
كتبه: محمد فرحات
في مساءٍ قاهريٍّ هادئ، صعدتُ إلى سطح جامع أحمد بن طولون، ذلك الصرح الذي شُيِّد فوق ربوةٍ تاريخية تُعرَف في كتب التراث باسم جبل يَشْكُر، وهو الموضع الذي تقوم عليه اليوم منطقة قلعة الكبش.
جلستُ هناك، متأملًا القاهرة القديمة التي تمتدّ تحت القدمين كخريطةٍ من الزمن: قبابُ السيدة زينب، ومآذن السيدة نفيسة، وامتداد البيوت القديمة التي تحرس ذاكرة المدينة منذ قرون. كان في يدي آنذاك كتابٌ صغير، لكنه مفعمٌ بالظلال والهمسات: رواية «على جبل يشكر» للروائية رباب كساب.
ولم يكن المكان الذي أقرأ فيه مجرد صدفة؛ فالرواية نفسها تستمدّ روحها من هذا الموضع تحديداً، من تلك الربوة التي نسجت حولها المخيلة الشعبية طبقاتٍ من الحكايات والأساطير.
جبل يشكر: المكان الذي يكتب الأسطورة
يقع جبل يشكر في قلب القاهرة التاريخية، وقد اكتسب اسمه – بحسب الروايات – من رجلٍ عربي يُدعى يشكر سكن هذه الربوة في زمنٍ قديم. لكن الاسم لم يكن وحده ما حفظ المكان في الذاكرة؛ بل تلك الهالة الأسطورية التي أحاطت به عبر القرون.
في الوجدان الشعبي، ترددت حكايات تقول إن هذا الموضع:
مكانٌ يُستجاب فيه الدعاء.
وربما كان الموضع الذي ناجى فيه موسى ربَّه.
وقيل أيضاً إن سفينة نوح رست عنده.
بل تذهب بعض الروايات الشعبية إلى أن آدم وحواء نزلا، ومارسا حياتهما كذكر وأنثى على ربوته، أو قريباً منه.
وحين جاء أحمد بن طولون في القرن الثالث الهجري، اختار هذه الربوة تحديداً ليبني عليها مسجده العظيم، فقام فوقها جامع أحمد بن طولون، أحد أقدم مساجد القاهرة وأكثرها احتفاظاً بهندسته الأصلية.
وتحكي الأسطورة الشعبية أن ابن طولون حين رأى الناس ينصرفون عن جامعه إلى مسجد السيدة نفيسة منعهم من الصلاة فيه، فدعت عليه السيدة نفيسة بأن يهجره الناس، فكان أن ظل المسجد – في المخيلة الشعبية على الأقل – أقل ازدحاماً من غيره عبر القرون.
غير أن الجبل لا يعيش في التاريخ وحده؛ بل في الحكاية أيضاً. فإلى جوار المسجد يقوم بيتٌ أثري غامض، هو بيت الكريتلية، الذي تحوّل لاحقاً إلى متحف بعد أن اقتناه الضابط والطبيب الإنجليزي جاير أندرسون.
وهذا البيت تحديداً هو أحد المراكز السردية التي تتحرك حولها رواية رباب كساب.
غرائبية الرواية: حين يصبح الأثر كائناً حيّاً
ما تفعله رباب كساب في روايتها ليس مجرد استعادة لمكانٍ تاريخي، بل إيقاظٌ للأثر ليصبح شخصية فاعلة في الحكاية.
فالشخصيات في الرواية لا تعيش الحاضر وحده؛ بل تتقاطع حياتها مع ظلال الماضي، ومع حكايات الجنّ، والأحلام، والقرائن، والبيوت المسكونة بالذكريات.
تظهر البطلة، وهي امرأة معاصرة، كأنها تعيش بين زمنين: زمن المدينة الحديثة، وزمنٍ آخر يتسلل من جدران البيت القديم ومن ذاكرة المكان.
هنا تتحول الغرائبية إلى ما يمكن تسميته «وعي الأثر»؛ فالمكان لا يُحكى بوصفه ديكوراً تاريخياً، بل كقوة خفية تشارك في تشكيل المصائر.
الغرائبية المصرية والواقعية السحرية
حين نقرأ «على جبل يشكر» قد يتبادر إلى الذهن نموذج الواقعية السحرية الذي اشتهر في أدب أميركا اللاتينية، خصوصاً عند الروائي الكولومبي جابرييل جارسيا ماركيز أو عند الكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس.
لكن الفارق بين التجارب الثلاث يفتح باباً واسعاً للتأمل في طبيعة الغرائبية في الأدب.
ماركيز: الأسطورة حين تصبح حياة يومية
في عالم ماركيز، كما في رواية مئة عام من العزلة، تختفي الحدود بين الواقع والخرافة.
