
افتتاحية العدد بقلم الأديبة إخلاص فرنسيس
بين المنفى والصدى: صرخة من أرضٍ مجروحة
ثمّة أراضٍ تُزهر قمحًا، وأخرى تُزهر حزنًا، وهذه أرضٌ من النوع الثاني؛ مثقلة بالأسى، حبلى باليأس، تتجوّل فيها الإنسانية بين أنقاض ما ظنّته يومًا ثابتًا.
فصلٌ آخر من الاغتراب يمرّ، ربيعه رماد، وأقحوانه أسى، والأسئلة فيه لا تذبل، بل تتكاثر كجذورٍ تبحث عن ماءٍ في صحراء المعنى. أعياد، تجتمع العائلة على أرضٍ موشّاة بالوجع، تبدأ الحكاية ولا تبدأ؛ كأنها دائرة تعود إلى ذاتها كلما ظنّت أنّها انفلتت. الأرض تئنّ تحت وطأة انسحابٍ بطيء لشتاءٍ استبدّ بالفصول، سرق من الربيع الخجول خضرته، وتركه معلّقًا بين وعدٍ بالحياة لا يكتمل، وولادةٍ مؤجّلة. ليست الفصول وحدها تتصارع، بل الوجود ذاته، في انقسامه الأبدي بين نموذجين مفروضين: حياةٌ تُطالبنا بأن نُجيد العيش، وموتٌ يُذكّرنا بأنّنا لم نُستشر.
يقول بودلير
أيها الموت، أيها القبطان العجوز، حان الوقت فترفع المرساة
هذه البلاد تُضجرنا، أيها الموت! فلنُبحر
فإذا كانت السماء والبحر سوداوين كالحبر،
فقلوبنا التي تعرفها مليئة بالأشعّة
يكاد يكون الموت هو ذلك الآخر الذي يدفع الجميع إمّا إلى الهروب منه، أو إلى مواجهته ومساءلته؛ قبطانٌ يقود سفينة الإنسان، والساحات مكتظّة بحضوره، يوجّه سفينة الوجود نحو أفقٍ آخر. حين تصبح الحياة عبئًا، بكل ما تحمله من ألمٍ وعجز، ويغدو الموت مشتهى، تفقد الإنسانية معناها. مع ذلك في آخر النفق نورٌ ما، طاقةٌ خفية من الأمل، ورغبةٌ في المعنى؛ فالظلام الخارجي لا يُلغي تلك الإشراقة، بل يتحوّل شرطًا لظهورها.
نقف بينهما: هل نختار المصير، أم نختار شكله؟ كيف نحيا، وكيف نُسلّم أنفسنا للفناء؟ مفارقةٌ تفتح هوّةً بين الإدراك والعجز، هوّةً لا يجرؤ كثيرون على ردمها، أو حتى النظر في عمقها. فالإنسان كتابٌ محدود البداية والنهاية، وصفحاته الداخلية مساحة ارتباك؛ سطورٌ تُكتب تحت ضغط الخوف، ودوائرُ تُفقدنا بوصلة المعنى، فتتعطّل الحواس عن رؤية المصير.
منذ زمنٍ بعيد، وقلمي يتقاسم الورق مع الحبر في قصيدة رثاءٍ طويلة؛ نرتحل داخل أنفسنا مثقلين بالتشاؤم، وبإنسانيةٍ تنزلق نحو التلاشي، تتآكل فيها العلاقة بين الأنا والآخر، ويتحوّل الصراع إلى طينٍ نغرق فيه أكثر ممّا نبني منه صرحنا الذهبي، يتكشّف السأم، لا كحالة عابرة، بل كميلٍ خفيّ لمساءلة الموت: إلى متى تبقى أنت صاحب القُبلات الأخيرة؟
يقف الإنسان أمام هذا الخراب متردّدًا: هل يمكن أن يولد من هذا الركام إنسانٌ جديد؟ ربما حين تصبح النجاة فعلًا داخليًّا، لا وعدًا خارجيًّا. حين ندرك أنّ اللغة نفسها تنهار، وأنّ المسافة بين الضحية والجلاد تذوب؛ فكلاهما، في العمق، متشبّث بالبقاء: هذا بعينٍ معلّقة بالخلاص، وذاك بكبرياء تخدّره عن رؤية هاويته.
