عادل النعمي ـ كاتب وناقد

لا يولد النص الأدبي العالمي من موقف إنساني! بل من الصراع لتحديد الموقف الإنساني… فخلال سياق معين من التجارب، فالأعمال التي عبرت الأزمنة لم تفعل ذلك لأنها محكمة الصياغة فحسب، بل لأنها انطلقت من تجربة نفسية قابلة لأن تُعاش في كل زمان ومكان.
الموقف هنا هو تلك اللحظة التي ينكشف فيها الإنسان على نفسه: لحظة صراع، خوف، رغبة، خيانة، أو وعي مفاجئ بالذات، كيف سيتصرف! هنا الأدب لا يُقاس بقدرته على السرد، بل بقدرته على كشف الإنسان في لحظة انفعاله القصوى، حين يتقاطع الفردي مع الجمعي، والغريزي مع الأخلاقي، والخاص مع العام.
وحين ينجح النص في توسيع معرفة الإنسان بنفسه وبالآخرين، وفي رفع قدرته على تأويل العالم والرموز المحيطة به، يصبح قابلًا للتفاعل الإنساني الشامل، لأن التجربة التي يقدمها لم تعد محلية، بل إنسانية قابلة للتداول والتأويل ، إذاً الموقف الإنساني الذي هو نتيجة الصراع هو الأصل الأول لكل إبداع!
ولكن ما هي مادة هذا الصراع؟ مادته الأساسية هي القطف من شجرة الأخلاق؟!
حين نقول إن الأخلاق ليست منظومة ثابتة بل شجرة، فنحن نخرجها من حقل التشريع إلى حقل التجربة الإنسانية…
الشجرة لا تعطي الثمر نفسه لكل من يقترب منها، ولا في كل الفصول، الإنسان لا يعيش الأخلاق بوصفها قانونًا مجردًا، بل بوصفها اختيارات ظرفية تمليها المصلحة، الخوف، الرغبة في السيطرة، أو الحاجة إلى التبرير.
من هنا ينشأ التناقض لا كخلل عرضي، بل كبنية داخلية للسلوك الإنساني: ما يُقال في العلن هو أخلاق الخطاب، وما يمارس في الخفاء هو أخلاق الرغبة والقوة.
هنا يقع التناقض بوصفه مادة أدبية لا خطيئة أخلاقية: الأدب لا يشتغل على الإنسان المثالي، لأن المثالي لا يروي شيئًا إنه يشتغل على الشرخ بين الصورة والجوهر، بين ما نعلنه وما نعيشه، الأدب العظيم لا يقول: هذا خطأ، وهذا صواب، لأن الإدانة تُغلق المعنى، بينما الأدب يفتحه.
وظيفته هي تتبع الأثر النفسي البعيد: الخوف المزمن، الارتياب من السلطة، صعوبة الثقة، الميل لإعادة إنتاج العنف أو الهروب منه… التناقض الأخلاقي هنا لا يبقى حدثًا عابرًا، بل يتحول إلى بنية داخل الشخصية ولهذا يظهر الصراع بين الظاهر والباطن كجرح طويل الأمد يعيد تشكيل السلوك، لا كحادثة يمكن تجاوزها بسهولة….
في رواية: (الإخوة كارامازوف) لدوستويفسكي أحد أنقى تمثيلات هذا المفهوم، الأب فيودور كارامازوف ليس أبًا معنفًا فقط، بل شخصية فاسدة أخلاقيًا تتحدث عن القيم حين تخدم شهواته، يدعي الإيمان أحيانًا، ويتحدث عن الأخلاق حين يناسبه ذلك، لكنه يعيش نقيضها تمامًا، أثر هذا التناقض لا يظهر في خطاب الرواية، بل في الأبناء ديمتري يعيش تمزقًا بين الرغبة والشعور بالذنب، إيفان يغرق في العقلانية القاسية والشك الأخلاقي، أليوشا يحاول النجاة عبر الإيمان النقي
كل واحد منهم يقطف ثمرة مختلفة من شجرة الأخلاق نفسها، المشكلة ليست في الشجرة، بل في اليد التي تقطف، وفي السياق الذي تُقطف فيه.
