عمدت الشاعرة الأردنية آمال القاسم إلى ألفاظ منتقاه من النص القرآني لتكون في بعض قصائدها ، فحين يلتقي الشعر بالنص القرآني ، لا يكون اللقاء تزييناً لغوياً أو استعارة أُخذت على عجل ، إنما واقعاً جمالياً دقيقا : إمّا أن يهبط بالنص الشعري إلى التكرار أو التناص ، أو يرتقي به إلى أفق التأويل الخلّاق والصورة الشعرية الإبداعية ، ويظهر هذا في قصيدتي الشاعرة آمال القاسم « حَصْحَصَ الحُبّ » و« هيتَ لك » ، فتكون الشاعرة أمام تجربة إحترافية ، حيث تستدعي سورة يوسف في قصائدها ، لا لتشير إلى القصة ذاتها ، بل تستخدمها كـ رمز إنساني مفتوح للحب ، والافتتان ، والاختبار ، والانكشاف .
النص الشعري في قصيدة « حَصْحَصَ الحُبّ » ، تعيد الشاعرة توظيف العبارة القرآنية الشهيرة ، وتنقلها من سياق معناها في تبرئة الفعل إلى تجلّي المشاعر ، فتقول :
« قَدْ حَصْحَصَ الحُبُّ
فَاهْفُ إِلى كَنَفِي »
هنا لا ينتصر الحب على الخطأ أو على الظلم ، بل ينتصر على الكتمان ، ويصير الإشتعال بالمشاعر الصادقة متطلب ، والخطاب الموجه إلى وليف الروح يتجاوز الجسد ليصبح معنى كلياً للشغف :
« وَلِيفُ الرُّوحِ
أَلْقَى شَغَافَهُ
فِي شَغَفِي »
أما في قصيدة « هيتَ لك » ، فتدخل الشاعرة من الباب الأكثر حساسية في سورة يوسف ؛ فهي تستخدم العبارة التي ارتبطت تاريخياً بالإغواء ، بعد أن تعيد تفكيكها وبناءها في سياق عشقي صوفي ، حيث يتحول النداء من غواية الجسد إلى نداء عفوي ، في فضاء القصيدة ، وفي معنى عذري :
« وقل لي يا مليكي : هيتَ لكْ ..! »
وليـف الروح هنا ليس موضوع شهوة جسدية ، بل دهشة مشاعر ، وشغف يحمل النص إلى علياءه ، ويتبعه بـ تساءل بـ صوت شعري حائر :
« أبشَرٌ أنتَ ؟ قمرٌ؟
أم ملكْ !؟ »
في القصيدتين معاً ، يتحول الشعر إلى محراب للتنسك :
« في محرابكَ قد نَسَكْ »
الشاعرة تصنع اللغة كـ فعل عبادة ، والحبُّ تجربة معرفية ودلالة ، فهي لا تنفصل عن الطهارة الداخلية رغم اشتعالها في لهيب المشاعر بهذا التناص القرآني العميق ، تكتب آمال القاسم قصيدتيها على مقربة من النص القدسي والجمال ، دون ابتذال أو إجتزاء ، الشاعرة لا تعيد سرد قصة يوسف ، بل تُنصت إلى وقعها الإنساني ، وتمنح الحبَّ حقه في أن يَحصْحَص كما الحق ، وأن يُقال في ثنايا القصيدة شعرًا .

( عماد عواودة ، ابو حازم
الإثنين ٢٩ ديسمبر ٢٠٢٥ ، قميم / الأردن )