في المسافة الزّمنيّة الفاصلة بين الطالبة التي كنتُ والدّكتورة التي أصبحت، تكمن لحظات لا تُنسى، لا لأنّها عاطفيّة فحسب، بل لأنّها تعيد ضبط علاقتنا بالعلم والمعرفة. من هذا الموقع أكتب اليوم عن أستاذ رافقني في مرحلتَي الإجازة والماجستير، البروفسور شربل داغر. فأنا لا أرى مسيرتي البحثيّة إلّا امتدادًا لما بدأناه معًا داخل قاعة المحاضرات، قبل أن يصبح اسمه خبرًا يتصدّر الشّاشات.
إنّ فوز الأستاذ شربل داغر بجائزة “نوابغ العرب” ليس تكريمًا عابرًا. فهذه المبادرة التي يُشار إليها أحيانًا بـ”نوبل العرب” هي مشروع طموح أطلق لتسليط الضّوء على العقول العربيّة الاستثنائيّة، وإعادة موقعها في المشهد الحضاريّ العالميّ. وهي تقدّر المبدعين في مجالات معرفيّة وثقافيّة متعدّدة، من بينها الأدب والفنون، وتُعدّ اليوم من أرفع الجوائز التي يمكن أن تُمنح لمفكّر في عالمنا العربيّ. غير أنّ ما يجعل هذا الفوز حدثًا يتجاوز قيمته الرّمزيّة والمادّيّة، في نظري، هو ما سبق الجائزة نفسها. فشربل داغر لم يكن أستاذًا يلقّن مناهج جاهزة أو يكرّر معزوفات نقديّة محفوظة، بل كان يعلّمنا فنّ السّؤال في اللّغة قبل أن يغوص بنا في النّصوص. كان الانشغال معه ينصرف إلى كيف نصل إلى ما لا نعرفه بعد، أكثر ممّا ينصرف إلى تثبيت ما نعرفه بالفعل.
لقد وضع أمامنا كوامن اللّغة وتفاصيلها، لا باعتبارها موضوعًا دراسيًّا فحسب، بل باعتبارها مجالًا للفحص والاختبار، يتقاطع مع الوعي والذّاكرة والمكان. وهذا ما أعاد، بالنّسبة إليّ، توازنًا دقيقًا بين ما أكتبه في أبحاثي اليوم وما أقرأه في حياتي اليوميّة. كما جعلنا نعيد التّفكير في معنى القراءة والكتابة، وفي كيفيّة مقاربة التّراث والحداثة من دون تنافر أو إذعان لنمط معرفيّ واحد. من هنا، لا تحتفي هذه الجائزة بإنجاز فرديّ معزول، بل تفتح سؤال المسؤوليّة: مسؤوليّة إعادة وصل الإبداع بجمهوره، وربط البحث بمستقبل معرفيّ لا يقوم على الاستهلاك السّريع ولا على الشّعارات الجاهزة.
وأنا أكتب اليوم بصفتي أستاذة، لا أكتب عن إنجاز خارجيّ فحسب، بل عن علاقة فكريّة أسهمت في تشكيل أدواتي النّقديّة، وفي إعادة تعريف علاقتي بالبحث والجامعة معًا. أرى في هذا الفوز لحظة تقدير للتّفكير العميق، وللبحث الهادئ الذي لا يتنازل عن أسئلته. إنّه اعتراف بأنّ العمل الجادّ يُقدّر في لحظات فارقة.
في النّهاية، لا تكمن أهمّيّة هذا التّكريم في اسمه أو قيمته فقط، بل في الحوار الذي يفتحه مع حاضرنا المعرفيّ، وفي السّؤال الذي يطرحه علينا جميعًا: هل نحن قادرون فعلًا على رؤية كوامن عقولنا، وتقديرها خارج ثقافة اللّحظة العابرة؟
مبارك للأستاذ شربل داغر، ليس فقط على الجائزة، بل على ما مثّله، وما زال يمثّله، في مسار فكريّ يتجاوز لحظة التّكريم، ليبقى حيًّا فينا بوصفه سؤالًا لا يشيخ.

د. دورين نبيل نصر