دراسة ذرائعية في رواية (بنسيون الشارع الخلفي) للروائي السوري محمد فتحي المقداد
بقلم الناقدة السورية د. عبير خالد يحيي

تُعدّ رواية (بنسيون الشارع الخلفي) لمحمد فتحي المقداد رواية حرب سورية بامتياز، لا تكتفي بتسجيل وقائع الحرب، بل تتوغّل في آثارها البنيوية على الإنسان والقيم والمكان خلال أربعة عشر عامًا من حكم استبدادي دمّر البنية الاجتماعية والأخلاقية للبلاد.
لا تُقدَّم الحرب بوصفها حدثًا عسكريًا فقط، بل كقوّة تفكيك شاملة: تفكك الإنسان، المدينة، المعرفة، والعلاقات.
تتخذ الرواية من البنسيون فضاءً مركزيًا، لا كمكان عرضي، بل كـ شخصية مكانية رمزية تمثّل وطنًا منكفئًا على جراحه، معزولًا عن محيطه، وقد انهار نزلاؤه إلى ما دون العتبة الأخلاقية، تحت ضغط الخوف، الجوع، القمع، والتهجير.
- البؤرة الفكرية:
الحرب السورية ليست دمارًا ماديًا فقط، بل انهيارًا أخلاقيًا ومعرفيًا شاملًا، يُسقط الإنسان من موقع الضحية إلى حافة التواطؤ أو التشيّؤ.
الحرب، في الرواية، تُنتج:
- تآكلًا تدريجيًا للقيم.
” في الحرب تتآلف المتناقضات وتتقارب؛ فتموت القيم، وتنتشي شهوة تحويش الأموال.” ( ص29)
- اعتياد العنف.
- تسليع الإنسان والمعرفة.
- تحوّل النجاة إلى مبرّر أخلاقي لأي فعل.
شاهد نصي:
” في العادة هناك موقف نُجبَر عليها، وبالتعامل معها، ولا مناص من الخوض فيها” (ص 89)” في ظل ظروف قاهرة مفروضة علينا. الكل يكذب على الكل، اعتدنا الكذب، ولا مشكلة لدينا..!!”(ص 90)
هذا القول ل فايا، إحدى شخصيات الرواية، هربت من بيت أسرتها، مع شاب عقدت معه زواج متعة، وسكنا معًا في غرفة في البنسيون.
” خسرنا الكثير، ولم يبق شيء لنخسره، لم نملك إلا أنفسنا وقدرتنا على الحركة، نعيش التحدي الأكبر مع أنفسنا على مواصلة الحياة، وعدم الاستسلام،… ” (ص 90)
الدلالة الذرائعية:
الفعل لم يعد يُقاس أخلاقيًا، بل وظيفيًا: هل يضمن البقاء أم لا؟
- الخلفية الأخلاقية
الخلفية الأخلاقية في الرواية تشخيصية لا وعظية؛ النص لا يُدين مباشرة، وإنما يعرّي.
ملامحها:
- انهيار مفهوم الخير والشر.
- تطبيع الخوف.
- تبرير الكذب، السرقة، التهريب، الصمت، الرذيلة، تعاطي المخدرات، والمتاجرة بالمعرفة.
- غياب الدولة الأخلاقية لصالح دولة الحواجز.
شاهد:
“خمسة بيوت …. المكتبات فيها، لم تمتد لها يد التعفيش،… ففي وقت الحرب من الذي سيشتري كتابًا؟ مثلًا لو تُباع الكتب مع أصحابها..!! لما تردّدوا ببيعها من أجل ربطة خبز…” ( ص 185)
الدلالة: انحدار المعرفة من قيمة عليا إلى سلعة مسروقة، في انسجام كامل مع منطق الحرب.
- دلالة العنوان
“بنسيون الشارع الخلفي”
البنسيون: ليس مكانًا محايدًا، بل: فضاء هشّ- إقامة مؤقتة- حياة بلا استقرار- يمثّل وطنًا لم يعد بيتًا.
” … شبيه بمركز إيواء مؤقّت حسب الظروف السائدة والمتغيّرة باستمرار بلا ثبات، ولا ضمانة من أحد مطمئنة، …. حتى أن الفندق، مهما كان مجهّزًا بكل وسائل الراحة، مصمّم على أساس العبور، دائمًا يذكّرك بالمغادرة، حتى وأنت تحلّ فيه” ( ص52- 53)
2. الشارع الخلفي يحيل إلى: الهامش- اللامرئي – ما يُخفى عن الواجهة- سوريا التي دُفعت خارج التاريخ، وخارج العدالة.
شاهد:
” لم تستغرب نورما قلة السالكين للطريق الخلفي المحاذي للشارع الرئيس في أحد ضواحي العاصمة الجنوبية، وعلى الأغلب، كما أفصحت عن المكان فيما بعد بزمان طويل: إنه في منطقة مخيّم اليرموك، وبالتحديد خلف شارع لوبية . المكان الذي كانت تقصده كل فترة لشراء الملابس…”( ص 16)
- المستوى البصري :
أولًا: البنية البصرية العامة
يقوم المستوى البصري في الرواية على جماليات الخراب لا جماليات الوصف. الصورة لا تُنتج للزينة، بل لتكثيف الإحساس بالانهيار. الكاتب يتعمّد:
- تفكيك الصورة الكاملة للمدينة
- الاكتفاء بلقطات جزئية (حيّ، حاجز، غرفة، درج، شارع)
- خلق إحساس بالكاميرا المرتجفة لا باللوحة الثابتة
وهذا يجعل القارئ شاهدًا لا متفرجًا.
ثانيًا: البنسيون كشخصية بصرية
البنسيون ليس مجرد مكان للسكن، بل جسد بصري متهالك:
غرف ضيقة- جدران متشققة- ممرات معتمة- أبواب تُفتح وتُغلق بحذر
شاهد:
” الأبواب المغلقة تختفي وراءها حكايات مبهمة عصي على الفهم، أبواب الغرف لا تُفتح إلا لضرورة الخروج لقضاء حاجة ما أو إلى الحمام” ( ص 66)
” العمارة الضخمة ذات الطوابق الثلاثة …. من بداية مدخل الشارع الخلفي لشارع لوبية الرئيس كوجه مومياء عتيقة لا أحد يحب النظر النظر إليه….” ( ص 24)
الدلالة الذرائعية: البنسيون يتحوّل من عنصر معماري إلى ذاكرة موت .
” الجدران المقشرة من طول معاناتها من الاشتباكات المتبادلة يوميًا بين المتحاربين ….” ( ص 24)
الدلالة الذرائعية : المكان يكتسب وعيًا، ويشارك الشخصيات أوجاعها.
ثالثًا: الشارع الخلفي بوصفه رؤية بصرية
الشارع الخلفي ليس فقط موقعًا جغرافيًا، بل زاوية رؤية: لا واجهات، لا ساحات احتفالية، لا رمزية وطنية مرفوعة.
شاهد:
” تضيع ملامح المكان إذا قلّ ارتياده، وتضيع المعلومات القديمة؛ فتظهر المفاجآت… كان المحل والمحلات التي بجانبه مُغلقات، وبعضها مهشَم الواجهات وأغلاق أبوابها الحديدية منزوعة”
الرؤية البصرية هنا مهمَّشة مثل الشخصيات.
الكاميرا السردية ترفض المركز، وتختار الهامش.