التناقض الأخلاقي ليس انحرافًا عن الإنسانية، بل أحد شروطها… والأدب لا يعالج هذا التناقض ليُصلحه، بل ليكشف كيف يعمل، وكيف يُورَّث، وكيف يُعيد إنتاج نفسه داخل النفس…
القطف من شجرة الأخلاق يعني أن الإنسان لا يعيش القيم كحقائق مطلقة، بل كاختيارات مؤقتة، وغالبًا انتقائي
وحين يتحول الخطاب الأخلاقي إلى قناع، يصبح الأدب هو المساحة الوحيدة القادرة على فضح هذا القناع، لا عبر الإدانة، بل عبر إظهار الأثر الإنساني العميق الذي يتركه التناقض في الداخل وهنا، تحديدًا، يتحول التناقض من عيب أخلاقي إلى مادة أدبية من الدرجة الأولى!
هذا من جانب الفكرة (صرا ع، وقطف من شجرة الأخلاق) لكن هل يكفي أن يكون الأدب فكرة فقط وهذا يقودنا إلى نقطة أعمق؟! ما هو وهج الأدب؟ بالتأكيد إنها المشاعر!
يقول المتنبي:
إنما تنجح المقالة في المرء إذا وافقت هوى في الفؤاد
العاطفة والمشاعر داخل النص الأدبي ليست مجرد زخرفة أو ترف جمالي، بل هي القلب النابض للعمل الأدبي، المصدر الحقيقي لوحدته وعمقه وخلوده.
العقل يعطي النص بناءه المنطقي، والفكرة تمنحه شكله، لكن المشاعر تمنحه وجوده.
بدون حرارة داخلية، يبقى النص كجسد بلا روح: يمكن أن يكون سليماً من الناحية التقنية، لكنه لا يترك أثرًا في القارئ، لا يوقظه، ولا يحرّكه، ولا يترك له مساحة للتفاعل النفسي.
من منظور نفسي، الأدب هو مساحة التقاء الذات بالقارئ عبر اهتزازات داخلية مشتركة.
المشاعر تعمل كقناة لنقل التجربة الإنسانية؛ الفرح والحزن والخوف والشغف والحنين ليست مجرد محتوى، بل أدوات لإعادة خلق التجربة في وعي القارئ.
كل نص يتجاوز حدود الورق لأنه يثير شيئًا أصيلاً في أعماق النفس، ما يسميه التحليل النفسي (اللاوعي الجمعي) أي قدرة الأدب على لمس ما يعيه القارئ دون أن يكون مدركًا تمامًا.
رواية (مرتفعات وذرنج، لإيميلي برونتي) مثال ساحق على كيف تجعل العاطفة النص خالدًا وتتفوق على مجرد الفكرة. الفكرة الأساسية للرواية ـ الحب المدمر بين هيثكليف وكاثرين – قد تبدو بسيطة على الورق، لكنها تتحول إلى تجربة نفسية معقدة بفضل الانفعالات المكثفة للشخصيات.
هيثكليف ليس مجرد شاب طموح يسعى للانتقام، وكاثرين ليست مجرد فتاة متقلبة المزاج، بل هما تجسيد حي للصراع النفسي بين الشغف، الغيرة، الحب، والمرارة.
القوة الحقيقية للرواية لا تكمن في الحب نفسه، بل في الاهتزاز النفسي الذي يولده: الغضب، الحقد، الحنين، الألم المرهق، والولع الذي يدمر الشخصيات من الداخل.
برونتي تجعل القارئ يشعر بكل هذه المشاعر: تترك له الفرصة لأن يعيشها كما لو كانت جزءًا من نفسه.
كل فصل يحمل نبضة عاطفية جديدة، تجعل الأحداث تتجاوز حدود الزمان والمكان، لتصبح تجربة نفسية حقيقية.
من منظور التحليل النفسي، الشخصيات تمثل صراعًا داخليًا للهو والأنا والأنا الأعلى، صراعًا يبرز الطبيعة المظلمة والمضيئة للإنسان.
هيثكليف، على سبيل المثال، شخصية تولد من جرح داخلي وعاطفة مشتعلة، ما يجعل كل فعل يقوم به منطقيًا من داخله، حتى وإن كان مدمّرًا للآخرين… وهنا يظهر سر الأدب: المشاعر ليست مجرد محتوى، بل قوة نفسية تُحوّل النص من مجرد قصة إلى تجربة وجودية تلامس أعماق القارئ.
