حبيبتي ترددت طويلا قبل أن اكتب لك، منتظرا الظروف وحلاوة اللقاء بعد لهفة الفراق؛ وأنا احاكي حركة العصافير فوق الاغصان علّني أجد عشا دافئا نأوي اليه انت وانا بأوجاعنا وهواجسنا ومخاوفنا..
بيد أن شيئا من ذلك لم يحدث؛ لا بل تواصلت النكبات محمومة وتواصل القتل والفتك والحرق وتدمير الحضارة الانسانية من خلال تدمير الرحمة في قلوب البشر!
حبيبتي انا في غاية الشوق لملاقاتك والاستماع الى تلاوتك الرقيقة للقصائد المحيية التي كانت تجري على اوراقك مجرى الدماء في العروق وقد تدفقت، من يراعتك الرشيقة كما فعل انبثاق النور في الصباحات المشرقة؛ فاليراع الصلب يصنع منه القلم كما الشبابة وبذلك يشتركان في خلق الجمال: بالكلمة الشعرية واللحن الشجي!
ولكن حبيبتي ماذا حصل للشعر، كيف تهافت الناس ليكونوا كلهم شعراء؟ من قال إن بمقدور اي إنسان أن يصبح شاعرا؟
كيف يسمح الناس لأنفسهم أن ينتحلوا صفة شعراء ويتباهوا بثرثراتهم وهذياناتهم وسفسطاتهم مدّعين أنها قصائد من عيون الشعر الرفيع والأصل المنيع والترياق النجيع؟
كيف لهم أن يقترفوا هكذا تخريب من دون حسيب او رقيب؟
الشعر يا حبيبتي الغالية هو مثلك انت أيتها الشاعرة الراقية المرهفة الاحساس!
الشعر هو أيقونة مقدسة نادرة؛ مكانها المعابد ولا يجوز العبث به وتحويله الى متاع دنيوي متاح لكل عابر سبيل، او منافق، او مغامر او طالب شهرة تافه ونرجسي او محتال نصاب يستهلك ما ليس له ويأكل بالحرام من رزق كسبه آخر بالحلال ليس الشعر فريسة للمجرمين وشذاذ الآفاق !!…
إن أبلغ تحديد للشاعر الحقيقي هو ما قاله الشاعر والناقد الفرنسي العظيم سان جون بيرس:
“الشاعر موجود منذ ان عاشت الشعوب في الكهوف.
وسيبقى موجودا في العصور النووية؛ لأنه جزء لا يتجزأ من الإنسان.
لقد ولدت الديانات من الواجب الشعري والواجب الروحي؛ وبنعمة الشعر انطلقت شرارة القدر ولا تزال تتجدد بمعية الصوّان البشري!
عندما تندثر الميثولوجيات، ستجد الألوهيّة موئلها في الشعر وربما سيكون الشعر وريثها الوحيد! “
هكذا تكلّم سان جون بيرس ولا حاجة أن نبرر أو نرافع او نبالغ في الكلام عنه، فهو يدافع عن ذاته الخالدة بذاته ولا منّة عليه من أحد!
أجل يا حبيبتي لا تقلقي؛ أنت بأمان طالما شعرك صادق وقولك صادق ومشاعرك صادقة؛ ولا خوف على الشعر من أي مارق حقود ومريض نفسي يبتدع هواية التشويه ويمتهن البشاعة فالشعر لا يحتاج إلى شرطة كما في المتاحف لحماية اللوحات من الموتورين الذين يعمدون الى تمزيقها؛ لا بل هو الحارس الأمين للتّراث الفكري الشعري الخالد الى ما بعد انقضاء الزمن والعصور !..
تذكّري حبيبتي ما قاله يوما الشاعر دعبل الخزامي الكوفي:
يموت رديء الشعر من غير أهله
وجيّده يبقى وإن مات قائله!
حبيبتي على أمل اللقاء ألف تحية مقرونة بألف وردة وقصيدة …
المخلص انطوان يزبك…
