
البيوت هي ساكنوها بالمقام الأول، وهو ما جعل فيروز تخشى الوحدة إن غادر الحبيب البيت، والخشية من الوحدة هي ما جعلها تتمنى في أغنية قديمة لها أن يجمعها بالحبيب «شي بيت/ أبعد بيت/ ممحي ورا حدود العتم والريح»، وألم يقل الأب لابنه في قصيدة محمود درويش «لماذا تركت الحصان وحيداً؟»: «إن البيوت تموت إذا غاب سكّانها»؟
ليس كل الناس يولدون ويعيشون ويموتون في البيت نفسه، فيأخذهم مسار الحياة للعيش في أكثر من بيت، لا بل وبيوت، وواقع التشريد والتهجير القسري الذي عانت منه وتعاني شعوب كثيرة، يحمل الكثير من أهلها ليس فقط على الانتقال من بيت إلى آخر داخل بلدانهم، وإنما أيضاً في المهاجر والمنافي، فيكفي تفصيل صغير يصادفونه في الغربة لإشعال حنينهم إلى الوطن الذي نأى، وقد يفعلون ما فعله عبدالرحمن الداخل، حين لفتت نظره نخلة وحيدة رآها في الأندلس التي استتبّ له الأمر فيها، فأنشد مخاطباً النخلة: «نشأتِ بأرضٍ أنتِ فيها غريبة/ فمثلكِ في الإقصاء والمنتأى مثلي»، دون أن ننسى، بالطبع، قول أبي تمام: «كم منزلٍ في الأرض يألفه الفتى/ وحنينه أبداً لأول منزل»، فمن منا بوسعه نسيان بيت عائلته الأول، حيث ذكريات الطفولة والصبا وربما ما يليهما.
سيرة حيواتنا، وإن بدأت بالبيت الأول، على كل ما يحيط بذكراه من حنين رومانسي، فإنها تمتد لتشمل كل البيوت التي ستأخذنا إليها الأقدار والمصائر، ولو فكّر أحدنا أن يحكي سيرة ما عاش فيه من بيوت طوال عمره وما أحاط بها من تفاصيل وذكريات سواء داخل هذه البيوت أو في محيطها، فسيفاجأء أنه قد يكون حكى سيرة حياته كلها، أو على الأقل أجزاء كبيرة منها.
سيرة البيوت هي سيرة حياتنا، بدونها ستكون السيرة غير منجزة.