هكذا، الأدب العظيم يولد من حرارة النفس قبل أي فكرة، ومن عمق العاطفة قبل أي عقلانية، النصوص التي تخلو من هذه العاطفة، مهما كانت أفكارها صحيحة، تبقى بلا وهج، بلا قدرة على النفاذ إلى الذات الإنسانية.
هذا يقودنا إلى فكرة جوهرية أن الإبداع هو تجسير بين العام والخاص عالمية النص لا تعني التجرّد من الخصوصية، بل تعني تحويل الخاص إلى قابل للتأويل العام.
الخاص يتمثل في تفاصيل النفس البشرية، الهواجس، الصراعات الداخلية، العواطف والعام يتمثل في القيم الاجتماعية والسياسية والأخلاقية والروحية.
في المسخ لكافكا، لا نقرأ حكاية موظف تحوّل إلى حشرة، ولا نقرأ نقدًا مباشرًا للرأسمالية أو العائلة البورجوازية… ما نقرأه. شعور فردي خانق بالعبء، بالذنب الوجودي، وبالتحول من ذات إلى عبء.
في جوهر النص هو تجربة خاصة جدًا: (البطل ـ غريغور سامسا) ليس رمزًا عامًا منذ البداية، بل حالة نفسية دقيقة، رجل يستيقظ ليكتشف أن جسده لم يعد يطيعه، وأن قيمته الوحيدة كانت في كونه نافعًا.
(هنا الخاص يبلغ أقصى درجاته: جسد مرفوض، نظرة أم مشوشة، أب عنيف، أخت تتآكل عاطفتها ببطء)
لكن ما الذي يجعل هذا النص عالميًا؟ من المؤكد أنه الخاص بوصفه جذر الإبداع: التحول الجسدي في (المسخ) ليس حدثًا خياليًا، بل تمثيل داخلي لهشاشة الذات الحديثة.
كافكا لم يكتب عن (الإنسان) مجردًا، بل عن ذاته القلقة داخل نظام يعرّف الإنسان بوظيفته!
الخصوصية هنا ليست زينة، بل هي المادة الخام: الخوف، الخجل، الشعور بأن الوجود مشروط بالجدوى
لحظة العبور: حين يصبح الخاص قابلًا للتأويل العام : ما إن يُدفَع هذا الشعور الخاص إلى أقصاه، حتى ينفصل عن صاحبه
(كل قارئ، مهما اختلف زمنه أو ثقافته، يجد نفسه في هذا السؤال الضمني ماذا يحدث للإنسان حين يفقد وظيفته الرمزية في نظر الآخرين)؟
هنا يتحول الخاص إلى بنية شعورية مشتركة: الاغتراب، فقدان المعنى، العزلة داخل العائلة، العنف المغلف بالواجب
العام لا يأتي كشعار بل كأثر كافكا لم يقل: الرأسمالية قاسية! ولم يقل: العائلة مؤسسة قمعية! بل جعلنا نعيش الأثر النفسي لهذه البُنى داخل جسد واحد، وهذا هو التجسير الحقيقي: العام (النظام، السلطة، القيم) لا يُطرَح بوصفه فكرة، بل يُختَبَر بوصفه ألمًا داخليًا!
إذا كان الصراع الإنساني هو جوهر النص، والمشاعر الإنسانية وقوده، ثم تجسيره من الخاص للعام، حتى يصل إلى العالمية، فهل كل المواضيع قد استهلكت وقد كتب فيها سابقاً فهل التفرد والغرابة شرط للعمل الأدبي يكتسب قوته حين يخلق كونه السردي الخاص، لا حين يكرر نماذج جاهزة!
القول إن (كل المواضيع قد كُتبت) صحيح وخاطئ في آنٍ واحد : الحب، الموت، السلطة، الخوف، الأب، الحرب، الهوية… هذه ثوابت أنثروبولوجية لا تتغير.
وخاطئ من حيث التجربة السردية: لأن الأدب لا يشتغل على ماذا يُقال بل على كيف يُعاش ما يُقال داخل وعي مخصوص، وزمن مخصوص، ولغة مخصوصة!
هنا نصل إلى نقطة جوهرية: الأدب لا يبتكر موضوعات، بل يبتكر زوايا إدراك…))
أنا أرى أنه ليس من المهم أن يكون النص جديداً بالكلية أو عبقريا، يكفي أن يكون غير معهود أو به شيء من التجديد!