رابعًا: الحواجز الأمنية كعنصر بصري قمعي
الحواجز في الرواية ليست حدثًا عابرًا، بل مشهد بصري متكرّر:
أسلحة، نظرات تفتيش، انتظار، صمت ثقيل
شاهد:
” … سلوك العساكر مختلف هذا اليوم، حالة استرخاء غير طبيعية، بعضهم تحلل من التزامه بلباسه العسكري، حتى أن بوط الرياضة استُبدل مكان البوط العسكري … وبعضهم بدلاتهم العسكرة ذات الألوان المموهة بألوان حمراء وخضراء وبنية، لتشكيل لوحة كئيبة تبعث الرعب في نفوس من يعبرون الحاجز…. العساكر ضجرون من توترهم الدائم، بين أوامر قادتهم والمسؤولين عنهم، وبين القيام بواجباتهم العسكرية بالحراسة والتفتيش على مدار الساعة” ( ص 71- 72)
دلالة بصرية:
الجسد يُقرأ بصريًا (ملابس، ملامح، طريقة الوقوف).
الإنسان يتحوّل إلى علامة قابلة للتجريم.
خامسًا: المدينة المدمّرة – الصورة المجتزأة
الكاتب لا يقدّم صورة بانورامية للدمار، بل: بيت منهوب، مطعم فارغ، حيّ خالٍ، واجهات مكسورة
شاهد:
” … كل العمارات المطلة على الساحة مت جوانبها الأربعة مهجورة، لا أحد يجلس مساء يشرب قهوته،… أو يدخن الشيشة، وصحن الموالح أمامه على الطربيزة، والمدام تجلس قبالته تتأمل شاربيه” ( ص 73)
التدمير يُرى عبر غياب البشر لا عبر كثرة الركام فقط.
الفراغ عنصر بصري أساسي.
سادسًا: الكتب كعنصر بصري معرفي منهار
واحدة من أقوى الصور البصرية في الرواية:
الكتب وقد نزلت من الرفوف، معروضة للبيع، بلا سياق، بلا سؤال أخلاقي
شاهد:
” الموضوع مثير بكافة تفاصيله الجديدة كليًّا لنبهان، الانبهار بموضوع الكتب ؛ فعظُمت قيمتها المعنوية بنفسه، غير مؤمن بفائدتها إلا إذا بيعت بمزادات ، ودخلت أثمانها إلى جيبته” ( ص 190)
الدلالة:
سقوط الهرم المعرفي بصريًا.
المعرفة تُرى مبعثرة كما المدن.
سابعًا: الضوء والظل
البنية الضوئية في الرواية قاتمة:
إضاءة خافتة- عتمة الممرات- ظلال الأشخاص
شاهد:
” سيرا تتأمل خيالات نورما المرتسمة على الجدار الذي خلفها، لآن الشمعة المضاءة على طاولة الطربيزة تتوسط جلستهما وجهًا لوجه، رأتها شبحًا أسود يستحوذ على أكثر مساحة الجدار” ( ص 63)
الضوء ليس عنصرًا جماليًا بل قيمة مفقودة.
العتمة هي الوضع الطبيعي للحرب.
ثامنًا- البنسيون كفضاء مُركَّب من أثاثٍ مسروق وغير منسجم
لا يتشكّل البنسيون في الرواية من بنية معمارية متماسكة أو أثاث منسجم، بل من قطع متنافرة المصدر والهوية:
أسِرّة لا تشبه بعضها، كراسٍ من بيوت مختلفة، طاولات لا تنتمي إلى المكان، خزائن مكسورة، وأدوات بلا سياق.
هذا الأثاث ليس تفصيلًا ديكوريًا، بل علامة بصرية أخلاقية.
شاهد دال (مضموني):
الأثاث في البنسيون لا يبدو مختارًا، بل مجمَّعًا…كل قطعة جاءت من مكان آخر، ومن حياةٍ لم تكن هنا. حتى وإن لم يصرّح النص بكلمة “مسروق” مباشرة في كل موضع، فإن تراكم الإشارات إلى المصدر المجهول، التفكك، والتنافر، يشي بذلك بوضوح بصري.
“المكان هنا أخذ على عاتقه عدم التناسق، شهادة امتياز بالتشويه البصري المتنافر، كما يُقال: (من كل قطرة أغنية)، شيوع التنافر ليكون شأنًا عامًّا هذه الأيام، ولا شيء في مساره الصحيح المعتاد قطعًا” ( ص 50)
الدلالة البصرية للأثاث المسروق:
1. الأثاث بوصفه بقايا حياة
كل قطعة أثاث:
اقتُلعت من بيت، فُصلت عن أصحابها، أُعيد توظيفها في سياق بقاء، كما السوريين أنفسهم.
الأثاث هنا: لا يؤدي وظيفة الراحة، بل وظيفة النجاة المؤقتة
2. عدم الانسجام البصري = تفكك الهوية الوطنية
غياب الانسجام بين:الألوان، الأحجام، الأساليب
يعكس:غياب المشروع الجامع، تشظّي المجتمع، انهيار الذائقة والقيم معًا
البنسيون وطنٌ بلا هوية جمالية، كما هو وطن بلا هوية سياسية أو أخلاقية.
3. الأثاث المسروق والحدّ الأخلاقي المكسور
بصريًا، لا يعود السؤال: هل هذا الأثاث جميل؟
بل: من أين جاء؟ وهذا سؤال أخلاقي لا جمالي.
دلالة ذرائعية: الحرب لا تدمّر البيوت فقط، بل تُسقط الحرج الأخلاقي عن الاستفادة من خراب الآخرين.
4. الأثاث كدليل صامت على النهب:
كما البيوت المنهوبة في الرواية، الأثاث في البنسيون: لا يتكلم، لكنه يشهد ويُدين بصمته.
هو أثر مادي للجريمة داخل فضاء يفترض أنه مأوى.
5. البنسيون كـ “وطن من الغنائم”
يتحوّل البنسيون، بصريَّا، إلى:
وطن مُعاد تركيبه من بقايا الآخرين، بلا شرعية أخلاقية، بلا انسجام داخلي.
وهنا تتقاطع الدلالة مع فكرة: الدولة التي تأسست على النهب، لا يمكن أن تكون بيتًا.
تاسعًا- وظيفة المستوى البصري ذرائعيًا:
وفق المنهج الذرائعي، المستوى البصري هنا:
- لا يصف، بل يُقنع
- لا يجمّل، بل يفضح
- لا يحيّد القارئ، بل يزجّه داخل المشهد
- الصورة تؤدي وظيفة حجاجية أخلاقية: هكذا تبدو الحرب حين تُرى من الداخل، لا من الشاشات.
خلاصة المستوى البصري
المستوى البصري في بنسيون الشارع الخلفي:
يصنع وعيًا لا صورة، ويحوّل المكان إلى شاهد إدانة، ويجعل الحرب تُرى بوصفها خرابًا يوميًا عاديًا.
- المستوى اللغوي والجمالي
(لغة الخراب – اعتياد الكارثة – تآكل الدهشة)
أولًا: السمات العامة للغة
لغة الرواية:
- غير خطابية
- غير انفعالية
- خالية من البلاغة الزخرفية
- تميل إلى الاقتصاد اللغوي والتقريرية الباردة
وهذا خيار جمالي مقصود، لأن الحرب الطويلة تقتل الفصاحة الانفعالية، وتستبدلها بلغة مُنهَكة تشبه وعي الشخصيات.
ثانيًا: مفردات الخراب (المعجم الحربي اليومي)
يتشكّل معجم الرواية من كلمات لم تعد استثنائية، بل أصبحت مكوّنًا يوميًا في الجملة السردية:
أمثلة معجمية متكرّرة:
حاجز- تفتيش- عبور- خوف- صمت- دمار- نهب- تهجير- جثث- بيوت فارغة- ممرّات- عتمة
شاهد:
“… أنزلوه مكبّلًا، يداه خلف ظهره، ووضعوا الطماشة الجلدية السوداء على عينيه، اختفى النور صار كالأعمى، اقتاده العسكري بخشونة وقساوة،… بوغتنا جميعًا بزخات رصاص. هجوم مفاجئ لمسلّحين، أرادوا اقتحام الحاجز، للسيطرة عليه…” (ص 42)
الخراب لا يُعلن نفسه بالصراخ، بل بالإجراء: عبور، انتظار، تفتيش.
