من فعاليات أيام الشارقة التراثية في “بيت النابودة”
خاص غرفة 19
إعداد: مروان ناصح/ سوريا

في أمسية ثقافية دافئة، ازدانت أروقة “بيت النابودة” بالحوار والمعرفة، واحتضنت ندوتين متكاملتين في رؤيتهما: الأولى تعانق الجسد من بوابة الطب الشعبي، والثانية تحرس الذاكرة عبر المتاحف. أمسية بدت فيها المعرفة كأنها نهر واحد، تتفرع منه ينابيع الحكمة والتجربة والهوية.
أولًا: الطب الشعبي… حين تتصالح الطبيعة مع الإنسان
ندوة (الطب الشعبي في ثقافات الشعوب)
المشاركون:
-الأستاذ يوسف سليمان المطلعي من الإمارات
-زهوليت (فاتن): خبيرة صينية مقيمة في الشارقة، وتتقن اللغة العربية.
-أدار الندوة أ. محمد حمدان من معهد التراث في الشارقة.
خبرة متوارثة من الذاكرة الشعبية
استهلّ الأستاذ يوسف المطلعي مداخلته بسرد رحلته الطويلة في عالم الطب الشعبي، رحلة بدأت من بيت العائلة، وتوارثت المعرفة جيلًا بعد جيل. وتحدث عن الحجامة، والكي، والتداوي بالأعشاب، وتجبير الكسور، بوصفها علومًا متراكمة لا تقوم على التجربة وحدها، بل على الملاحظة والصبر وفهم الجسد.
وأشار إلى أن كثيرًا من الأعشاب الطبية تتشابه بين البلدان العربية والآسيوية والإفريقية، مثل: الزعتر، والحبة السوداء، والزنجبيل، والحرمل، والميرمية، وأن تبادل هذه المواد يتم ضمن شبكات تعاون تقليدية بين المعالجين، في صورة تشبه” اقتصاد المعرفة الشعبية”.
ولفت إلى أن الطب الشعبي لا يعالج المرض فقط، بل يعالج الإنسان كاملًا، نفسيًا وروحيًا وجسديًا، مؤكدًا أن بعض الحالات المستعصية، كالعقم أو آلام المفاصل المزمنة، وجدت طريقها إلى التحسن عبر الحجامة والعلاج الطبيعي التقليدي.
حكمة الشرق… خمسة آلاف عام من التوازن
ثم جاءت مداخلة الخبيرة الصينية فاتن، لتفتح نافذة واسعة على تاريخ الطب الصيني، الممتد لأكثر من خمسة آلاف سنة. تحدثت عن مخطوطات تعود إلى ألفي عام، ما تزال مرجعًا في الطب الطبيعي،
وشرحت فلسفة العناصر الخمسة للجسد الإنساني حسب رؤية أطباء الصين:
(النار – الخشب – التراب – المعدن – الماء)
وكيف يرتبط توازنها بصحة الإنسان، معتبرة أن المرض هو خلل في الانسجام الداخلي.
وقدمت أمثلة للعلاج بالإبر، خاصة لآلام العمود الفقري والظهر والرقبة، مبيّنة أن الوخز بالإبر لا يعالج الموضع المصاب فحسب، بل ينشّط مسارات الطاقة في الجسد كله.
وأكدت أن الوقاية هي جوهر الطب الصيني، من خلال:
(تنظيم الغذاء-الاعتدال في النوم-تقليل التوتر- ممارسة التأمل والحركة اليومية).
وضربت أمثلة بعادات صينية قديمة، مثل شرب الماء الدافئ صباحًا، وتجنب الأطعمة الباردة شتاءً، والاعتماد على الأعشاب الموسمية.
وقد لعب أ. محمد حمدان دورًا بارزًا في الربط بين التجربتين العربية والصينية، موجّهًا الأسئلة بذكاء، ومحولًا الندوة إلى مساحة حوار حيّ بين حضارتين التقتا في خدمة الإنسان.

ثانيًا: المتاحف… ذاكرة الشعوب وصناديق الزمن
ندوة (المتاحف العامة والشخصية)
المشاركون:
-الأستاذ عمر محمد عبد الله من عُمان.
-الدكتورة انتصار العبيدي من الإمارات.
-أدار الندوة الأستاذ ناصر الدرمكي من الإمارات.
بيت الزبير… متحف الأسرة والهوية
تحدث الأستاذ عمر محمد عبد الله عن تجربة بيت الزبير في مسقط، بوصفه نموذجًا فريدًا للمتحف الشخصي الذي تحوّل إلى مؤسسة ثقافية كبرى، وأوضح أن المتحف، الذي تموله أسرة الزبير، يضم
(مقتنيات تاريخية-مخطوطات-أسلحة تقليدية-حليّ فضية- ونماذج من العمارة العمانية).
إضافة إلى معارض متنقلة وبرامج تعليم لغات، وورش فنية وثقافية، جعلت منه مركزًا حيًا لا مجرد قاعة عرض صامتة.
وأكد أن المتحف لم يعد مكانًا للتخزين، بل فضاءً للتفاعل، والتعليم، وبناء الوعي الوطني.
متحف الشارقة للحضارة الإسلامية… ذاكرة العالم الإسلامي
أما الدكتورة انتصار العبيدي، فقد قدّمت عرضًا وافيًا لمسيرة العمل المتحفي في الشارقة، منذ البدايات الأولى، وصولًا إلى تأسيس متحف الشارقة للحضارة الإسلامية عام 1996
وأوضحت أن المتحف يضم أكثر من 5000 مقتنى، تشمل:
(مخطوطات نادرة-خزف وزجاج-ونماذج علمية وطبية-أدوات فلكية- تحف معدنية)
ويمتد أثره عبر برامج تعليمية، ومعارض مؤقتة، وورش للأطفال والباحثين، ليغدو مركز إشعاع ثقافي عالمي.
وأكدت أن المتحف رسالة حضارية، لا مجرد مبنى، وأنه يسهم في تصحيح الصور النمطية عن الحضارة الإسلامية عبر المعرفة المباشرة.
وكان السيد ناصر الدرمكي حاضرًا بوعي ثقافي عالٍ، موجّهًا الحوار نحو قضايا التمويل، والتوثيق، والتحديث، ودور المتاحف في العصر الرقمي.
خاتمة: حين يلتقي الجسد بالذاكرة
في هاتين الندوتين، لم يكن الحديث عن الطب أو المتاحف مجرد معلومات، بل كان استعادةً لمعنى الإنسان في علاقته بجسده، وتاريخه، ومحيطه.
في الأولى، رأينا كيف تصون الشعوب صحتها بالحكمة والتجربة.
وفي الثانية، لمسنا كيف تحفظ ذاكرتها بالوعي والمؤسسات.
هكذا بدت أمسيات “بيت النابودة” جسرًا بين الماضي والحاضر، بين الجسد والروح، وبين الذاكرة والحياة، وهي رسالة متجددة من أيام الشارقة التراثية، بأن التراث ليس ما كان فحسب… بل ما نعايشه ونحمله إلى الغد.