فالتفرد ليس شرط للقوة الأدبية؟ بل نتيجة صحيحة لصدق الرؤية النص لا يصبح قويًا لأنه غريب، بل يصبح غريبًا لأنه يرى الواقع من نقطة لم تُستهلَك بعد.
الغرابة المصطنعة – المستوردة، الزخرفية، أو الصادمة بلا ضرورة- تفشل لأنها لا تنبع من حاجة داخلية في النص!
أما الغرابة الحقيقية فهي أثر جانبي لرؤية مأزومة تحاول فهم عالم مأزوم.
فرانكشتاين في بغداد مثال صارخ لفكرتي: غرابة لا تُستورد من الغرب، بل تنبع من واقع محلي ممزق، وتتحول إلى رمز إنساني شامل، الكائن ليس عجيبًا لأنه مركّب من أشلاء، بل لأنه: نتاج عنف جماعي يحمل ذنوب الجميع، بلا هوية أخلاقية واضحة، يقتلُ باسم العدالة، ثم يتآكل داخله حتى يفقد العدالة معناها، وتفقد هي مبرر وجودها.
هنا تتحقق العالمية لا عبر تقليد نموذج كوني، بل عبر تفجير المحلي حتى يصبح رمزًا إنسانيًا عام العنف في بغداد يصبح سؤالًا عن المسؤولية، الضحية الجلاد، المعنى في عالم فقد مركزه الأخلاقي، وهذه وهذا هو التجسير في أنقى صوره ( ولكن من زاوية مختلفة، الجديد ليس عبقرية مطلقة، بل انزياح كافٍ: كسر خفيف في المتوقع، توتير العلاقة بين المألوف والمُعاش!
إذا حقق النص الأدبي: بطريقة ما القطف من شجرة الأخلاق وصدق الصراع وكثافة الشعور, وخصوصية التجربة، فبالتالي سوف يكون نص فلسفي قادر على تحويل التجربة المحلية إلى سؤال إنساني عام! بوصف الأدب تفسيرًا للوجود والمصير…
المتأمل للأعمال الخالدة أنها تشترك في خاصية مركزية: أنها لا تكتفي بالحكاية، بل تقدم تصورًا للوجود أو للمصير.
في رواية موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح هي في ظاهرها، تنطلق من تجربة محلية شديدة الخصوصية: قرية سودانية على ضفاف النيل، عودة مثقف من الغرب، وصدام صامت بين عالمين غير متكافئين… المكان محدود، والزمان محدد، واللغة مشبعة بروح البيئة. لكن هذه المحلية ليست غاية النص، بل مادته الخام.
ما ينجزه النص الفلسفي هنا هو تحويل هذه التجربة المحلية إلى سؤال إنساني عام: ماذا يحدث للذات حين تعبر حدودها الثقافية؟ هل اللقاء بين الشرق والغرب حوار أم اغتصاب رمزي؟ وهل الهوية جوهر ثابت أم جرح مفتوح يتشكل بالاحتكاك؟
الشخصية المحورية، مصطفى سعيد، ليست فردا فقط، بل تمثيلا مكثفا لصراع الوعي مع التاريخ.
علاقاته العاطفية في الغرب لا تقدم بوصفها حكايات شخصية، بل كإعادة تمثيل لا واعية لعلاقة استعمارية أعمق: رغبة، سيطرة، انتقام، ثم فراغ… هنا يتحول الخاص النفسي إلى بنية كونية تتكرر بأشكال مختلفة في كل زمان ومكان.
بوصف الأدب تفسيرا للوجود والمصير، فإن الرواية لا تشرح أفكارها مباشرة، بل تجسدها: النهر، العودة، الغرق، الصمت، كلها رموز وجودية تشير إلى سؤال المصير الإنساني: هل يمكن للإنسان أن يهرب من تاريخه؟ أم أن المصير هو الشكل الخفي الذي يتخذه الماضي داخل الحاضر؟
ما يجعل النص خالدا هو أنه لا يطلب من القارئ أن يكون سودانيا…! ولا أن يعرف تاريخ الاستعمار، بل أن يتعرف على نفسه داخل الصراع… القارئ يرى ذاته في تمزق الهوية، في الازدواج بين ما نريده وما نصبحه، بين الحلم والنتيجة.
