عادل النعمي (كاتب وناقد)
الإلهام: في تاريخ الكتابة الأدبية، ارتبط الإلهام بالغيمات الوجدانية، وطقوس التصوّف!
عند ابن منظور هو تلقين وما يُلقى في الروح دون علّة ظاهرة، وهو تعريف يفتح الباب على ما هو أبعد من اللغة: على علاقة الإلهام بما قبل الوعي!
ذلك الحدس اللغوي يلتقي، على نحو لافت، بما اقترحه كارل يونغ حين تحدّث عن اللاوعي الجمعي بوصفه ميراث البشرية الأقدم؛ ميراثًا تنتقل فيه الرموز كما تنتقل الجينات: أساطير، وأقنعة، وعلامات لا تتولّد داخل المبدعين فحسب، بل تأتيهم من طبقات زمنية لم يعرفوها ولم يعايشوها.
وهنا تكمن خطورة الفكرة: ذاكرة الأجداد تورَّث، والكاتب قادر على استحضارها متى ما سلّم زمام المبادرة للاوعيه، تمامًا كما يتماهى الصوفي مع رقصته… ذلك ما فعله نيتشه في «هكذا تكلّم زرادشت» حين تجاوز تجربته الشخصية إلى خيال يتخطّى صاحبه؛ ففي تلك اللحظة يغدو الكاتب وسيطًا أكثر منه فاعلًا، يتلقّى أكثر مما يبتدع، ويترجم أكثر مما يختلق.
غير أنّ تدفّق الإلهام مشروط كما يذكّرنا فرويد: عندما يتراجع العقل الواعي عن الرقابة تبدأ الكتابة كالتداعي الحر…
ذلك هو الجسر بين الوعي واللاوعي، بين الفكرة والصورة، بين الذات واللغة… توضح هذه الفكرة قصة يرويها الفيلسوف أوشو: فهو يحكي عن معلم للزن كان يشتغل بالعمارة، وطلب منه أن يصنع معبداً، وفي كل مرة يرسم التصاميم ويضع لها المساقط المطلوبة يقول له تلميذه: “لا يناسب مقامك” وكان المعلم يرمي التصميم… بعد ذلك كرر هذا الموقف تسعاً وتسعين مرة، ومضت ثلاثة أشهر حتى أصبح يُسأل متى تنتهي التصاميم حتى يبدأ العمال بأعمال البناء.
ذات يوم وبينما كان المعلم يرسم تصميماً جديداً، انتهى الحبر، فطلب من التلميذ الذهاب واحضار حبر جديد، خرج التلميذ وعندما عاد صرخ متعجبا كيف؟ كيف صممته؟ لماذا لم تفعل ذلك في الشهور الثلاثة الماضية؟!
أجاب المعلم بسببك أنت فقد كنت تجلس بجانبي، وكنت اشعر بالانفصال، وبأنني منقسم كنت تنظر إلي، وكنت أتصرف باتجاه تحقيق الهدف لم أكن أشعر بالمتعة، وعندما ذهبت استرخيت وشعرت أنه لا أحد ينظر لعملي فأصبحت أشعر بالكمال وذهب الانقسام.
من هنا يمكن القول إن لحظة الإلهام لا تولد إلا عندما يُرفع الضغط عن الفكرة، لا تفكر في الصواب أو الخطأ, لا تفكر في العمق أو السطيحة, لا تفكر في هل سوف يعجب الناس أم لا، فقط تدفق… الكاتب الذي يجلس أمام نصه تحت رقابة الأنا، يفكر بما سيقوله وكيف سيبدو، يدخل في انقسام حاد بين من يكتب ومن يراقب الكتابة، هذا الانقسام ـ هو من يصنع حبسة الكاتب، أو يمنع المبتدئ من ممارسة فعل الكتابة!
ببساطة: عندما يتوقف الإنسان عن الحكم على عمله أنه سيء أو حسن، تنتهي الرقابة، وتشتغل المهارة.
الإلهام في هذا المعنى ليس لحظة خارقة ـ كما يتصوّر البعض ـ بل لحظة انسجام، انتقال من الوعي الذي يسأل إلى الوعي الذي يتلقّى.
يبقى السؤال: هل يمكن تدريب الإلهام؟ هو لا يُدرَّب بشكل مباشر، ولكن يمكن تهيئة شروطه: القراءة، والملاحظة، وتوسيع المخزون الرمزي، وتدريب الحسّ اللغوي، وتعلّم الصنعة التقنية، ولكن دون قتل الفوضى، فالكتابة العظيمة لا تأتي من النظام وحده، ولا من الفوضى وحدها، بل من معادلة دقيقة تجمع بينهما كما تجمع القصيدة بين الوزن والانفلات.
لذلك حين يُقال «اكتب مُلْهَماً لا مُرْغَماً» فالمقصود ليس التخفّف من الجهد، بل التخفّف من الرقابة، بعدها يأتي التنقيح، فالفوضى بلا صقل هذيان، والصقل بلا فوضى خطابة أنيقة بلا روح.
