
الدكتور سعيد عيسى
تبدو أغنية “يا رايح” – أو بصيغتها الأشهر “يا الرايح وين مسافر” – للوهلة الأولى مجرّد شكوى من الغربة ونصيحة لمسافر موعود بالتعب والندم. غير أنّها، إذا نظرنا إليها بعين أنثروبولوجيّ، تتحوّل إلى نصّ كثيف المعاني، يختزن في أبياته تاريخاً كاملاً من الهجرة، والتحوّلات الاجتماعية في الجزائر والمغرب الكبير، وعلاقة الإنسان بالمكان والزمان والذاكرة. ومن هنا يمكن تناولها بوصفها “وثيقة ثقافية حيّة”، لا مجرّد أغنية ناجحة تتردّد في الأعراس والسيّارات والمقاهي.
منذ البداية، يفرض علينا النص أنْ نحدّد سياقه: ظهرت الأغنية في سياق ما بعد الاستعمار، في جزائر الستينيات والسبعينيات، حيث كانت موجات الهجرة نحو فرنسا وأوروبا في أوجها. آلاف الشبّان يغادرون الأحياء الشعبية في العاصمة والمدن الداخلية، متجهين نحو الموانئ، ثم نحو “الغربة” بحثاً عن عمل و”حياة أفضل”. في هذا المناخ، يصبح سؤال: “يا الرايح وين مسافر؟” ليس سؤالاً شعريّاً فقط، بل سؤالاً اجتماعيّاً ملحّاً يطرحه الآباء على الأبناء، والجيل المقيم على الجيل الراغب في الرحيل. وهكذا، تنشأ الأغنية من قلب تجربة جماعية، تجربة “الهجرة المغاربية إلى أوروبا”، بكل ما تحمله من أمل وخوف ومرارة.
يأتي صوت دحمان الحراشي – وهو ابن أوساط شعبية في العاصمة الجزائرية – في إطار الموسيقى الشعبية التي وُلدت أصلاً في الأحياء والمقاهي والحانات، لتكون بمثابة “ميكروفون” لطبقات حضرية مهمّشة، مطحونة بين إرث الاستعمار وصعوبات الاستقلال. هذا النَّسَق الموسيقي، المتجذّر في الأنغام الأندلسية والموشّحات، والمطعَّم بلغة دارجة مفعَمة بالحكمة الشعبية والأمثال، يهيّئ فضاءً مثالياً لوضع تجربة “الغربة” في قالب فني يمكن للجميع أنْ يتماهى معه. ومن هنا، فإن “يا رايح” ليست فقط حكاية شخص؛ إنّها صياغة شعرية لصوت جماعة اجتماعية كاملة.
إذا اقتربنا من النص، نرى أنّه مبني على حوار متخيَّل بين “الراوي الحكيم” و”المسافر الحالم”. يبدأ الخطاب بنداء محمَّل بالعاطفة: “يا الرايح وين مسافر؟ تروح تعيا وتولي”. هذه الجملة وحدها تختزل رؤية مجتمع للهجرة، هي مشقّة أكيدة، وعودة شبه محتومة، بعد أنْ تنكشف الأوهام. في الأنثروبولوجيا، الغربة ليست مجرّد انتقال مكاني، بل منظومة معنى كاملة، هي فضاء تتداخل فيه اللغة والدين والاقتصاد والعنصرية والحنين والانقطاع عن الجذور. الأغنية تلخّص هذه المنظومة في شكل نصيحة بسيطة، ما تراه هناك ليس ما تتخيّله الآن.
ولكي يضفي النصّ شرعيةً على هذا التحذير، يستدعي “ذاكرة الجماعة”: “شحال ندمو العباد قبلك، وشحال تشكيو مازالوا”. هنا تتحوّل الأغنية إلى ما يشبه “أرشيفاً شفهيّاً” لتجارب سابقة؛ كل مهاجر عاد خائباً أو حاملاً خيبة ما، يصبح شاهداً ضمنيّاً تستند إليه الكلمات. هذا الاستدعاء للخبرة الجماعية يضفي على النص بُعداً أنثروبولوجياً واضحاً، الأغنية لا تعبّر عن رأي فردي، بل تتكلّم باسم “نحن” واسعة، هي “نحن أهل البلد” في مواجهة “هناك” الغريب، المبهم، الذي أُسقطت عليه آمال كبيرة.
من جهة أخرى، لا تكتفي الأغنية بوصف الغربة كمعاناة مادية، بل تقدّمها كاختبار أخلاقي ووجودي. فهي لا تتحدّث فقط عن ظروف العمل القاسية أو العنصرية، بل عن ضياع الإنسان في دوّامة الزمن والدنيا. في الخلفية الثقافية المغاربية، المدعومة بتراث صوفي وإسلامي، يُنظر إلى الدنيا نفسها كنوع من “غربة” عن الأصل الإلهي، وإلى السفر بوصفه استعارة لضياع الروح عن حقيقتها. لذلك يمكن قراءة “يا رايح” أيضاً كخطاب مزدوج، ظاهره عن هجرة اقتصادية، وباطنه عن هجرة أعمق، هي هجرة الإنسان عن ذاته ومعناه. وحين تذكّر الأغنية بأنّ “الدنيا ما تدومش”، فهي تستعيد صدى واسعاً من الحكم الدينية والأمثال الشعبية حول الفناء وعدم الاستقرار.