وهنا يتحقق المعيار الجوهري الذي تشترك فيه الأعمال الخالدة: أن تتحول التجربة المحدودة إلى مرآة كونية، وأن يصبح الأدب أداة لفهم الوجود لا بوصفه فكرة مجردة، بل بوصفه قدراً إنسانياً مشتركاً، يتغير شكله، لكن جوهره واحد.
المعيار واحد في كل هذه الأعمال: أن يرى القارئ نفسه، أو يرى الآخر فيه، عبر تجربة إنسانية تتجاوز حدود المكان واللغة.
ولكن لنجاح النصوص و عبورها للعالمية الشرط الوحيد المتبقي هو التمسك بالأدوات الفنية لكن نوع جنس فني!
الفكرة الأدبية لا تسبق النص: كما يسبق السبب النتيجة، بل تولد داخله بالصياغة الجيدة، فالصياغة الجيدة لا تنقل المعنى، بل تخلقه.
المعنى في الأدب ليس مضمونا جاهزا ينتظر اللغة، بل هو أثر يتشكل من إيقاع الجملة، ومن توزيع الصمت، ومن اختيار الصورة، ومن توتر البناء، حين تضعف الصياغة، لا يفشل الأسلوب فقط، بل يتلاشى المعنى نفسه.
لهذا يمكن لفكرة كبرى أن تسقط أدبيًا، وهي عظيمة، ولتفصيلة هامشية أن تتحول إلى تجربة خالدة! ما يخلد ليس ما قيل، بل كيف صار قابلا لأن يعاش داخل اللغة بواسطة الأسلوب والتمسك بقوانين ال عيارية لكتابة النصوص، لا يكفي أن يكون الموضوع عظيمًا؛ العظمة لا تتحقق دون إتقان فني.
مسرحية ماكبث لشكسبير تقدم نموذجا دقيقا لهذه الفكرة… موضوعها في جوهره بسيط ومتكرر: الطموح، الجريمة، والسلطة، وهو موضوع يمكن أن يروى في حكاية شعبية أو خبر تاريخي دون أن يترك أثرا! غير أن شكسبير لا يمنحنا القصة، بل يمنحنا طريقة عيشها.
الحبكة مشدودة بإحكام، لا فراغ فيها ولا زوائد، وكل حدث يدفع الشخصية خطوة أعمق نحو مصيرها.
اللغة ليست أداة نقل، بل بنية دلالية مشحونة بالإيحاء: الظلام، الدم، الليل، والهلوسة تتحول إلى علامات نفسية تعكس تصدع الداخل الإنساني… أما الشخصيات، وعلى رأسها ماكبث، فلا تقدم كشرير نمطي، بل كذات ممزقة بين الرغبة والذنب، بين الحلم والانهيار.
العظمة هنا لا تكمن في أن ماكبث يقتل ليحكم، بل في الكيفية التي جعلنا بها شكسبير نشعر بثقل الفعل، وبالتحول البطيء للإنسان حين يخون حدوده الأخلاقية.
(هكذا تتحول تجربة فردية محدودة إلى تأمل كوني في المصير الإنساني).
بهذا المعنى، يثبت العمل أن الخلود لا تصنعه الفكرة وحدها، بل الصياغة التي تمنحها شكلا فنيا قادرا على أن يعبر الزمن، ويظل قادرا في كل قراءة جديدة على إحداث الدهشة نفسها، والجرح نفسه، والسؤال نفسه.
النص الأدبي الخالد لا ينبع من الفكرة وحدها، ولا من براعة لغوية مجردة، بل من تلاقي موقف إنساني صادق يتكشف في لحظة صراع، مع شحنة وجدانية تحول الفكرة إلى تجربة معاشة، وصياغة فنية دقيقة تجعل المعنى يولد داخل اللغة ويتجاوزها، الأعمال الخالدة، من دوستويفسكي إلى كافكا، ومن الطيب صالح إلى شكسبير، لم تخلد لأنها قدمت موضوعات جديدة، بل لأنها جعلتنا نعيش التجربة الإنسانية في أعمق تفاصيلها، الانكسار، التناقض الأخلاقي، الصراع الداخلي، والبحث عن المعنى، الخلود الأدبي الحقيقي يكمن في الصياغة التي تجعل الخاص يتحول إلى سؤال إنساني شامل، وفي اللغة التي تفتح النص على دهشة مستمرة وتأويل لا ينتهي.