النص الإبداعي لا يُصنع من الخارج، بل يتكوّن من الداخل، ليس مشروعاً تعليمياً، ولا منصة أخلاقية، بل محاولة لالتقاط لحظة إنسانية قبل أن تختفي: خوف، رغبة، دهشة، نقص.
مَن لا يؤمن باللاوعي والطقوس دعني أقف معهم في منطقة وسطى بين الحقيقة والغير متوقع… بالتأكيد تعرفون الرسم بالتنقيط ورائده ـ جاكسون بولوك ـ سأخبرك بأسرار لعبته، وحينها لن يتوقف قلمكم عن الكتابة، لقد سمح لفكره بالصفاء الكلي، وأطلق العنان ليده… لم يكن ذلك متعمداً، ولم يكن عشوائياً… بل كان يتراوح بين الأمرين، لقد سموه الفن التلقائي… كان يرش الألوان ثم يكمل يبدأ الرسم، وهكذا يبدأ فعل الكتابة في أحد اشكاله.
ماذا لو كان (جاكسون بولوك) قد عزمت على التحدي… وبدلاً من أن يصنع أعمال فنية من دون تفكير، صنعها بتفكير، ماذا لو قال أتعرف شيئاً؟! لا يمكنني أن أرسم شيئاً، إلا إذا كنت أعرف بالضبط! ما الذي كان سيحدث؟! إذن ما كان ليحقق أي عمل فني بارز…
التحدي ليس في التصرف تلقائياً، بل في إيجاد فعل غير تلقائي، من الرسم إلى التنفس والتحدث، فالفن التلقائي ليس عشوائية، بل انخراط حرّ بين التفكير واليد، بين الخطأ والتصحيح، لو رسم بولوك مفكّراً فقط لما صنع, لما عمل عملاً ذا قيمة، ولو رسم دون صقل، لترك فوضى لا تُحتمل، التحدّي ليس أن نتصرف تلقائياً، بل أن نجد فعلاً لا يقتل التلقائية.
يظهر الإلهام في هذا التصور بوصفه نتاج تداخل بين اللاوعي والمهارة!
فكارل يونغ منح الإلهام جذره الأقدم حين أسنده إلى اللاوعي الجمعي، وميراث الرموز التي تتنقّل كما تتنقّل الجينات، ليصبح الكاتب وسيطًا يستدعي ذاكرة لم يعشها، وفرويد أضاف شرط التداعي الحر، حيث يتراجع العقل الواعي عن الرقابة فتبدأ اللغة بالانسياب…
أما أوشو فنبّه إلى لحظة زوال الانقسام بين من يكتب ومن يراقب، حيث لا تزدهر الكتابة إلا حين يُرفع الضغط عن الفكرة! وفي الضفة الأخرى وقف بولوك ليجسّد الفن التلقائي: انخراط حرّ بين اليد والفكرة، بين الفوضى والتصحيح، بين التلقائية والصقل.
هكذا تلتقي الرموز (يونغ) مع التداعي (فرويد) مع التلقّي (أوشو) مع التلقائية المصقولة (بولوك)، لتكتمل المعادلة: الأدب يولد حين تتصالح الفوضى مع الصنعة، وحين يتوقف الكاتب عن اختراع النص ليتيح له أن يظهر.
في نهاية المطاف، الإلهام بنية متحرّكة تتكوّن من ثلاثة عناصر: الرغبة التي تمنح الطاقة، والحدس الذي يمنح الاتجاه، والخبرة التي تمنح الشكل، لا تعمل هذه العناصر إلا إذا اكتملت حالة الجريان الذهني، حيث لا يشعر الكاتب بأنه ينتج نصاً بل يشعر بأن النص ينتج نفسه.
الأمر الذي يطلق عليه النقد الأدبي لحظة التكوين، قبل النص هناك مادة مضطربة تبحث عن اسم، وما يفعله الإلهام هو أنّه يفتح الباب بين هذه المادة وبين اللغة. وعندها يحدث ذلك، لا يعود الكاتب يسأل: كيف أكتب؟ بل يسأل: كيف أفسح المجال للنص كي يظهر؟
حين يصر الكاتب على أن يكون فاعلاً واعياً في كل تفصيلة، يتلاشى الإلهام، وحين يستسلم له دون مهارة تقنية، يضيع الشكل، الأدب العظيم هو تلك الهدنة التي تُعقد بين الطرفين: شيء من الحلم، وشيء من الصنعة، وشيء من الشغف الذي لا يعرف بالضبط إلى أين يذهب، وهكذا…
إن الإلهام ليس معجزة، بل استعداد، والاستعداد ليس موهبة، بل تمرين على الإصغاء، أما النص الأدبي فليس نتيجة لجهد واحد، بل نتيجة لطبقات زمنية تتداخل فيها المعرفة والحلم والحدس، وفي هذه المساحة يولد الإبداع بوصفه حواراً خفياً بين الكاتب وما لم يُكتب بعد.