ثالثًا: اعتياد الخراب (اللغة بعد الصدمة)
الأخطر جماليًا هو غياب الدهشة.
اللغة لا تقول: “حدث أمر فظيع”
بل: “حدث… وانتهى”
شاهد:
” تراءى لي وجه زوجي المدمى المعفّر بالتراب، أثناء سقوطه يتلوى من أثر إصابته، ولا أحد يمسح له جبينه… ولم يبكه أحدٌ…” ( ص 119)
هنا تتحوّل الكارثة من حدث إلى معلومة.
وهذا هو جوهر رواية الحرب الطويلة: تطبيع الفاجعة لغويًا.
رابعًا: تآكل المفردات القيمية
الكلمات الكبرى (وطن، كرامة، عدالة، معرفة) تغيب أو تُفرّغ من محتواها.
بدلًا منها:
بقاء- فرصة- طريق- تهريب- بيع- نجاة- خراب – حياة- موت – فراغ – استمرار
” الخراب حلّ مكان الحياة، والموت طاردٌ لتفاعلات يبدو أنها ضرورية من أجل الاستمرار، شعوري بالفراغ هائل…” (ص 68)
اللغة تعكس انهيار الهرم القيمي:
لم يعد السؤال ماذا نفعل؟
بل كيف ننجو؟
خامسًا: الجملة السردية (البناء الجمالي)
خصائص الجملة:
قصيرة أو متوسطة، قليلة الاستعارات، تعتمد التراكم لا الإيقاع.
مثال دال:
“لا نداءات لله في بيوته المهجورة المخرّبة، الريح عصفت بها، وزمهرت ذات زمن مضى”( ص67)
هي جملة بسيطة تركيبيًا، لكنها عميقة جماليًا ودلاليًا. تقوم على اقتصاد لغوي واضح، يخلو من الزخرفة البلاغية، ويعتمد على التراكم الإيحائي لا على الإطناب. لا تستدعي الصورة هنا مفردات صادمة أو تشبيهات مباشرة، بل تبني أثرها عبر الغياب: غياب النداء، غياب الساكن، وغياب الزمن الحي.
الجملة تُحمِّل المكان بعدًا روحيًا مقلوبًا؛ فـ”بيوت الله” التي يُفترض أن تكون فضاءً للسكينة والابتهال، تتحوّل إلى شاهد صامت على الخراب، حيث لم يبقَ من القداسة سوى الريح، ولم يبقَ من الزمن سوى زمهرير الذاكرة. وبهذا تنتقل الجملة من توصيف مادي إلى مجاز وجودي، تُعبّر فيه عن انقطاع العلاقة بين الإنسان والمقدّس بفعل الحرب، دون خطاب مباشر أو إدانة صريحة.
جماليًا، تنتمي هذه الجملة إلى ما يمكن تسميته جماليات الفراغ؛ إذ إن قوتها لا تنبع مما تقوله، بل مما تتركه معلقًا: سؤال الإيمان، سؤال الغياب، وسؤال الجدوى. وهي بذلك تمثّل نموذجًا للجملة السردية في الرواية، التي تفضّل الهدوء البارد على الانفعال، والتأمّل الصامت على الصرخة، بما ينسجم مع سردية اعتياد الخراب التي تحكم النص بأكمله.
سادسًا: الجماليات السالبة (Aesthetics of Ruin)
الجمال في الرواية ليس جمالًا إيجابيًا، بل: جمال الصدق، جمال التعرية، جمال اللازينة
الكاتب يستخدم التشبيه البلاغي بقلّة:
” كلام البدايات ناعم كفخ مغطى بحشائش يابسة لخداع الفرائس” ( ص 46)
ويتجنّب الصورة الشعرية اللامعة، ويعتمد:
المشهد الخام، اللغة الوظيفية، التكرار الهادئ
وهذا يتسق مع منهج ذرائعي: اللغة تؤدّي وظيفة كشف، لا وظيفة إبهار.
سابعًا: التكرار بوصفه تقنية جمالية
تتكرّر مفردات مثل:
نفس الحاجز، نفس الطريق، نفس الخوف، نفس المكان.
التكرار هنا ليس ضعفًا أسلوبيًا، بل تمثيل لغوي لدوّامة الحرب.
ثامنًا: العلاقة بين اللغة والبنية النفسية
اللغة تُحاكي:
التبلّد- الإنهاك- فقدان الأمل
الجملة نفسها متعبة.
الإيقاع بطيء.
المفردات مستهلكة ومنهكة، كما الشخصيات.
خلاصة المستوى اللغوي والجمالي
لغة بنسيون الشارع الخلفي:
- لغة حرب طويلة لا لحظة انفجار
- لغة اعتياد لا صدمة
- لغة خراب صار طبيعيًا
وبذلك تتحوّل الرواية إلى: وثيقة لغوية عن كيف تتغيّر اللغة حين تُهزَم القيم.
- المستوى الديناميكي
(حركية الشخصيات تحت ضغط الحرب وانهيار القيم)
أولًا: ملامح المستوى الديناميكي في الرواية
الحركية في الرواية:
ليست بطولية، ولا تصاعدية، بل انحدارية وتكتيكية
الشخصيات لا تسعى إلى: تحقيق حلم، أو تغيير الواقع
بل إلى: تفادي الخطر، تأجيل السقوط، النجاة المؤقتة
هذا ما يجعل الرواية رواية حرب طويلة الأمد، لا رواية لحظة انفجار.
ثانيًا: تفكيك أبعاد الشخصيات
1. نبهان: (شخصية الوسيط – التكيّف الرمادي)
ديناميكيًا:
نبهان شخصية حركتها الأساسية هي المراوغة:
يعرف متى يتكلم، متى يصمت، متى ينسحب، هو ليس جلادًا، ولا ضحية خالصة، بل: نتاج مباشر للحرب الطويلة.
سلوكيًا:
- يقبل بالوضع القائم
- يكيّف نفسه مع الانهيار
- لا يصطدم مباشرة بالشر
نبهان يمثّل الطبقة التي نجت لأنها لم تقاوم ولم تواجه.
دلالة ذرائعية: نبهان = الإنسان الذي تآكلت قيمه بالتدريج، لا بالسقوط المفاجئ.
2. نورما: (شخصية الوعي الجريح – الصدمة المستمرة)
ديناميكيًا:
نورما لا تتحرّك كثيرًا في المكان، لكن: تتحرّك بعنف داخل ذاتها، تعيش صراعًا دائمًا بين ما كانت عليه وما صارت إليه.
نفسيًا:
لم تعتد الحرب، لكنها عاجزة عن مغادرتها، تعيش في منطقة الصدمة المفتوحة.
حركتها الأساسية: التفكير، التذكّر، الانكسار.
دلالتها: نورما تمثّل الوعي الذي لم يتبلّد، فدفع الثمن ألمًا مضاعفًا.
3. سيرا (شخصية البراغماتية – النجاة بأي ثمن)
ديناميكيًا:
سيرا تتحرّك بسرعة: تعرف الطرق، تعرف الأشخاص، تعرف كيف تعبر.
أخلاقيًا:
لا تطرح أسئلة كبرى
لا تبحث عن معنى
تبحث عن مخرج
سيرا تمثّل: الإنسان الذي أعاد تعريف الأخلاق وفق منطق البقاء بطريقة شاذة.
