
أ .د. سيّار الجميل
كشف الأستار 65 امبراطورة نينوى الملكة العراقية سمير أميس ( أو : شمورامات) التي وحدّت بابل وآشور لماذا ذاعت شهرتها عبر التاريخ البشري ؟ هل من سمير أميس جديدة في مستقبل الشرق الأوسط ؟
1- سمير أميس : من تكون ؟
الملكة سميرأميس شخصية عراقية ارتبط اسمها بحضارة بلاد الرافدين، خاصة في التاريخ الآشوري القديم. عاشت في القرن التاسع ق.م. حوالي 811–806 ق.م ، اذ تنتمي إلى العصر الآشوري الحديث ( الامبراطورية الثالثة ) ابان أزمنة الأباطرة العظام في نينوى العظيمة .اسمها شمورامات. وتُصوَّر سميراميس في الأساطير امرأة قوية وطموحة وساحرة الجمال تحبّ الحياة ، قادت الجيوش وبنت المدن والحصون، ونُسبت إليها مشاريع عمرانية عظمى في نينوى وبابل. يحمل بعض مسردها طابعًا خياليًا، ولكن بقي أسمها رمزًا للقوة والقيادة النسوية لاعظم امبراطورية كلاسيكية . تزوجت الملك الآشوري شمشي أدد الخامس، (حكم من 824 إلى 811 ق.م. ) وهي فتاة كلدية من مدينة بورسيبا البابلية جعلها تشاركه حكم مملكته الواسعة. وبعد وفاته حكمت كوصيةً على عرش ابنها الصغير أدد نيراري الثالث.حسب رواية ديودوروس سيكولوس، ولا يزال كلّ من الأرمن والنسطوريين يستخدمون شاميرام اسماً لفتياتهم . ويعدّ بروز امرأة حاكمة في ذاك الزمن المبكّر أمرًا نادرًا، فحَكَمَت مملكةَ آشور بكل اقتدار وحافظَت بأمانةٍ على إرثِ زوجِها، وأدَّت دورَها (كملِكة أُم) بِمُنتهى الإخلاص لآشور مما جعل شخصيتها تثير الإعجاب وتصبح مادة خصبة للروايات والأساطير عبر التاريخ .
2- ماذا قيل عنها من تهم وأكاذيب؟
انتشرت قصة سميراميس في الثقافات اليونانية والرومانية، حيث تناولها مؤرخون قدامى وأضافوا إلى سيرتها عناصر خيالية، وقصص عجيبة برغم إنجازاتها الخارقة . وقد شوه القدماء سيرتها وطعن بها فوصفت بـ “داعرة ” وآخر بـ ” شريرة ” وأخر بـ ” شهوانية ” وآخر بـ ” مخصية للرجال” وتهمة بشعة عند آخر كونها “حملت من المحارم” !! ولم تتبدد هذه الأوهام حتى عصر النهضة عندما أُدرج اسمها في كتاب كريستين دي بيزان “كتاب مدينة السيدات”، عام 1405، وبدءًا من القرن الخامس عشر، صنفت أول امرأة من “النساء التسع الجديرات”. هكذا تحوّلت من ملكة عراقية مشوهّة السمعة الى سيدة كونية عليا وبطلة أسطورية في العالم تجمع بين الحكمة والجمال والقوة والطموح برغم كل اكاذيب الكتّاب المخياليين الأوربيين . والحقيقة ، أنها تمثّل نموذجًا مميزًا للمرأة الرائعة الحاكمة في كلاسيكيات آشوريات العالم ، سواء بصفتها الحقيقية أم الاسطورية . وبقيت سيرتها رمزًا للسلطة والجرأة والقدرة الريادية واشهر الملكات عبر القرون في تاريخ البشرية.
3- الملكة الاسطورة : أمبراطورية كبرى قلبها نينوى
تذكر المصادر أن سميراميس كانت ذات طموح كبير وذكاء حاد، وتمتعت بقدرات قيادية وعسكرية مميزة. وتثبت الروايات أنها قادت الجيوش بنفسها ووسّعت نفوذ الدولة الآشورية، كما نسبت إليها حملات عسكرية بعيدة وصلت إلى مناطق مختلفة من الشرق. حكمت في فترة من عدم الاستقرار السياسي، وهو ما قد يفسر جزئيًا قبول الآشوريين القدماء لحكم امرأة اذ أن ذلك لم يكن مسموحًا به في تقاليدهم الثقافية. غزت شمورامات أجزاءً كبيرة من الشرق الأوسط وبلاد الشام، وساهمت في استقرار الإمبراطورية وتعزيزها بعد حرب أهلية مدمّرة. ويُعتقد أن كونها امرأة حكمت بنجاح قد جعل العالم يكنّ لها احترامًا خاصًا، وأن إنجازاتها قد تناقلتها الأجيال حتى تحولت تدريجيًا إلى شخصية أسطورية.
