
الاستاذ أمين اليافعي
نستيقظُ في بلادٍ لم تعد تميز بين الفجر وبين الحريق. الزمن هنا ليس وقتاً، بل هو مجرد “غبار”. ونحن، أبناء هذه الجغرافيا المتصدعة، لم نعد نقرأ التاريخ، بل نصرخ في وجهه. وفي الصباح العربيّ، لا نعدّ القهوة كما ينبغي. نترك الماء يغلي أكثر من اللازم، فتفقد القهوة حبكة صَنْعتِها، ذاكرة مذاقها وأرخبيل نشوتها، ونفقد نحن معها توازننا بين المرّ والمرجوّ. هكذا تبدأ الحكاية: من تفصيل صغير مهمل، من عادة لا نفكّر فيها، من عقلٍ تعب من السؤال فاستراح في الهذيان الجاهز الناجز. ليست اللاعقلانية العربية عيباً فطرياً، بل إرهاقاً تاريخياً مزمناً؛ تعباً طويلاً من تَشتُّت السفر الذهني الشاق تحت القصف، ومن المنطق تحت الطوارئ، ومن البصيرة في زمن الخنادق.
اللاعقلانية ليست غياب العقل، بل فائضُ العاطفة الشعثاء الغبراء حين تُعزل عن النقد. لم يكن العقل العربي بيانيّاً، وكما زعم الجابري، ولن يكون، فلا عقلٌ هنا، ولا بصيرةٌ هناك، والبيان لم يكن سوى عِدّة من لوازم أسلحة القبيلة الفتاكة للانتصار الفارغ والعبثي على خصومها. نميل إليه لأنه يعيننا ويواسينا على تمرير أوساخ التاريخ، وشظايا الزمن المرّ، وبراحة بالٍ منقطعة النظير. نحبّ الصورة لأنّها تُريحُنا من السؤال، ونصدّق الرمز والاستعارة لأنّهما يعفيانا من التحليل التفكيك. في هذا الميل ما يكفي لشرح سرّ هذه الانفجارات الوجدانية الهائلة التي تبدأ كأناشيد، وتنتهي كصدى أو كرماد.
في ثورات الغضب، نُخطئ العدوّ دائماً، ونبالغ في تبرير هذا الهيجان الذاتي المُنفَلِت من عقال أي عقل، أي حكمة، أي بصيرة أو حتى أي مصلحة في أسوأ الأحوال. ننسى أنّ الانتقال من الهدم إلى البناء يحتاج أكثر من الشجاعة أو الصراخ: يحتاج معرفة، وصبراً، وحُلماً، ومؤسسات، ولغة منضبطة غير مراوقة، غير مواربِة ولا محشوة بأناشيد الذات المنتفخة بامتلاك الحقيقة كاملة، نحتاج إلى هوامش صغيرة للخطأ والصواب والاختلاف. وحين يتأخر الحلم، الذي لا بد له أن يتأخر، في سياق هذه الهشاشة البنيوية المُلبَّدة بكل غيوم العبث والضجيج، نبحث عن خيانةٍ تبرّر الإخفاقات، لا عن خللٍ يمكن أن نُصْلِحهُ.
اللاعقلانية العربية تتغذّى أيضًا من علاقتنا المأزومة والمُنهكة بالزمن. نحن أبناء الماضي أكثر مما نحن صُنّاع المستقبل. نستلّ من التراث ما يؤكّد غضبنا وضجيجنا، لا ما يُنظّم اختلافنا. نستحضر المفردات والمصطلحات في غير مواضعها، و”كلامنا المثقوب، كالأحذية القديمة، والمحشو بمفردات الهجاء، والشتيمة” لا نستحضره في حضَّرة المرارة على “هوامش من دفاتر الهزائم” المتكررة، وكما ظنّ نزار، بل هي اللغة ذاتها، مواهب الخطابة ذاتها لمدائح انتصاراتنا التي نراها ذات ظلٍ عالٍ ولم تقتل ذبابة على أنف الإعاقة الحضارية.
نطالب السياسة أن تكون جسداً متماسكاً من الأخلاق الخالصة دون أن نسترها بقطعة قماش ولو مهترئة من الأخلاق. كتب محمود درويش في “ذاكرة للنسيان” عن القهوة تحت الحصار، عن اليوميّ وهو يقاوم الفناء. لعلّنا نحتاج اليوم إلى قهوة سياسية: بطيئة، واعية، تُعدّ على نار الحكمة الهادئة. نحتاج أن نعيد الاعتبار للعقل ليس بوصفه نقيض العاطفة الصاخبة، بل بوصفه حارسها الأمين من التبدّد والهذيان.