دلالة: ليست شخصية شريرة، بل مُعاد تشكيلها بفعل الحرب.
4. فايا (شخصية الانكسار الصامت)
ديناميكيًا:
فايا: قليلة الحركة، قليلة الكلام، لكنها محمّلة بثقل التجربة.
حضورها السلبي هو حضور دال.
سلوكيًّا:
تمتص العنف، لا تواجه، تنسحب إلى الداخل.
دلالتها: فايا تمثّل ضحايا الحرب غير المرئيين: من لم يُقتلوا… لكنهم خسروا أنفسهم.
5. لارا (شخصية التمزّق الهويّاتي)
ديناميكيًا:
لارا تعيش انقسامًا حادًا: بين الماضي والحاضر، بين ما تريد وما تستطيع.
سلوكيًا: مترددة، قلقة، غير قادرة على اتخاذ قرار حاسم
لارا تمثّل:الجيل الذي سرقته الحرب من نفسه.
6. محمود (شخصية الانكسار الذكوري – فقدان الدور)
ديناميكيًا:
محمود:يتحرّك داخل دائرة مغلقة، عاجز عن الفعل الحقيقي، فقد دوره الاجتماعي.
نفسيًا:
يشعر بالهزيمة، بالعجز، بالفراغ.
هو ضحية حرب كسرت صورة الرجل/المعيل/الحامي.
7. الفتى أيمن (شخصية المستقبل المصادَر)
ديناميكيًا:
أيمن: يتحرّك دون بوصلة، يتعلّم من الفوضى، يتشرّب مناخ العنف كطبيعي
دلالته:
أيمن ليس طفلًا بريئًا، ولا مجرمًا، بل نتاجًا خامًا للحرب
هو المستقبل الذي لم يُصَغ بعد، لكنه مهدّد بالتشوّه.
8. أبو حيدر (شخصية السلطة الصغرى – الاستبداد اليومي)
ديناميكيًا:
أبو حيدر: يتحرّك من موقع القوة، يستثمر الخوف، يمارس سلطة جزئية.
هو صورة السلطة حين تتفتّت إلى وكلاء صغار.
دلالته: أبو حيدر لا يحتاج أيديولوجيا: يكفيه أن الخوف يعمل لصالحه.
ثالثًا: العلاقات الديناميكية بين الشخصيات
العلاقة: نبهان × أبو حيدر طبيعتها: تكيّف مع السلطة
العلاقة: نورما × سيرا طبيعتها: صراع القيم × البقاء
العلاقة: فايا × لارا طبيعتها: صمت × تردّد
العلاقة:محمود × الحرب طبيعتها: فقدان الدور
العلاقة: أيمن × الجميع طبيعتها: مستقبل مهدّد
خلاصة المستوى الديناميكي
الشخصيات في الرواية: لا تتطوّر، بل تتغيّر اضطرارًا، تتحرّك داخل قفص الحرب
والرواية، ديناميكيًا، تقول:
الحرب لا تصنع أبطالًا دائمًا، بل تصنع ناجين، ومكسورين، ومتواطئين، وأطفالًا بلا ملامح واضحة.
- المستوى النفسي :
(من الصدمة إلى التبلّد ثم إعادة التشكّل المشوَّه)
كيف تُنتج الحرب أنماطًا نفسية؟ كيف يتحوّل الخوف إلى بنية داخلية؟ كيف يتشوّه الوعي دون انهيارٍ فجائي؟
أولاً: البنية النفسية العامة للرواية
الرواية لا تنتمي إلى: أدب الصدمة المفاجئة، ولا إلى أدب البطولة أو المقاومة.
بل إلى: أدب الصدمة المزمنة (Chronic Trauma)
وهي أخطر أشكال الأذى النفسي، لأن:
الألم لا ينفجر، بل يتسرّب ببطء، ويتحوّل إلى طبيعة ثانية.
الشخصيات لا تصرخ، بل تتآكل بصمت.
ثانيًا: الصدمة الأولى (Trauma)
الصدمة في الرواية: ليست حدثًا واحدًا، بل سلسلة مستمرة من: خوف- فقد- تهديد- مراقبة
شاهد دال:
” … كل ما هنا مخيف بطبيعته” ( ص 72)
الدلالة:
الصدمة لم تعد استجابة نفسية، بل بنية عقلية دائمة.
ثالثًا: التبلّد النفسي (Emotional Numbing)
أخطر ما ترصده الرواية هو:
- اعتياد الموت والعنف
- اختفاء الدهشة
- غياب الحزن الحاد
- تحوّل الكارثة إلى معلومة
هذا ليس قسوة، بل آلية دفاع نفسي.
رابعًا: القلق الوجودي وفقدان المعنى
الشخصيات تعيش:
- دون أفق
- دون تخطيط
- دون تصور للمستقبل
شاهد: ” شعوري بالفراغ هائل، للمرة الأولى يداهمني هذا الإحساس المفاجئ، مشاغلي الكثيرة أنستني تفقّد نفسي، ونظافتها المعهودة من قبل” ( ص68)
هذا ما يسمّى: الفراغ الوجودي الناتج عن الحرب الطويلة.
خامسًا: الخوف بوصفه منظم السلوك
الخوف في الرواية:
لا يُذكر دائمًا، لكنه يحكم كل فعل. وهو حالة نفسية كامنة، مظاهره:
- اختيار الصمت
- تبرير الانسحاب
- قبول الإهانة
- التعايش مع القمع
شاهد:
“الهدوء الواسع بمساحات الفراغ في محيط (البنسيون) لا يقلّ أهمية عن هدوء الصحراء المخيف، ولا عن الهدوء المتجمّد منذ بدء الخليقة في القارتين القطبيتين.” (ص 67)
تُجسِّد هذه الجملة الخوف بوصفه حالة نفسية كامنة لا تحتاج إلى تسمية مباشرة، إذ يُستبدل التعبير عن الخوف بتمثيل إحساسه الداخلي عبر صور الفراغ والجمود.
نفسيًا، لا يدلّ هذا الهدوء على الطمأنينة، بل على توقّف الاستجابة الانفعالية، وهي إحدى العلامات الأساسية لما يُعرف بصدمة الحرب الممتدّة، حيث يصل الفرد إلى مرحلة لا يعود فيها قادرًا على الخوف الصاخب، فيتحوّل الخوف إلى سكون داخلي كثيف.
الفراغ هنا ليس فراغ المكان فحسب، بل فراغ الشعور؛ حالة من الانسحاب العاطفي (Emotional Withdrawal) تُصيب الشخصيات بعد طول تعرّض للتهديد، فتُفضّل النفس آلية الدفاع الأكثر أمانًا: التجمّد. وتشبيه الهدوء بالصحراء والقطبين يعكس حالة التخشّب النفسي، حيث يتوقّف الزمن الداخلي، وتتعطّل الرغبة، ويغدو البقاء هو الهدف الوحيد.
ومن هذا المنظور النفسي، يمكن فهم السلوكيات المتكرّرة في الرواية بوصفها نتائج مباشرة لهذه الحالة:
اختيار الصمت: ليس فضيلة ولا حكمة، بل استجابة نفسية لحماية الذات من الانكشاف.
تبرير الانسحاب: آلية دفاع عقلانية تخفّف الإحساس بالعجز.
قبول الإهانة: نتيجة تآكل الإحساس بالقيمة الذاتية تحت ضغط الخوف المستمر.
التعايش مع القمع: ليس رضوخًا واعيًا، بل تكيّف نفسي قهري مع واقع لا يُتصوَّر تغييره.
