واقول” – بين استجداء الذهاب وعجز الرحيل.
*واقول*
قبل الرًحيل
قبل أن تشق انفاسي
صهيل اللًيل
دون ذكرى أو اشتياق
ساعدو بعيدا جدًا
عن الألغام والانغام
تجلدني زقزقة
رفّة
بين القضبان
تلغو بكدر السنين
ساعدو
اين لا جدران ولا حرير
اناشد السًكك البعيدة
المعطوبة
الصًمًاء
انتظر قطار الامنيات
يجرً قاطرة العمر
دون كلمات
دون قصيدة تؤبًن
الختام
دون محطًة أخيرة
تعيدني
إلى الكهوف
قرونا وسنوات
إلى حياة تشبه الحياة
بعد أن يرحل الرًحيل
واظلً استجدي
الذهاب
حبيبة المحرزي
تونس
.
قصيدة نثرية تتحرك بين الرغبة في الرحيل والعجز عنه، في حلقة مغلقة مؤلمة.
نصٌ يكتب جرحه على قارعة الغياب… يمتزج فيه صهيل الليل بتغريدة القضبان، ليصنع سيمفونية خاصة للروح المعذبة فالشاعرة لا تطلب الموت ولا الحياة، بل تطلب الذهاب، وهو شيء أعمق من الاثنين:
“انتظر قطار الأمنيات”
دون محطة، دون وصول، الانتظار هو الحال الوحيد
الصورة المركزية هي القفص: القضبان، الجدران، الألغام في مقابل السكك البعيدة، الكهوف، ما وراء الحرير.
بمعنى الشاعرة لا تريد الحرية بقدر ما تريد الغياب، فاختارت الصمت كلغة.
تكرار “دون” ثلاث مرات متتالية:
“دون كلمات”
“دون قصيدة تؤبِّن الختام”
“دون محطة أخيرة”
هذا النفي المتراكم يخلق إحساساً بالفراغ والعدم، لكنه في الوقت نفسه يحمل مفارقة كبرى: إنها قصيدة تحتفي بصفتها قصيدة (فهي مكتوبة بلغة شعرية) بينما تعلن رفضها لنفسها، وكأن الشاعرة تخلق أداتها لتقول إنها لا تريد أدوات. النفي هنا ليس مجرد غياب، بل هو حضور قوي للرغبة في الصمت كلغة أخيرة.
مما يخلق نفياً متراكما وفيه مفارقة: قصيدة تقول إنها لا تريد قصيدة.
فاللافت أن الشاعرة لا تطلب الحرية بالمعنى التقليدي؛ فهي لا تنشد فك القيد بقدر ما تنشد “الغياب” ذاته. لذلك يأتي “قطار الأمنيات” ليجر “قاطرة العمر” دون محطات، دون وصول. الانتظار هنا ليس مؤقتاً، بل هو الحال الوحيد، هو المصير.
لنجسد أنفسنا في نهاية المطاف أما خاتمة صادمة:
“وأظل أستجدي الذهاب”
الفعل – أستجدي – يحوّل الرغبة إلى ذل، وهو أقسى كلمة في النص. إذ يشكل داخل المقطع الأخير ذروة التأمل الوجودي، حيث يتكثف فيه الحنين والانكسار والبحث عن خلاص يتجاوز حدود الموت الرمزي. لتصير القصيدة هنا رمز للخلود عبر الكلمة. كما يرسم المقطع صورة الإنسان العالق بين زمنين: زمن الجرح الماضي (الكهوف) وزمن الأمل المستحيل (الذهاب). إنه يفضي إلى خلاص لا يأتي، ويحول الحياة إلى مجرد “شبه” حياة، حيث يصير الألم هو اليقين الوحيد.
سعيد محتال
المغرب