هذا التداخل بين الواقعي والرمزي يجعل “يا رايح” تحتلّ موقعاً وسيطاً بين الأغنية الاجتماعية المباشرة وبين النصّ الحكمي-الفلسفي. فالمسافر في الأغنية ليس مهاجراً فحسب، بل هو أيضاً نموذج للإنسان الذي يطارد السراب: يظنّ أنّ تغيير الجغرافيا سيحوّل مصيره بالكامل، بينما يحمل معه – دون وعي – طبقته الاجتماعية، ولغته، وعاداته، وصدمات تاريخه، وحتى هشاشته أمام الاستغلال. هنا تلتقي الأغنية مع مفهوم أنثروبولوجي أساسي، الإنسان لا يغادر عالَمَه فعلاً حين يهاجر، بل يعيد إنتاج هذا العالم بتوتراته وتطلّعاته في المكان الجديد.
وإذا تأمّلنا في طريقة توجيه الخطاب، نجد أنفسنا أمام علاقة بين جيلين، صوت الراوي يبدو أقرب إلى صوت أب أو عمّ أو رجل أكبر سنّاً، عاش التجربة أو شهدها عند نظرائه، يخاطب شاباً مندفعاً. فاللغة لغة نصح، والموقف موقف “كبير” يحدّث “صغيراً”. من منظور أنثروبولوجي، هذه العلاقة تكرّس موقع “الخبرة” كقيمة اجتماعية عليا في المجتمعات التقليدية وشبه التقليدية؛ المعرفة هنا ليست نظرية ولا إحصائية، بل مجرّبة، جسّدها الجسد في الهجرة والعمل الشاق، وليس العقل في الكتب. ومن خلال أداء دحمان الحراشي الهادئ، المائل إلى التأمّل، يصبح المستمع نفسه في موقع “الابن” الذي يتلقّى وصيّة لا تخصّه وحده، بل تخصّ كل مَن يفكّر في “ركوب البحر”.
غير أنّ الزمن، بطبيعته، يعيد تشكيل النصوص كلّما تغيّرت السياقات. الأغنية نفسها عبرت – مثل أبطالها – المتوسّط، وانتقلت إلى الضفة الأخرى، حين أعاد رشيد طه أداءها في التسعينيات. هنا يكتسب النص حياةً جديدة تماماً. على خشبة فرنسية، بصوت فنان ينتمي إلى جيل المهاجرين الأبناء (أبناء العمّال الجزائريين في فرنسا)، ووسط موسيقى تمزج الشعبي بالروك والإلكترونيك، تتحوّل “يا رايح” من نصيحة تحذيرية إلى ما يشبه نشيداً للهوية الهجينة. الآن لم يعد “المسافر” الفلّاح أو العامل الذي سيغادر للمرة الأولى، بل صار الشاب “البور” (beur) الذي وُلد في ضواحي ليون أو مرسيليا، ويعيش غربة من نوع آخر، غربة عن “أصل” لا يعرفه إلا عبر اللغة المنكسرة والأغاني القديمة، وغربة عن “مجتمع مضيف” لا يعترف به كاملاً.
في هذا التحوّل، تكمن لحظة أنثروبولوجية حاسمة، النص الواحد يخدم تخيّلات مختلفة لجماعات مختلفة. بالنسبة لجيل دحمان الحراشي، الأغنية تحذير من السفر. أمّا لجيل رشيد طه، فهي اعتراف بواقع لا يمكن التراجع عنه، الغربة صارت قدراً موروثاً، وهويّة مركّبة لا يمكن فصلها إلى “هنا” و”هناك” ببساطة. الإيقاع الأسرع، والآلات الكهربائية، والجمهور المتنوع في أوروبا، كلّها عناصر تعيد تأويل الغربة، لم تعد فقط شقاءً، بل أيضاً فضاءً لخلق أشكال جديدة من الوجود، من الموسيقى، ومن الانتماء المزدوج.
بهذه الطريقة، تتحوّل “يا رايح” إلى ما يسمّيه بعض الباحثين “مكانَ ذاكرة” (lieu de mémoire): نقطة تلتقي عندها أجيالٌ وتجارب وأمكنة مختلفة. ففي الجزائر، تُغنّى الأغنية في الأعراس والولائم كما تُغنّى في لحظات وداع بالمطار أو الميناء، فتؤدّي وظيفة طقسية، تساعد الحاضرين على التعبير عن قلقهم وحنينهم وخوفهم من الفراق، من دون حاجة إلى خطابات مطوّلة. وفي أوروبا، تُستدعى في المهرجانات والحفلات، فتصبح مناسبة للاحتفال بهوية مغاربية عابرة للحدود، تُصرّ على الظهور في فضاء عام يضغط دوماً لإذابتها أو تهميشها.