تكشف الجملة، نفسيًا، عن انتقال الشخصيات من حالة الخوف الحاد إلى الخوف المُمأسس داخليًا؛ ذلك الخوف الذي لم يعد يُشعَر به بوصفه ألمًا، بل يُعاش بوصفه نمطًا مستقرًا للحياة. وهنا تتحقّق إحدى أخطر نتائج الحرب النفسية: أن يتوقّف الإنسان عن مقاومة الخوف لأنه لم يعد يراه استثناءً، بل جزءًا طبيعيًا من الوجود.
سادسًا: تشوّه العلاقات الإنسانية
الحرب لم تُنتج فقط، أفرادًا متألمين بل:علاقات مشوّهة
مظاهره:
- انعدام الثقة
- تآكل التضامن
- الخوف من الآخر
شاهد:“الخوف… نعم الخوف وحده، نحن في مجتمع شرقي شديد الخصوصية بتدخلاته الاجتماعية، ولا يمكن نشوء علاقة منفردة بذاتها إلا بجرجرة خيوط الماضي معها.”( ص 84)
تكشف هذه الجملة عن الأثر النفسي العميق للحرب في تشويه العلاقات الإنسانية، حيث لا يعود الخوف شعورًا فرديًا عابرًا، بل يتحوّل إلى عامل منظِّم للعلاقة مع الآخر.
نفسيًا، يعطّل الخوف إمكانية بناء علاقة حاضرة مستقلة، إذ تُستدعى الذاكرة الجريحة والشكوك المتراكمة إلى كل تواصل جديد، فتُفقد العلاقة عفويتها وتُحمَّل بثقل الماضي.
وتظهر مظاهر هذا التشوّه في ثلاثة مستويات متلازمة: انعدام الثقة بوصفه نتيجة مباشرة لتجربة الخذلان والخطر، وتآكل التضامن بسبب تغليب آليات النجاة الفردية على الفعل الجماعي، والخوف من الآخر الذي لم يعد شريكًا محتملًا، بل احتمال تهديد. وبهذا، تُنتج الحرب عالمًا اجتماعيًا هشًّا، لا يكتفي بإعادة تشكيل الألم النفسي، بل يعيد صياغة العلاقات نفسها على أساس الريبة والتحفّظ، حتى داخل المجتمع الواحد.
سابعًا: الأطفال والمراهقون (أيمن نموذجًا)
أيمن لا يعيش صدمة ثم يتجاوزها، بل: ينشأ داخل الصدمة، يتعلّم الشذوذ الجنسي والعنف بوصفه طبيعيًا
دلالته النفسية:
أيمن يمثّل جيلاً لم يعرف ما قبل الحرب، نفسيته ليست مكسورة فقط، بل مُعاد تشكيلها على الخوف والفوضى
ثامنًا: الشخصيات النسائية والضغط النفسي المركّب
نورما – فايا – لارا – سيرا يعشن:
- صدمة الحرب
- هشاشة اجتماعية
- خوف مضاعف
القلق هنا: جسدي، ذهني، دائم
تاسعًا: آليات التكيّف النفسي
الشخصيات تستخدم: الإنكار- التبرير- التطبيع- التهكّم أحيانًا. ليست حلولًا، بل مسكّنات نفسية.
عاشرًا: البنسيون كحاوية نفسية جماعية
البنسيون: يحتضن الصدمات، يجمع المنكسرين، يضاعف القلق.
هو: لاوعي جمعي للحرب السورية.
الجدران، الممرات، الأثاث المسروق: تخزّن الخوف، وتعيد إنتاجه
خلاصة المستوى النفسي
الرواية تقدّم:
لا أبطالاً مصابين، بل بشرًا يعيشون بعد الصدمة
وتقول بوضوح: الحرب لا تنتهي عند وقف القصف، بل تبدأ داخل النفوس
المستوى النفسي – التناص
(تناص الصدمة، التبلّد، وتشظّي الوعي في رواية الحرب)
سنُدرج التناص داخل المستوى النفسي بوصفه تناصًّا وظيفيًا (ذرائعيًا) لا إحاليًّا زخرفيًا؛ أي تناصًّا ينبع من تشابه البنى النفسية تحت الحرب، لا من الاستدعاء الواعي للنصوص.
أولًا: مفهوم التناص النفسي في هذه الرواية:
التناص في بنسيون الشارع الخلفي ليس: تناص اقتباس، ولا تناص إحالة مباشرة، بل هو:
تناص بنيوي– نفسي
تشترك فيه روايات الحرب التي كُتبت من داخل التجربة لا من خارجها.
أي أنّ النص يتقاطع مع نصوص أخرى في أعراض الصدمة، آليات الدفاع، وأنماط الوعي المنهك.
ثانياً: التناص مع روايات الحرب السورية
(الصدمة المزمنة لا الحدث المفرد)
1. التناص مع (لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة) – خالد خليفة
نقطة التناص النفسي:
- الصدمة الطويلة
- العجز عن الفعل
- التواطؤ الصامت
في رواية المقداد، كما عند خليفة: الخوف ليس انفجارًا نفسيًا، بل حالة اعتياد تناص في تحويل الخوف إلى بنية ذهنية دائمة.
2. التناص مع (رائحة القرفة) – سمر يزبك
نقطة التناص النفسي:
- الوعي النسوي الجريح
- الجسد بوصفه مخزنًا للخوف
- القلق المستمر
نورما / فايا / لارا:
لا يعشن صدمة واحدة، بل ضغطًا نفسيًا مركّبًا تناص في الوعي المرهق الذي لا يجد ملاذًا داخليًا.
3. التناص مع (الخائفون) – ديمة ونوس
نقطة التناص:
- القلق بوصفه هوية
- العلاقات المشوّهة
- انعدام الأمان الداخلي
تناص في تحوّل العلاقات الإنسانية إلى فضاء تهديد نفسي.
ثالثًا: التناص مع أدب الحرب العالمي
(الاعتياد بوصفه ذروة الصدمة)
1. التناص مع The Things They Carried – تيم أوبراين
نقطة التناص:
- الاعتياد على الموت
- تحوّل الفقد إلى تفصيل يومي
- تناص في انتقال الموت من حدث إلى معلومة.
2. التناص مع All Quiet on the Western Front – إريش ماريا ريمارك
نقطة التناص:
- جيل مدمَّر نفسيًا
- فقدان المعنى
- الزمن الثقيل
تناص في الإحساس بالزمن كعبء نفسي لا كمسار حياة.
رابعًا: التناص التقمّصي (Empathic Intertextuality)
الرواية لا تُحيل إلى نصوص بعينها، لكنها تدفع القارئ إلى استدعاء ذاكرته القرائية وتخلق حالة:
“قرأت هذا الألم من قبل… لكن هنا هو أقرب”
هذا ما يُسمّى: التناص التقمّصي حيث يتماهى القارئ نفسيًا لا ثقافيًا.
خامسًا: التناص السلوكي
(تشابه أنماط التكيّف)- السلوك- دلالته النفسية- الصمت- آلية بقاء- التبرير- حماية الذات- التبلّد- درع نفسي الانسحاب- تجنّب الانهيار.
هذه السلوكيات تتكرر في: الرواية ونصوص حرب أخرى، مما يؤكّد أنّ: الحرب تُنتج نفس الإنسان مهما اختلفت الجغرافيا.
