د. محمد مسلم جمعة
ينتابني شعور بالعودة الى هذا الكتاب يومياً ، تحت تأثير متابعة من يحكم العالم ،ومن يتحكم في أمن واستقرار ولقمة عيش المواطن ،ولست مغالياً القول أنه أهم كتاب حالياً لأهم فيلسوف معاصر .
كتاب مهم وجدير بالرجوع اليه لفهم طبيعة من يحكم العالم ولايقتصر الحاكم فقط على من هو في رأس السلطة السياسية من التافهين .و لا يكتفي بمهاجمة«التافهين» فقط، بل من يهيمن على مؤسسات التعليم والثقافة والسياسة والاقتصاد، بحيث يصبح معيار النجاح والقيمة ليس الكفاءة أو الإبداع، بل الامتثال والخضوع لما يريده النظام.
يعني كل من هو في السلطة — بأشكالها السياسية، الاقتصادية أو الثقافية التي باتت «بيد التافهين».
وفقًا لدونو، ما يحدث اليوم ليس مجرد ضعف في المهارات أو عدم كفاءة فردية، بل نظام كامل يكافئ السطحية ويهمّش الجودة والمعرفة الحقيقية. يرى أن السلطة والمكانة باتتا في أيدي من يفتقرون إلى التفكير النقدي والعمق، بينما يتم تجاهل الأشخاص الأكفاء والمبدعين لصالح أولئك الذين يطيعون القواعد ويكررون السخافات.
ومن خلال تحليل فلسفي واجتماعي، يشير “دونو” إلى أن الجامعات، الإعلام، الأسواق، وحتى الثقافة أصبحت أدوات لتوطيد هذا النظام: فالقيمة لم تعد في المضمون أو الجودة، بل في المظهر، الشهرة، والربح ، لا يكتفي بالانتقاد فحسب انما يدعو إلى «إلغاء النظام التافه»، إلى استعادة القيم التي ترفع من شأن الفكر والتميّز، وإلى أن يرفض القارئ أن يكون مجرد «وسط» أو «عادي» يبحث عن النجاح .
كتاب نظام التفاهة (La médiocratie) هو عمل نقدي وفلسفي للفيلسوف الكندي آلان دونو يستكشف فيه كيف أصبحت التفاهة (الرداءة/السذاجة) ليست مجرد ظاهرة عابرة، بل نظامًا اجتماعيًا متجذرًا يهيمن على المجتمعات الحديثة في السياسة، والاقتصاد
والتعليم، والإعلام، وغيرها من المجالات.
صعود التفاهة كنظام حكم اجتماعي: يشرح كيف أن الرأسمالية المعاصرة والبيروقراطية جعلتا من التفاهة معيارًا للنجاح، لا الكفاءة أو الوعي.
السياسة والإعلام: ينتقد استخدام الأساليب السطحية لجذب الجمهور بدل تقديم تحليلات عميقة أو حلول حقيقية.
التعليم والثقافة: يعرض كيف أن المؤسسات التعليمية أصبحت تركز على الشهادات بدلاً من التفكير النقدي، وأن الثقافة تروج للمظاهر بدلًا من القيمة.
الاقتصاد: يبيّن أن نظام العمل الحديث يربط النجاح بالاندماج السلس في نظام الإنتاج بدل الإبداع أو التميّز.
يرى “دونو” أن العالم المعاصر يعيش تحت هيمنة نظام قائم على الرداءة، حيث:
• يتم استبدال الخبراء بموظفين ينفّذون التعليمات دون فهم.
• تتم إزاحة المبدعين والمفكرين لصالح أشخاص «عاديين» يجيدون التكيف مع البيروقراطية.
• يصبح المظهر أهم من الجوهر.
• تُدار المؤسسات الكبرى وفق منطق “لا تزعج النظام… كن وسطًا”.
فالتفاهة ليست صدفة… إنها نظام.
1) سقوط المعرفة والخبرة
• المعرفة لم تعد قيمة، بل “مؤهلات تقنية” قابلة للشراء.
• الخبير الحقيقي يُقصى لأنه «يعرف أكثر مما يجب»؛ النظام يريد منفذين، لا مفكرين.
• الجامعة تتحول من مكان لإنتاج المعرفة إلى «شركة خدمات».
2) تسليع كل شيء
• المؤسسات الاقتصادية لم تعد تنتج قيمة، بل تسوّق صورًا ورموزًا.
• الشركات تُدار بمنطق العلاقات العامة لا الجودة.
• حتى الأخلاق يتم تسويقها عبر شعارات: الاستدامة، المسؤولية، القيم… لكنها غالبًا فارغة.
3) السطحية في الثقافة والإعلام
• الثقافة تتحول إلى ترفيه استهلاكي.
• الإعلام يبحث عن الإثارة لا الحقيقة.
• الشهرة تحوّلت إلى معيار المعرفة.
• الصناعات الإبداعية أصبحت تُفرّغ الفن من روحه لصالح «منتج سهل».
4) التفاهة كإطار سياسي
• صعود سياسيين يفتقدون للعمق، لكن يجيدون اللعب وفق قواعد الصورة والظهور.
• الخطابات مُعَدّة من قبل مختصين بالإعلام لا الفلاسفة أو المفكرين.
• تُدار الدول كالشركات… دون رؤية أخلاقية.
أهم الاقتباسات (مختصرة بصيغتها العربية)
«لم يعد مطلوبًا أن تكون مفيدًا… يكفي ألا تكون مزعجًا.»
• «نحن في عصر تُستبدل فيه الكفاءة بالامتثال.»