في هذا المشهد، يحاول القلب أن يرمّم ذاته، يستعيد ذكرى موكبٍ جنائزي، لا يدري أكان حلمًا طويلًا أم كابوسًا سلب الثقة من كلّ شيء. فالعالم مخاتل: الشوارع، السماء، وحتى الموت، الذي لم يعد نهاية بقدر ما صار سخريةً مفتوحة من المعنى. يقف الإنسان عاريًا أمام الفراغ، لا يحتمي إلّا بأسئلته.
الخوف يقتلنا ببطء، ويقذف بنا في المجهول. تتلاشى الاتجاهات، وتفقد الطرق إشاراتها، ليس لضيق المكان، بل لضيق المعنى. نحاصر بأسئلة بلا إجابات، ويقينٍ يتفلّت من بين أصابعنا كالرمل.
وفي خضمّ هذا الاضطراب، تقف المرأة (الأمّ- الزوجة – الأخت- الحبيبة) رمزًا للثبات الهشّ؛ ينهار ما تحت قدميها، ومع ذلك يتدفّق الجمال من داخلها، أرض حبلى بالعطاء، أنثى تعيد للصواب صوابه، وللصدى أغنياته، لكن الصدى، حين يعود، يعود مثقلًا بجرح السؤال، فبعض الأسئلة لا تنطفئ؛ تظلّ مشتعلة في الوعي، تحوّل الأحلام إلى ضحايا، وتترك التعب يتسلّل حتى لا يبقى سوى نداءٍ خافت نحو الضوء: أن نتمسّك بما تبقّى من الحياة.
في ليل المنافي، كما في الحروب، تصبح الذاكرة الملاذ الأخير، حنينًا إلى بدايةٍ نقية، إلى زمنٍ لم يُكسر بعد، قبل أن يثقل الوعي بالخسارات، غير أنّ هذا الحنين محاطٌ ببحر شكّ؛ كلما اقتربنا من النجاة ابتلعنا، وأجّل الوصول. يشتدّ الاختناق. ينقلب العقل على القلب، ويقيم الشكّ مشنقةً لليقين. لا يبقى في الداخل سوى بقايا حياة، ورفض صامت لأن يتحوّل الإنسان إلى مجرد شعار. فخلف كلّ خطابٍ كبير، كائن هشّ، يبحث عن معنى بسيط يكفيه ليبقى.
في تلك اللحظة يرتفع النداء: العودة إلى الأمّ، إلى السكينة الأولى. ففي عالمٍ أغلقت مدنه أبوابها، تصبح الأمّ الوطن الأخير، لا كمكان، بل السلام.
ثمّ، ببطءٍ لا يُرى، ينكشف شيءٌ ما: الخوف، على الرغم من قسوته، ليس نهاية الطريق، بل بدايته. يدفعنا خارج حدودنا، نحو مواجهة الذات. والمجهول، حيث لا خرائط جاهزة، يبدأ وعيٌ آخر بالتشكّل، خطوةً خطوة. تنقشع الغمامة، ندرك أنّ ما حسبناه حصارًا لم يكن سوى ظلّ قلقٍ داخليّ، وأنّ السماء لم تنطبق، بل اقتربت لتختبر قدرتنا على الصمود. في النهاية لا يبقى إلّا هذا الإدراك الهادئ المجهول الذي بدا هاوية، قد يكون بداية طريق والإنسان،في عالمٍ يخدعه كثيرًا، يظلّ الصدى الأخير الباحث عمّن يُصغي إليه.
ما بين الحياة وضيقها، والتوق الدائم إلى تجاوزها، وبين الظلام والنور، بين الألم والأمل، يقف الإنسان معلّقًا من عرقوبيه، لا يجد خلاصه إلّا في الاستمرار حتى لو كان ذلك عبر الرحيل.
الرحيل الذي يأخذنا إلى ما لا نريد، فكأننا أوراق الخريف الصفراء، تلهو بها الريح يمينًا ويسارًا، ونحن نتشدّق بالوصول، ولكن إلى اللا مكان واللازمان.
في الهزيع الأخير من الحلم نصحو على أيامنا المضرّجة بالقتلى، فالحرب لم تترك حيّزًا صغيرا للحبّ الذي يتضوّر في أخيلتنا الظمأى إلى نجمة لا أفول لها.
صوتُنا نازفٌ، صدانا ضمادُ مثلما يحضنُ الحريقَ رمادُ