سادسًا: الفرق الجوهري في تناص المقداد
ما يميّز بنسيون الشارع الخلفي عن كثير من نصوص الحرب:
- لا بطولات نفسية
- لا شفاء
- لا خلاص
بل: بشر يعيشون داخل الصدمة، لا بعدها
وهذا يجعل التناص:
- غير رومانسي
- غير تعويضي
- شديد القسوة والصدق
خلاصة التناص داخل المستوى النفسي
التناص هنا: ليس استدعاء أسماء،بل تشابه جروح، وتشابك وعي، وتكرار مصير نفسي واحد
وتقول الرواية، ضمنيًا:
الحرب السورية ليست استثناءً نفسيًا، لكنها إحدى أكثر تجليات الصدمة الإنسانية قسوةً واستمرارًا
- المستوى الإيحائي في رواية بنسيون الشارع الخلفي
(من الدلالة المباشرة إلى المعنى العميق للحرب السورية)
ننتقل الآن إلى المستوى الإيحائي بوصفه المستوى الذي تتكثّف فيه كل المستويات السابقة (البصري، اللغوي، الديناميكي، النفسي)، ليُنتج المعنى العميق غير المصرّح به في الرواية.
وسأعالجه ذرائعيًّا: أي بوصف الإيحاء ناتجًا عن وظيفة الرموز داخل التجربة لا عن الزخرفة أو الغموض المقصود.
أولًا: طبيعة الإيحاء في الرواية
الإيحاء في هذا النص: ليس شعريًا تجريديًا، ولا رمزيًا ميتافيزيقيًا، بل إيحاء واقعيًّا–أخلاقيًّا.
أي أن كل عنصر واقعي يتحوّل – بتراكمه ووظيفته – إلى علامة دلالية عميقة
ثانيًا: البنسيون – الإيحاء المركزي
الإيحاء:
البنسيون = الوطن السوري خلال الحرب
ليس الوطن بوصفه جغرافيا، بل بوصفه فضاءً مكسورًا، منزوع السيادة، مُعاد تركيبه من بقايا الآخرين
عناصر الإيحاء:
- عزلة عن الجوار
- أثاث مسروق
- نزلاء متشظّون
- غياب الانسجام
الإيحاء العميق: الوطن لم يعد بيتًا، بل مأوى مؤقتًا لمن نجا
ثالثًا: الشارع الخلفي – إيحاء الإقصاء التاريخي
الإيحاء: الشارع الخلفي لا يعني الهامش فقط، بل:
- الإخفاء المتعمّد
- العيش خارج الضوء
- شطب الوجود من الواجهة
سوريا التي دُفعت:
- خارج التاريخ
- خارج العدالة
- خارج السردية العالمية المعلَنة
الإيحاء العميق هنا: حياة تُعاش في الظل كي لا تُرى الجريمة
رابعًا: الحواجز الأمنية – إيحاء السلطة الشاملة
الإيحاء: الحاجز ليس نقطة تفتيش فقط، بل: عقل الدولة، عينها، منطقها
الحاجز يراقب: الجسد، اللغة، الصمت، النوايا
الإيحاء العميق: السلطة لا تحتاج إلى حضور دائم، يكفي أن تُزرع داخل الوعي
خامسًا: الأثاث المسروق – إيحاء الجريمة المؤسِّسة
الإيحاء: الأثاث ليس تفصيلًا ماديًا، بل:
- أثر جريمة
- شاهد صامت
- دليل على انهيار الحرج الأخلاقي
الإيحاء العميق: الوطن الذي تأسّس على النهب، لا يمكن أن ينتج شعور الانتماء.
سادساً: الكتب المسروقة – إيحاء سقوط المعرفة
الإيحاء:الكتب نزلت من القمة المعرفية إلى سلعة، إلى بضاعة إلكترونية
الإيحاء العميق : الحرب لا تدمّر المثقف فقط، بل تُهين المعرفة ذاتها
الكتاب هنا:بلا قارئ، بلا سياق، بلا قداسة
سابعًا: البيوت المنهوبة – إيحاء انتهاك الحُرمة
الإيحاء: البيت في الوعي الجمعي: أمان، خصوصية، ذاكرة
تحوّله إلى:غنيمة، مخزن، فراغ
الإيحاء العميق: الحرب كسرت آخر خطوط الحُرمة.
ثامنًا: التهجير والتهريب – إيحاء اقتلاع الجذور
الإيحاء: الهجرة ليست اختيارًا، بل: اقتلاع قسري، انقطاع زمني، تشظّي هوية.
والتهريب: ليس جريمة فردية، بل اقتصاد حرب.
الإيحاء العميق: حين تسقط الدولة، يولد السوق الأسود بوصفه بديلًا أخلاقيًّا مشوّهًا.
تاسعًا: الشخصيات – إيحاء ما بعد الإنسان
الشخصيات لا تمثّل ذواتًا فردية فقط، بل أنماطًا وجودية.
الشخصية وإيحاؤها:
نبهان= الإنسان الرمادي
نورما=الوعي الجريح
سيرا=البقاء بلا أسئلة
فايا=الضحية الصامتة
لارا=التمزّق
محمود=سقوط الدور
أيمن= مستقبل مشوّه
أبو حيدر=السلطة المتناسلة
الإيحاء الجامع:الحرب لا تقتل الإنسان دائمًا، بل تعيد إنتاجه بشكل مشوَّه.
عاشرًا: الإيحاء الختامي (النهاية المفتوحة)
النهاية المفتوحة توحي بـ:
- غياب العدالة
- استمرار الصدمة
- لا خلاص قريب
الإيحاء الأخير: الحرب لم تنتهِ، لأنها ما زالت تسكن النفوس.
خلاصة المستوى الإيحائي
لا يهرب من الواقع، بل يغوص فيه حتى أقصى قسوته، ويحوّل الرواية من حكاية حرب إلى تشريح عميق لانهيار الإنسان والوطن معًا.
- المستوى الديناميكي التداولي
(حركية الفعل، تدفّق السلطة، والشقّ المعرفي في زمن الحرب)
أولًا: تأطير المستوى
لا يقتصر المستوى الديناميكي في رواية بنسيون الشارع الخلفي على حركة الشخصيات داخل الفضاء السردي، بل يتّسع ليشمل حركة المعنى، والسلطة، والمعرفة داخل سياق الحرب السورية.
ومن هنا يُقرأ هذا المستوى بوصفه ديناميكيًّا تداوليًا، حيث تُقاس الأفعال لا بآليتها التنفيذية، بل بأثرها الدلالي والأخلاقي في الوعي الفردي والجمعي.
ثانيًا: حركية الأفعال بوصفها رسائل تداولية
في هذا المستوى، يتحوّل الفعل إلى خطاب، وتتحوّل الحركة إلى رسالة:
- عبور الحواجز ليس انتقالًا مكانيًا فقط، بل خطاب خوف.
- الصمت ليس غياب كلام، وإنما استراتيجية بقاء.
- التكيّف ليس حيادًا، بل موقفًا أخلاقيًّا ضمنيًّا.
وهكذا تتأسّس ديناميكية الرواية على تبادل غير منطوق للمعاني.
ثالثًا: الشقّ المعرفي داخل المستوى الديناميكي التداولي:
1. نقل رفات الجنود الإسرائيليين وتدمير مقبرة مخيم اليرموك
تشير الرواية إلى عملية مشتركة قامت بها عناصر كوماندوس إسرائيلية وروسية لاستخراج رفات جنود إسرائيليين من مقبرة في مخيم اليرموك، أعقبها تدمير المقبرة بالكامل بقصفها بالبراميل المتفجرة .
شاهد:
“فريق ( كوماندوس إسرائيلي) دخلوا مقبرة الشهداء بلحظة خاطفة بسيارات مصفّحة برفقة الشرطة الروسية، وفي سرعة نبشوا قبرين في طرف المقبرة القبلي،كنت سمعتُ من أخي المرحوم، أن في المقبرة جثتين لجنديين اسرائيليين من فترة سابقة”(ص229)
“الأمور مترابطة بتوقيت دقيق، جاء قصف المقبرة بالبراميل بعد حادثة ( الكوماندوس) بيومين حسب ما أذكر على وجه التحديد” (ص229)
القراءة التداولية:
هذا الفعل لا يُقرأ بوصفه عملية عسكرية فقط، بل بوصفه: خطاب قوة، وفعلًا تداوليًّا يحمل رسالة مفادها:
(بعض الموتى يستحقون الاستعادة، وبعض الذاكرات قابلة للمحو.)