ومع تضاعف موجات “الحَرّاقة” ومآسي غرق قوارب المهاجرين غير النظاميين في العقود الأخيرة، اكتسبت الأغنية طبقة جديدة من المعنى. كثير من الصور ومقاطع الفيديو التي توثّق لقوارب الموت أو لاحتجاجات المهاجرين في أوروبا تُرفَق بمقاطع من “يا رايح”. هكذا يدخل النص في علاقة جديدة مع الجسد والبحر والحدود، ما كان في الستينيات تحذيراً من تعب وندم، صار في بعض السياقات تحذيراً من موت حقيقي في البحر، ومن تحوّل المتوسّط من جسر عبور إلى مقبرة واسعة. من هذا المنظور، الأغنية ليست فقط ابنة زمنها؛ هي أيضاً نصّ “مفتوح” يعاد توظيفه وتأويله كلّما تطوّرت ظاهرة الهجرة وأشكال العبور الخطرة.
إذا انتقلنا إلى مستوى اللغة، نلاحظ أنّ “يا رايح” مكتوبة بدارجة جزائرية واضحة، ولكنّها في الوقت نفسه مفهومة في المغرب وتونس، بل صارت جزءاً من رصيد مشترك مغاربي. هذا البعد اللغوي مهم أنثروبولوجياً، لأنّه يبيّن كيف تساهم الأغنية في خلق “مجال ثقافي متخيَّل” يتجاوز الحدود السياسية. فالمستمع المغربي أو التونسي يجد نفسه في النصّ كما يجده الجزائري؛ “الغربة” هنا لا تخصّ دولة بعينها، بل فضاءً كاملاً ظلّ تاريخيّاً يصدّر أبناءه نحو الشمال. ومع الانتشار العالمي للنسخة المعاد توزيعها، أخذت الأغنية – بصيغتها العربية – تشقّ طريقها أيضاً إلى آذان غير عربية، فتُترجم وتُقتبس، وتدخل في حوارات “عالمية” حول الهجرة والهوية، مع احتفاظها بنكهتها المحلية.
من الزاوية الجندرية، يلفت النظر أنّ الأغنية تَتَمثَّل المهاجر كرجل، هو المخاطَب، وهو صاحب القرار في السفر أو البقاء. هذه النظرة تعكس واقعاً تاريخياً حيث كانت الهجرة نحو أوروبا في أغلبها ذكورية، خاصة في بداياتها. غير أنّ أداء الأغنية في الفضاء اليومي لا يقتصر على الرجال؛ النساء أيضاً يردّدنها، يبكين عليها، ويرقصن عليها في الأعراس. هنا تظهر مفارقة، النص يمحو تجربة المرأة بوصفها مهاجرة، لكنّه في الممارسة يسمح لها بالتعبير عن شكل آخر من الغربة: غربة مَن يبقى في البلد، يتلقّى أخبار المسافر، ويعيش الانتظار والخوف والوحدة. وبهذا، تصبح “يا رايح” وسيلة غير مباشرة لقول أشياء مسكوت عنها عن تفكّك العائلة، وغياب الأب أو الأخ أو الزوج في بلاد بعيدة.
كل هذه الطبقات لا تنفي البعد الجمالي البسيط الذي يجعل الأغنية قابلة للحياة طوال عقود. فاللّحن الدائري، الذي يكرّر الجملة الأساسية كأنّه يكرّر سؤالاً لا يجد جواباً قاطعاً، ينسجم مع مضمون النصّ القائم على الدوران، مَن يذهب يعود، ومَن يعود يفكّر في الذهاب مرّة أخرى، في حلقة لا تنتهي. هذه الدائرية الموسيقية تشبه دوْرية الهجرة نفسها في المغرب الكبير، أجيال تغادر، أجيال تعود، أجيال تولد هناك ولا تعرف هل هي “عائدة” أم “ذاهبة”. ومن هنا، تنجح الأغنية، فنياً، في تجسيد ما يرصده علماء الأنثروبولوجيا نظرياً، حركة دائمة بين ضفتين، لا هي استقرار هنا ولا اندماج كامل هناك.
في الختام، يمكن القول إنّ “يا رايح” أغنية تتحرّك في ثلاث دوائر متداخلة، دائرة الواقع الاجتماعي للهجرة، ودائرة الحكمة الأخلاقية حول الوهم والحقيقة، ودائرة الذاكرة الجماعية التي تعيد تشكيل نفسها مع كل أداء جديد للأغنية. هي مرآة تعكس قلق مجتمع بأكمله تجاه فكرة الرحيل، وفي الوقت نفسه أداة يستعملها هذا المجتمع ليحكي قصّته، ويعيد صياغة معاني الفقد والأمل والعودة. وبين دحمان الحراشي في مقهى شعبي في الجزائر في الستينيات، ورشيد طه على خشبة مهرجان أوروبي في التسعينيات، وشابّ يشغّل الأغنية اليوم في هاتفه وهو يفكّر في ركوب البحر، تمتدّ حياة نصّ واحد، يهاجر بدوره، ويتحوّل، ويظلّ – رغم كل شيء – يطرح السؤال نفسه: إلى أين تمضي، وما الذي تنتظره هناك، ومن الذي ستكونه حين تعود؟