4- مبادئ سمير أميس
في العاصمة نينوى على نهر دجلة، حيث أقامت في قصورها وجنائنها .. غرست سمير أميس ستة مبادئ عند شعبها هي: محبة الآلهة والنبل والقوة والتدبير الاقتصادي والالفة ( الحب) والمهارة في الصناعة والبناء . أمرت ببناء مسلة نُقش عليها: “مسلة شمورامات، ملكة شمشي أدد، والدة ملك الكون، ملك آشور، زوجة ابن شلمنصر، ملك الأقاليم الأربعة للعالم.” بحسب ديودوروس، المؤرخ اليوناني من القرن الأول ق.م. ، كانت سميراميس من عائلة نبيلة، ابنة إلهة السمك ديركيتو ، ومن رجل بشري. وروى أن ديركيتو تخلّت عنها عند ولادتها وأغرقت نفسها. وأطعمت الحمائم الطفلة حتى عثر عليها سيماس، الراعي الملكي. يذكر ديودوروس أن حكمها دام 42 عامًا، فوحدت بلاد وادي الرافدين ، وأنها غزت أجزاءً كبيرة من آسيا وحققت إنجازاتٍ عظيمة. أعادت بناء بابل القديمة وحمتها بسورٍ عالٍ من الطوب أحاط بالمدينة بالكامل. شيدت العديد من القصور في بلاد فارس، منها إكباتانا. حكمت آسيا بفعالية، وضمّت ليبيا وإثيوبيا إلى إمبراطوريتها. خاضت حربًا ضد الملك ستابروباتس (سوبراتيكا) ملك الهند، حيث كلّفت حرفييها بصنع جيش من الدمى العسكرية على هيئة أفيال مزيفة، وذلك بتغطية جمالها بجلود جواميس داكنة اللون، لخداع الهنود وإيهامهم بأنها قد حصلت على أفيال حقيقية. نجحت هذه الحيلة في البداية، لكنها أُصيبت في الهجوم المضاد، وتعرّض جيشها لهزيمة ساحقة، مما أجبر ما تبقى منه على عبور نهر السند والانسحاب غربًا.
5- اسهاماتها في الحضارة البشرية
وبرغم شكوك البعض ، الا أن الأحداث والاركيولوجيات تثبت الصورة التي رسمها الكلاسيكيون عنها كامرأة قوية تجاوزت القيود الاجتماعية المفروضة على النساء عصر ذاك ! ارتبط اسمها بأشهر المشاريع العمرانية الكبرى، إذ نُسب إليها بناء أسوار ومعابد وقصور عظيمة في مدينتي نينوى وبابل. بل ونسبت إليها تشييد الحدائق المعلقة، إحدى عجائب الدنيا السبع في العالم القديم، برغم أن دراسات حديثة تؤكد أنها بُنيت في نينوى. ومع ذلك، فإن ربط هذه الإنجازات باسمها يعكس المكانة الأسطورية التي احتلتها في المخيلة التاريخية. أُطلق اسم سميراميس على العديد من المعالم الأثرية في غرب آسيا والأناضول، والتي كانت أصولها مجهولة أو منسية، حتى نقش بيستون لداريوس. ينسب هيرودوت إليها السدود الاصطناعية التي حصرت نهر الفرات. عرف اسمها لأنه كان منقوشًا على بوابة بابل. سُميت أماكن مختلفة في بلاد ما بين النهرين، وميديا، وبلاد فارس، وبلاد الشام، والأناضول، وشبه الجزيرة العربية، والقوقاز بأسماء تُذكّر بسميراميس.
6- لماذا شاع ذكرها في التاريخ البشري؟
شاع ذكر الملكة سميراميس في المصادر المرتبطة بمصر قبل أن يترسّخ في الوعي التاريخي العراقي لعدة أسباب تتعلّق بطريقة انتقال الأخبار وكتابة التاريخ في العصور القديمة، وليس لأنها كانت مصرية الأصل :.
أولًا، أغلب اخبار سميراميس سجله مؤرخون إغريق عن الشرق القديم، وأشهرهم ديودور الصقلي. معتمدين على روايات متداولة في شرق المتوسط، ومنها مصر، التي كانت مركزًا علميًا وثقافيًا مهمًا يقصده الرحالة والعلماء اليونانيون. فانتقلت قصتها عبر مسار ثقافي، فظهرت في المصادر الكلاسيكية مرتبطة أحيانًا بمصر أو بحملات مزعومة إليها.
ثانيًا، كانت مصر الكلاسيكية أكثر انفتاحًا على عالم المتوسط، ونسبت إليها قصص الملوك العظام. ومنها أن سميراميس قادت حملة إلى مصر أو أقامت مشروعات عمرانية هناك، فربط اسمها بالمجال المصري في المخيلة التاريخية.
ثالثًا، ضاعت أو لم تُكتشف كثير من النصوص المسمارية الآشورية إلا في العصر الحديث، بعد فك رموز الكتابة المسمارية في القرن التاسع عشر. قبل ذلك، كان الاعتماد الأكبر على المصادر اليونانية والرومانية، التي سجّلت تاريخ الشرق القديم بأسلوب قصصي . حتى اكتشف ان سمير اميس هي شمورامات . وعليه ، يمكن القول ان شيوع ذكر سميراميس في مصر قبل العراق في بعض الروايات يعود إلى مسار نقل الأخبار عبر المؤرخين الإغريق والمراكز الثقافية المتوسطية ، لا إلى أسبقية تاريخية حقيقية في مصر. أما جذورها التاريخية، إن وُجدت، فهي مرتبطة أساسًا ببلاد وادي الرافدين والحضارة الآشورية كما تقول اللقى والاركيولوجيا العراقية . .