شاهد:
” ما هذا الحرص الشديد من إسرائيل على فرد من أفرادها، باعتبارهم أن عملهم مقدسًا، ونصرَا مبينًا، بالمقابل عندنا الأعداد الهائلة التي ماتت وتموت كل يوم، والأمر عادي وأقل من عادي” ( ص 163)
إن تدمير المقبرة بعد نقل الرفات يُحيل إلى محو الذاكرة المحلية مقابل صيانة الذاكرة المدعومة بالقوة.
2. رحلة الشيخ عبد الرحمن أفندي إلى تركيا وجمع المخطوط:
في مقابل ديناميكية القوة، تطرح الرواية ديناميكية معرفية هشّة، تتمثّل في رحلة الشيخ عبد الرحمن أفندي إلى تركيا لجمع أجزاء مخطوط نادر كُلّف بتحقيقه، بعد أن تفرّق بفعل الحرب والتهريب.
شاهد:
” الفترة الماضية قضيتها في سفر دائم ما بين القاهرة وباريس واسطنبول بحثًا وراء أجزاء مخطوط مهمة وضرورية… ” ( ص 166)
القراءة التداولية:
تتحوّل الرحلة إلى فعل مقاومة معرفية، وخطاب أخلاقي صامت، فالمخطوط هنا يتحرّك كما يتحرّك اللاجئ، ويتشظّى كما تشظّت الذاكرة الجماعية.
رابعًا: المفارقة التداولية الكبرى
تضع الرواية القارئ أمام مفارقة صارخة:
ديناميكية السلطة × ديناميكية المعرفة
استعادة الرفات بقوة عسكرية × جمع المخطوط بجهد فردي
حماية ذاكرة مدعومة بالقوة × إهمال الذاكرة المحلية
تدمير المقبرة × محاولة ترميم المعنى
هذه المفارقة تُنتج خطابًا تداوليًا عميقًا حول أولويات الحرب وما تحميه وما تتركه للضياع.
خامسًا: القيمة الذرائعية لهذا المستوى
إدراج الشقّ المعرفي داخل المستوى الديناميكي التداولي ← يوسّع مفهوم الحركة ليشمل حركة التاريخ والذاكرة.
ويُظهر أنّ الرواية: لا تكتفي بتسجيل الألم، بل تُحاكم منطق القوة الذي يعيد ترتيب العالم.
خلاصة المستوى:
يتحوّل المستوى الديناميكي التداولي في بنسيون الشارع الخلفي إلى مستوى:
- حركية الأجساد
- وحركية السلطة
- وحركية المعرفة المهدَّدة
ويؤكّد أنّ: الحرب لا تتحكّم فقط بمن يعيش ومن يموت، بل بمن يُتذكَّر، وبما يُحفَظ، وبما يُمحى.
- التجربة الإبداعية :
(الكتابة من داخل الحرب لا عن الحرب)
أولًا: موقع الكاتب من التجربة:
التجربة الإبداعية في هذه الرواية لا تنطلق من موقع الراوي العارف، ولا من مسافة زمنية مريحة، ولا من خطاب إدانة جاهز، وإنما من موقع الشاهد المنهك الذي عاش الحرب زمنًا طويلًا، حتى فقد القدرة على الصدمة.
الكاتب لا يكتب الحرب كحدث تاريخي، بل كحياة يومية، كاعتياد، كتحلّل بطيء للقيم.
وهذا يفسّر: هدوء اللغة، غياب الانفجار الدرامي، سيطرة النبرة الباردة.
ثانيًا: الكتابة بوصفها فعل مقاومة صامتة
رغم أن الرواية لا ترفع شعار المقاومة، فإن فعل الكتابة نفسه مقاومة معرفية وأخلاقية؛ لأن الكاتب يصرّ على التوثيق، يرفض التجميل، لا يمنح القارئ عزاءً كاذبًا.
التجربة الإبداعية هنا تقوم على فضح الخراب كما هو، لا كما يُراد له أن يُروى.
ثالثًا: اختيار المكان بوصفه قرارًا إبداعيًّا
اختيار البنسيون ليس اعتباطيًّا:
- ليس بيتًا
- ليس شارعًا عامًّا
- ليس سجنًا مباشرًا
بل مساحة بينيّة (In-between Space) وهي المساحة التي عاش فيها السوريون:
- لاجئون في وطنهم
- آمنون ظاهريًّا
- مهدّدون دائمًا
هذا الاختيار يكشف وعيًا سرديًا عميقًا مفاده: المكان ليس خلفية، بل أداة تفكير.
رابعًا: بناء الشخصيات بوصفها آثارًا لا أبطالًا
التجربة الإبداعية ترفض:
- البطولة
- التطهير
- الخلاص
الشخصيات: لا تُصاغ لتُحب، ولا لتُدان، وإنما لتُفهم.
هم آثار بشرية للحرب، لا نماذج أخلاقية، وهذا خيار جمالي وأخلاقي جريء.
خامسًا: الاقتصاد السردي واللغة المنهكة
الكاتب يتعمّد:
- الجُمل القصيرة
- التوصيف المباشر
- غياب البلاغة العالية
لأن اللغة نفسها أُُنهكت بالحرب.
التجربة الإبداعية تحاكي: وعي الشخصيات، تعبها، تبلّدها.
فالأسلوب هنا امتداد نفسي للمضمون.
سادسًا: رفض التفسير والوعظ
من أبرز سمات التجربة:
- غياب الأحكام المباشرة
- عدم توجيه القارئ
- ترك المعنى يتكوّن بالتراكم
الكاتب لا يقول: هذا صواب وهذا خطأ، بل يضع القارئ أمام السؤال: كيف وصلنا إلى هنا؟
وهذا جوهر الكتابة الذرائعية.
سابعًا: الكتابة بوصفها أرشفة أخلاقية
الرواية تؤدي وظيفة ليست إعلامية، ولا توثيقية باردة، وإنما أرشفة وجدانية وأخلاقية للحرب، توثّق:
- سقوط القيم
- تشوّه العلاقات
- انهيار المعرفة
- تحوّل الخوف إلى نظام حياة.
ثامنًا: الزمن الإبداعي للرواية
الرواية مكتوبة بعد زمن طويل من الحرب، لا في لحظتها الأولى، وهذا يجعلها:
- رواية ما بعد الصدمة الأولى
- رواية التعب الطويل
وهذا يفسّر:
- بطء الإيقاع
- التكرار
- الإحساس بالدوّامة
تاسعًا: موقع الرواية ضمن أدب الحرب السوري:
إبداعيًّا، تنتمي الرواية إلى:
- أدب الحرب غير البطولي
- أدب الاعتياد
- أدب الانكسار الصامت
وهي بذلك:
تكمّل سردية الحرب السورية من زاوية الحياة اليومية لا الجبهة.
خلاصة التجربة الإبداعية:
التجربة الإبداعية في بنسيون الشارع الخلفي تقوم على:
- كتابة من داخل الجرح
- لغة بلا زينة
- شخصيات بلا خلاص
- مكان بوصفه وطنًا مكسورًا
- وأخلاق تُختبر لا تُعلَّق عليها.