• «تحوّلت التفاهة إلى نظام حكم، وإلى معيار للنجاح.»
• «تراجع دور المثقف لصالح التقني والمنفّذ.»
لماذا يعد هذا الكتاب مهمًا؟لأنه يفسّر ظواهر نعيشها يوميًا:ولماذا تزداد الرداءة في التعليم والإعلام؟
لماذا يتقدم أشخاص “متوسطون” بينما يتراجع الكفء والمبدع؟
لماذا نشعر أننا في عالم يفضل الشكل على المضمون؟
لماذا تتحول السياسة إلى عرض تلفزيوني؟
يربط الكتاب كل هذه الأسئلة بـ«منطق واحد» يحكم العالم الحديث.
خامسًا: كيف نقاوم «نظام التفاهة»؟ بحسب(دونو)
• استعادة قيمة المعرفة عبر التفكير النقدي.
• رفض اللعب بقواعد التفاهة حتى لو كان الطريق أطول.
• دعم الثقافة العميقة والفن الحقيقي.
• إحياء دور المثقف والعمل العام المبني على قيم.
• قول “لا” حين يكون الصمت جزءًا من المشكلة.
ما يناقشه الكتاب:
صعود التفاهة كنظام حكم اجتماعي:يشرح كيف أن الرأسمالية المعاصرة والبيروقراطية جعلتا من التفاهة معيارًا للنجاح، لا الكفاءة أو الوعي.
السياسة والإعلام: ينتقد استخدام الأساليب السطحية لجذب الجمهور بدل تقديم تحليلات عميقة أو حلول حقيقية.
التعليم والثقافة: يعرض كيف أن المؤسسات التعليمية أصبحت تركز على الشهادات بدلاً من التفكير النقدي، وأن الثقافة تروج للمظاهر بدلًا من القيمة.
الاقتصاد: يبيّن أن نظام العمل الحديث يربط النجاح بالاندماج السلس في نظام الإنتاج بدل الإبداع أو التميّز.
خلاصة
“نظام التفاهة” كتاب مهم لجأ دونو الى التشخيص دون وجل أو التفكير في عواقب ما سيكتب ، اذ تراجع تراجع القيم والمعايير في العالم المعاصر يعود الى بنية مؤسسية تعمدت انتاج التفاهة بقصد الاستفادة منها .هو كتاب نظام التفاهة يوقظ ويشد من ازر القارئ، حتى لا يكون ضحية اليأس، ويلفت انتباهه ويحفزقدرته على التمييز والمقاومة.
في المقلب الثاني ، نجد الخبير (الاختصاصي والبروفيسور والدكتور). وللتميز بين الخبير والمثقف، فالخبير يبيع كلمته وضميره، خدمة لمصالحه الخاصة الضيقة، وذلك على حساب الحق والحقيقة، وإعلاء لحساب الذين يرتبط بهم بمصالح. فالخبير مستعد أن يكيف ويحور ويؤقلم -وحتى يزوّر- الحقائق العلمية خدمة للفئات التي تحتكر السلطة والمال والنفوذ. والخبير (بخلاف المثقف) على استعداد تام لخداع وتضليل الرأي العام، مستخدما في سبيل ذلك ما يحظى به من مكانة واحترام بنظر عامة الناس.
أماعلى الصعيد الأكاديمي تتجلى التفاهة بأبهى صورها من “التفاهة الأكاديمية، كما أفرغت ميادين الأبحاث والدراسات العليا من مضمونها، لتبرز السخافة والسفاهة، اذ كان من المفروض أن تسود الحكمة والعلم والحق والأخلاق. ولم يعد مطلوباً من يتميز بالحكمة والعلم والابداع وهي مجتمعة هي ركائز نظام التفاهة .
والسؤال الذي يطرح نفسه لمصلحة من الجائحة الأكاديمية ؟ ولماذا يحصل تتفيه العلم ومد اليد الى أعلى المراكز العلمية ؟
و الجواب الصادم ، بحسب ألان دونو، يتم ذلك بناء لمتطلبات السوق العالمي الواقع تحت سلطة المتحكم به من أ صحاب المليارات الممسكين بزمام السلطة. الأكاديمية التي تم اخضاعها لقانون السوق،وبات العلم خادماً ذليلاً لأصحاب رؤوس الأموال الذين لا حدود لجشعهم ومراكمة ثرواتهم .
عن كتاب نظام التفاهة
كتاب نظام التفاهة (La médiocratie) هو عمل نقدي وفلسفي للفيلسوف الكندي آلان دونو يستكشف فيه كيف أصبحت التفاهة (الرداءة/السذاجة) ليست مجرد ظاهرة عابرة، بل نظامًا اجتماعيًا متجذرًا يهيمن على المجتمعات الحديثة في السياسة، والاقتصاد، والتعليم، والإعلام، وغيرها من المجالات.
فكرة الكتاب الرئيسية
وفقًا لدونو، ما يحدث اليوم ليس مجرد ضعف في المهارات أو عدم كفاءة فردية، بل نظام كامل يكافئ السطحية ويهمّش الجودة والمعرفة الحقيقية. يرى أن السلطة والمكانة باتتا في أيدي من يفتقرون إلى التفكير النقدي والعمق، بينما يتم تجاهل الأشخاص الأكفاء والمبدعين لصالح أولئك الذين يطيعون القواعد ويكررون السخافات.
• المؤلف: آلان دونو (فيلسوف كندي)
• العنوان الأصلي: La médiocratie
• الترجمة العربية: مشاعل عبد العزيز الهاجري
• دار النشر: دار سؤال، بيروت
• عدد الصفحات: حوالي 365 صفحة