رابعاً: ان من سوء حظ تاريخ هذه الملكة العظيمة ان كتب بايدي اعدائها وخصومها ، فاشاعوا عنها كل الموبقات واتهموها بتهم شتى ، وقد ثبت لاحقا ومنذ عصر النهضة انها من اقوى نساء البشرية على الاطلاق.
7- امرأة متحضرّة من العالم الكلاسيكي
المنطقة التقريبية التي سيطرت عليها الامبراطورية الآشورية عام 824 ق.م. (باللون الأخضر الداكن) بينما تندرج منجزات سميراميس بوضوح ضمن نطاق التأريخ الفارسي والأرمني واليوناني الأسطوري . وهكذا، فان شمورامات تكون قد سيطرت على الإمبراطورية الآشورية الحديثة الشاسعة (911-605 ق.م.)، ووجد اسمها في جغرافيات تاريخية امتدت من جبال القوقاز شمالًا إلى شبه الجزيرة العربية جنوبًا، ومن غرب إيران شرقًا إلى قبرص غربًا. أُطلق اسمها على المعالم الأثرية في غرب آسيا والأناضول، وبلاد ما بين النهرين، وميديا، وبلاد فارس، وبلاد الشام، وشبه الجزيرة العربية، بأشكال مختلفة قليلاً، حتى أن بعضها سُمّي خلال العصور الوسطى. يُنسب إليها اكتشاف مدينة وان في تركيا لتكون مقرًا صيفيًا لها، وقد يُشار إلى تلك المدينة باسم شميرامجرد (مدينة سميراميس).
ينسب هيرودوت، المؤرخ اليوناني القديم ( عاش بين 484 – 425 ق . م. تقريبًا)، إلى سميراميس بناء الضفاف الاصطناعية التي حصرت نهر الفرات، ويعرف اسمها كأحد بوابات بابل. هناك سترابو، الجغرافي والفيلسوف والمؤرخ اليوناني ايضا ( عاش بين64 أو 63 ق.م. إلى 24 م )، أعمال بناء ترابية ومنشآت أخرى في آسيا الصغرى “في جميع أنحاء القارة تقريبًا”. ويبدو أن كل عمل عظيم تقريبًا من أعمال العصور القديمة على نهر الفرات أو في إيران قد نُسب إلى سميراميس، حتى نقش بيستون لداريوس. وتُصوّر التقاليد الأرمنية سميراميس بصورة سلبية، ربما بسبب حملة عسكرية منتصرة شنتها ضدهم. وفي الفقرة الثانية والعشرين من مسرحية يوليوس قيصر، أشار سويتونيوس إليها أيضًا. في معرض حديثه عن ردّ على تصريح قيصر بأنّ أعضاء مجلس الشيوخ سيخضعون لإرادته في المستقبل، قال أحد أعضاء مجلس الشيوخ ساخرًا: “لن يكون ذلك سهلًا على امرأة”، فأجاب مازحًا: “حكمت سميراميس سابقًا في آشور، وسيطرت الأمازونيات على جزء كبير من آسيا”.
8- وأخيرا: هل ستنقذ سمير اميس العراق اليوم ؟
وأخيرا: هل يمكن الاستفادة من تاريخ هذه المرأة العراقية الكلاسيكية القديمة ؟ هل يمكن دراسة مبادئها وسيرة حياتها ؟ لماذا اهتم كل العالم بها ولم يهتم بها احفادها من العراقيين ؟ وسؤال أخير يمكن طرحه بعد هذه الجولة : هل يقيظ الله امرأة للعراق مثل سمير أميس كي تحكمه وتخلصه من المأزق التاريخي الذي يدور في دوامته منذ عقود طوال من السنين ؟
اللوحات
اللوحة 1 : ارتولوميو جيناري (1594-1661) – الملكة سميراميس، ملكة آشور (القرن التاسع قبل الميلاد) في غرفة زينتها، تتلقى تقريرًا عن ثورة جنودها (نقلاً عن غيرتشينو) .
اللوحة 2 : سميراميس تسمع عن ثورة بابل، بريشة جيوفاني فرانشيسكو باربييري، رسمت عام 1624 ، متحف الفنون الجميلة، في بوسطن
اللوحة 3: الخارطة : الامبراطورية الآشورية الثالثة وعاصمتها نينوى
نشرت مختصرة في مجلة الوجيه ، عمّان / الاردن ، العدد الثامن ، السنة الأولى ، آذار / مارس 2026. ويعاد نشرها مع تفاصيل اكثر بتاريخ 15 آذار / مارس 2026 على الموقع الرسمي للدكتور سيّار الجميل .