وتؤكّد أن أعنف ما فعلته الحرب لم يكن القتل فقط، بل تغيير الإنسان من الداخل
- خاتمة الدراسة
تقدّم رواية “بنسيون الشارع الخلفي” لمحمد فتحي المقداد نموذجًا سرديًّا مكثّفًا لرواية الحرب السورية الممتدّة، لا بوصفها حدثًا عسكريًا أو صراعًا سياسيًا فحسب، بل بوصفها انهيارًا بنيويًا شاملًا طال الإنسان، المكان، والقيم.وقد أظهرت القراءة الذرائعية أنّ الرواية لا تُراكم الأحداث بقدر ما تُراكم الآثار، ولا تبني حبكة تقليدية بقدر ما تُشيّد وعياً نقدياً قلقاً تجاه ما خلّفته الحرب في النفوس والسلوكيات.
أبرزت الدراسة أنّ البنسيون لم يكن فضاءً محايدًا، بل تحوّل إلى شخصية مكانية رمزية تختزن صورة الوطن المنكفئ على أوجاعه، وطن أعيد تركيبه من بقايا منهوبة، وأُثِّث بأثاث مسروق غير منسجم، في إحالة عميقة إلى وطن فقد شرعيته الأخلاقية قبل أن يفقد سيادته المادية. كما كشف المستوى البصري عن جماليات الخراب والفراغ، حيث لم تعد الصورة أداة توصيف جمالي، بل وسيلة إدانة صامتة للدمار الممنهج.أما المستوى اللغوي والجمالي، فقد بيّن أنّ اللغة في الرواية لغة مُنهكة، متقشّفة، خالية من البلاغة الانفعالية، وهو اختيار فني ينسجم مع طبيعة الحرب الطويلة التي تُنتج اعتيادًا على الكارثة وتآكلًا في الدهشة. اللغة هنا لا تصرخ، وإنما تُبلّغ، وتؤدي وظيفة كشف لا وظيفة إبهار.
وفي المستوى الديناميكي، تبيّن أنّ الشخصيات لا تتطوّر بالمعنى الكلاسيكي، بل تتغيّر اضطرارًا تحت ضغط الخوف والتهديد، فتتوزّع بين التكيّف الرمادي، والانكسار الصامت، والبراغماتية القاسية، والوعي الجريح. وقد أكّد المستوى النفسي أنّ الرواية تنتمي إلى أدب الصدمة المزمنة، حيث يتحوّل الخوف إلى بنية ذهنية، والموت إلى خبر، والعنف إلى جزء من الحياة اليومية، دون وعدٍ بالشفاء أو التعافي. كما أظهر المستوى الإيحائي أنّ الرواية اشتغلت على شبكة كثيفة من الرموز الواقعية ذات الحمولة الأخلاقية العميقة: الحواجز الأمنية بوصفها تمثيلًا للسلطة الشاملة، الكتب المسروقة علامة على سقوط المعرفة، البيوت المنهوبة إيحاء بانتهاك الحُرَم، والتهجير والتهريب بوصفهما اقتصاد حرب لا خيار فردي. ولم يكن هذا الإيحاء هروبًا من الواقع، وإنما كان غوصًا فيه حتى أقصى درجات القسوة.وفي ضوء التجربة الإبداعية، يتضح أنّ المقداد كتب هذه الرواية من موقع الشاهد لا المؤرّخ، ومن داخل التعب لا من مسافة آمنة، فجاء نصّه خاليًا من البطولات الزائفة، رافضًا الوعظ والخلاص السريع، ومقدّمًا كتابة تقوم على الأرشفة الأخلاقية للخراب أكثر من تقديم الحلول.
تخلص الدراسة إلى أنّ “بنسيون الشارع الخلفي” ليست رواية عن الحرب فقط، بل عن ما تفعله الحرب بالإنسان حين تطول؛ حين تُغيّر نظرته إلى نفسه، وإلى الآخر، وإلى المعنى ذاته. وهي بذلك تشكّل إضافة نوعية إلى أدب الحرب السوري، وتؤكّد أنّ أخطر نتائج الحرب ليست الدمار المرئي، بل التشوّه الصامت الذي يستقرّ في النفوس، ويستمرّ حتى بعد انقطاع أصوات القصف.وبهذا لا تكتفي الرواية بتسجيل آثار الحرب، بل تؤدي وظيفة ذرائعية كاشفة، تفكك آليات اعتياد الخراب، وتُعيد طرح السؤال الأخلاقي حول اللحظة التي يتوقّف فيها الألم عن كونه صدمة ليغدو نظامًا للحياة.
#دعبيرخالديحيي مرسين- تركيا 4 يناير 2026
المراجع
أولًا: المراجع النظرية والمنهجية (الذرائعية والسرد)
- الغـالبي، عبد الرزاق عودة، & يحيي، عبير خالد. (2017). الذرائعية في التطبيق: آلية نقدية عربية. القاهرة: دار شعلة الإبداع.
- الغـالبي، عبد الرزاق عودة، & يحيي، عبير خالد. (2019). الذرائعية في التطبيق (طبعة مزيدة منقحة). طنطا: دار النابغة للنشر والتوزيع.
- الغـالبي، عبد الرزاق عودة، & يحيي، عبير خالد. (2019). الذرائعية وسيادة الأجناس الأدبية. طنطا: دار النابغة للنشر والتوزيع.
- الغـالبي، عبد الرزاق عودة، & يحيي، عبير خالد. (2019). الذرائعية بين المفهوم الفلسفي واللغوي. طنطا: دار النابغة للنشر والتوزيع.
- الغـالبي، عبد الرزاق عودة، & يحيي، عبير خالد. (2021). الذرائعية والعقل. بغداد: منشورات اتحاد الكتّاب العراقيين.
- جيرار جنيت. (1997). خطاب الحكاية (ترجمة محمد معتصم). الدار البيضاء: دار توبقال.
- ميخائيل باختين. (1987). جماليات الخطاب الروائي (ترجمة محمد برادة). بيروت: دار الفكر.
ثانيًا: مرجع الرواية (النص المدروس)
- المقداد، محمد فتحي. (2024). بنسيون الشارع الخلفي. ألمانيا:الأكاديمية الحرة للدراسات العلمية.
ثالثًا: مراجع في رواية الحرب وأدب الصدمة
- خالد خليفة. (2013). لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة. بيروت: دار الآداب.
- سمر يزبك. (2008).رائحة القرفة. بيروت: دارالآداب.
- ديمة ونوس. (2017). الخائفون. بيروت: دار الآداب.
- روزا ياسين حسن. (2011). بروفا. بيروت: دارالريس.
رابعًا: المراجع النفسية (الصدمة، اعتياد الخوف، تشوّه العلاقات)
- جوديث هيرمان. (1992). Trauma and Recovery. New York: Basic Books.
- كاثي كاروث. (1996). Unclaimed Experience: Trauma, Narrative, and History. Baltimore: Johns Hopkins University Press.
- دوري لاوب. (1995). “Truth and Testimony: The Process and the Struggle.” American Imago, 48(1), 75–91.
خامسًا: المكان، الذاكرة، والانهيار القيمي
- غاستون باشلار. (1984). جماليات المكان (ترجمة غالب هلسا). بيروت: المؤسسة الجامعية.
- بول ريكور. (2004). الذاكرة، التاريخ، النسيان (ترجمة جورج زيناتي). بيروت: دار الكتاب الجديد.
- زيغمونت باومان. (2000). الحداثة السائلة. Cambridge: Polity Press.
سادسًا: مراجع مساندة في تفكك القيم والمجتمع تحت الحرب
- حنّة آرندت. (1963). في العنف. New York: Harcourt Brace.
- بيير بورديو. (1998). الهيمنة الذكورية (للاستئناس بمفهوم العنف الرمزي).