فالقرية التي ابتكرها – ماكوندو – تبدو مكاناً عادياً، لكن أحداثها اليومية مشبعة بالعجائب: امرأة تصعد إلى السماء، أمطار تستمر سنوات، وأشباح تعيش بين الأحياء دون أن تثير دهشة حقيقية.
السر في ذلك أن ماركيز لا يقدم العجائبي بوصفه حدثاً استثنائياً، بل بوصفه جزءاً طبيعياً من الحياة.
فالخيال الشعبي في أميركا اللاتينية – المزيج بين الأساطير الهندية والذاكرة الاستعمارية الكاثوليكية – يجعل الواقع نفسه قابلاً للمعجزة.
بورخيس: المتاهة الفكرية
أما خورخي لويس بورخيس فيسلك طريقاً مختلفاً تماماً.
فالغرائبية عنده ليست شعبية ولا أسطورية بالمعنى التقليدي، بل فلسفية وذهنية.
في قصصه تتحول المكتبات إلى متاهات لا نهائية، والمرايا إلى عوالم موازية، والزمن إلى دائرة مغلقة.
إنها غرائبية تنبع من اللعب بالعقل والاحتمال أكثر مما تنبع من الحكاية الشعبية.
لذلك تبدو نصوص بورخيس أقرب إلى التجارب الفلسفية منها إلى الروايات التقليدية؛ فالعجائبي فيها ليس نتاج المخيلة الشعبية بل نتاج التأمل في طبيعة الواقع نفسه.
رباب كساب: الغرائبية الشعبية المصرية
أما رواية رباب كساب فتقف في منطقة ثالثة بين هذين النموذجين.
فالغرابة فيها ليست فلسفية مثل بورخيس، ولا كونية مثل ماركيز، بل محلية الجذور.
إنها غرائبية تنبع من المخيال الشعبي المصري:
الجن، والقرين، والبئر المسحورة، والبيوت القديمة التي يقال إن الأرواح تسكنها.
هنا لا يصبح السحر جزءاً من الواقع كما عند ماركيز، بل ظلّاً يجاوره.
كما أنه لا يتحول إلى لعبة فكرية كما عند بورخيس، بل يظل متصلاً بذاكرة المكان.
ولعل هذا ما يمنح الرواية نكهتها الخاصة؛ فهي لا تستعير الواقعية السحرية من الخارج، بل تستند إلى تراث طويل من الحكايات الشعبية التي عرفتها القاهرة عبر قرون.

حين يكتب المكان المقال
وأنا جالس فوق سطح جامع ابن طولون، كانت القاهرة تمتد أمامي مثل كتابٍ قديم.
البيوت العتيقة حول بيت الكريتلية بدت لي كأنها تراقب القارئ القادم من زمنٍ آخر.
وللحظةٍ عابرة شعرتُ أن الرواية لم تعد في يدي، بل أن المكان نفسه هو الذي يقرأني.
هناك، بين صمت المآذن وارتعاش ضوء المساء، بدت لي شخوص الرواية كأنها تمرّ في الأزقة القريبة:
امرأة تبحث عن قرينها، بيتٌ يفتح أبوابه للأشباح، وجبلٌ صغير يختزن ألف حكاية.
ربما لهذا السبب تحديداً بدت الرواية وكأنها امتدادٌ طبيعي لروح القاهرة القديمة؛
فالمدينة التي تحفظ في ذاكرتها ألف عام من الحكايات لا يمكن أن تُروى إلا بلغةٍ تمزج الواقع بالغرابة.
رباب كساب: مشروع سردي يفتش عن الذاكرة
تمثل رباب كساب صوتاً روائياً مهتماً باستعادة الطبقات المنسية من الذاكرة المصرية.
فهي لا تكتفي باستدعاء التاريخ، بل تحاول أن تكشف كيف يعيش الماضي داخل الحاضر:
في البيوت، وفي الحكايات، وفي الخوف الشعبي من الغيب.
وفي «على جبل يشكر» تبدو تجربتها محاولة لربط ثلاثة عوالم في نسيجٍ واحد:
التاريخ: عبر استحضار مكانٍ حقيقي مثل جبل يشكر ومسجد ابن طولون.
الأسطورة الشعبية: عبر حكايات الجن والقرين والبئر المسحورة.
الإنسان المعاصر: الذي يعيش في مدينة حديثة لكنه يظل محاطاً بظلال الماضي.
بهذا المعنى، لا تكتب رباب كساب عن القاهرة بوصفها مدينةً فحسب، بل بوصفها كائناً سردياً حيّاً، تتجاور فيه الأزمنة كما تتجاور الأزقة.
وهكذا، حين أغلقت الرواية فوق سطح ابن طولون، بدا لي أن جبل يشكر لم يكن مجرد مكانٍ في كتاب، بل نافذةً مفتوحة بين الواقع والأسطورة؛ نافذةً تطل منها القاهرة القديمة على مخيلة السرد الحديث.