراكة الصامتة:
في المساء، حين يعود زوجها المتعب من عمله، تكون قد أنهت آخر ثوبٍ وأطفأت الماكينة. تنظر إليه بابتسامةٍ هادئة، وتضع له طعامه دون أن تقول شيئًا عن تعبها. كانت تؤمن أن الصبر أجمل أشكال الحب، وأن وقوفها إلى جانبه خِيار، لا التزام. كانت له خير معينٍ في وجه ضيق العيش،
تشاركه صمته كما تشاركه الأمل، وتخيط الثياب للآخرين، وتخيط معه الغد لأبنائهما.
-حين ينام البيت:
بعد أن ينام الجميع، تجلس قرب الماكينة صامتة. تلمسها كما تُلمس ذكرى قديمة، وتبتسم. تمرر أصابعها على الخيوط المبعثرة كأنها تلمس شعر أولادها. لا تندم على التعب، لأن كل غرزةٍ كانت تحفظ شيئًا من حياتها. وحين تسمع الماكينة تصدر صوتًا خافتًا كأنها تتنفس، تدرك أن بينهما عهدًا لا ينكسر:أن تظلا معًا ما دام في اليد إبرةٌ وفي القلب حلم.
-خاتمة:
كانت المرأة الخياطة أكثر من عاملةٍ في بيتها؛ كانت معلمة الصبر وراعية الجمال البسيط. علمتنا أن اليد التي تعمل هي اليد التي تُحب، وأن التعب إذا كان من أجل الآخرين يتحوّل إلى صلاةٍ صامتة.
فهل كان الزمن الجميل جميلاً حقًا؟ ربما لأنه كان زمنًا تعرف فيه المرأة كيف تُطعم الحياة بخيوطها،
وتحوّل بيتها الصغير إلى ورشة حبٍّ لا تنطفئ. ذلك الجمال لم يكن في الثوب وحده، بل في القلب الذي خاطه بحنانٍ وكرامة.