
حققت روزي، وهي كلبة من فصيلة اللابرادور السوداء تبلغ من العمر ثلاث سنوات، إنجازًا علميًا لافتًا يعجز البشر عن مجاراته. فبمجرد شمّ أربع عينات من البول واحدة تلو الأخرى، تنجح روزي في تحديد العينة التي تعود لمريض في هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية أو (NHS) مصاب بسرطان الأمعاء.
وللتأكد من أن الأمر ليس مجرد مصادفة، يواصل مدربها تغيير ترتيب العينات مرارًا. وفي كل مرة، تختار روزي العينة الصحيحة بثقة، فتتوقف أمامها وتحدّق فيها بينما يواصل ذيلها التحرك، في إشارة واضحة إلى أنها عثرت على الهدف.
روزي ليست حالة فريدة؛ فهي جزء من فريق يضم سبعة كلاب لابرادور وكلب إسبان، جميعهم مدربون على اكتشاف رائحة سرطان الأمعاء ضمن برنامج تديره مؤسسة «كلاب الكشف الطبي» الخيرية في مدينة ميلتون كينز الأنجليزية. وفي حين تعتمد طرق التشخيص الحالية على فحوصات جراحية أو عينات براز، أثبتت الكلاب للمرة الأولى أن اكتشاف المرض ممكن أيضًا من خلال البول.
ويرى العلماء أن هذا الاكتشاف قد يمهّد لثورة حقيقية في تشخيص السرطان. فقد عمل الباحثون بالتعاون مع هذه الكلاب على تطوير نسخة إلكترونية تحاكي أنف اللابرادور، يُعتقد أنها قد تسهم في إنقاذ ملايين الأرواح عبر تسريع عملية التشخيص.
تقول كلير جيست، الرئيسة التنفيذية لمؤسسة كلاب الكشف الطبي: «تعيش الكلاب في عالم تحكمه الروائح. إنها أجهزة استشعار حيوية تمشي على أربع، بفراء ناعم وذيول متحركة». وتضيف أن تطور الكلاب عبر القرون منحها حساسية استثنائية للروائح، تفوق بكثير ما يستطيع الإنسان إدراكه.

وتوضح جيست: «لقد أثبتت الكلاب مرارًا أن للأمراض رائحة مميزة. ويبدو أن هناك قاسمًا مشتركًا في روائح أنواع مختلفة من السرطان، سواء أكانت ناتجة عن الورم نفسه أم عن استجابة الجسم له. وقد أظهرت التجارب أن تدريب الكلاب على اكتشاف سرطانات متعددة يتم بدرجة عالية من الموثوقية».
وأكدت التجارب السريرية قدرة الكلاب على اكتشاف أمراض عدة بدقة، مثل سرطان البروستاتا والمثانة، وحتى فيروس كوفيد-19. غير أن التحدي ظل قائمًا في كيفية تطبيق هذه القدرة على نطاق واسع في الطب العملي، إذ يصعب تخيّل وجود كلاب تشم المرضى في غرف انتظار المستشفيات.
هنا يأتي دور التكنولوجيا. فقد تعاون الدكتور أندرياس ميرشين، عالم الفيزياء الكمومية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، مع مؤسسة كلاب الكشف الطبي لتطوير «أنف إلكتروني». ويعتمد هذا الجهاز على تدريب الذكاء الاصطناعي لمحاكاة استجابات الكلاب لعينات السرطان، مستخدمًا أجهزة استشعار كيميائية قادرة على رصد المركبات العضوية المتطايرة، وهي الجزيئات الدقيقة المسؤولة عن الروائح.
ويجري حاليًا اختبار الأنف الإلكتروني على أكثر من 500 عينة بول في مستشفى جامعة ميلتون كينز، تشمل مرضى بسرطان البروستاتا وأشخاصًا أصحاء، لتقييم دقته كوسيلة تشخيصية.
ويأمل ميرشين أن تتم الموافقة على هذه التقنية كأداة سريرية خلال عامين، بل ويتطلع إلى دمجها مستقبلًا في الهواتف الذكية. ويقول: «تشخص الكلاب السرطان مبكرًا وبسرعة ودقة تفوق أي وسيلة أخرى. إنها كائنات مذهلة، وعندما تُدرَّب تصبح حساسة بشكل فريد للأمراض والمخدرات والمتفجرات. الكلاب تقود الطريق، وعلينا أن نبني التكنولوجيا على ما تعلمنا منها. كما أن الهواتف تحتوي على كاميرات وميكروفونات، فربما يأتي يوم تمتلك فيه أنوفًا أيضًا».
وليس هذا الاكتشاف مجرد نظرية علمية، بل أنقذ بالفعل حياة مؤسِسة المؤسسة الخيرية نفسها. ففي عام 2008، بدأت كلبة لابرادور تُدعى ديزي، مدربة على كشف سرطان المثانة، تتصرف بغرابة حولها. تقول جيست: «كانت تدفعني باستمرار عند صدري. دفعني ذلك إلى فحص نفسي، فاكتشفت كتلة. ذهبت إلى الطبيب، وتم تشخيصي بسرطان الثدي». وقد سمح الاكتشاف المبكر بإجراء الجراحة قبل انتشار المرض.
اليوم، يضم فريق الكشف الحيوي في مقر المؤسسة في ميلتون كينز تسعة عشر كلبًا، يعيشون في منازل رعاية محلية، ويقضون ما لا يقل عن ثلاثة أيام أسبوعيًا في التدريب على عينات مرضى NHS، تتخللها فترات من المشي والراحة.
وتختم جيست قائلة: «رؤيتي للمستقبل أن نرى أنوفًا إلكترونية، ربما مدمجة في الهواتف، قادرة على اكتشاف الأورام بسرعة كبيرة. عندها ستصبح تشخيصات السرطان أسرع بكثير مما هي عليه اليوم. لا ينبغي لنا أبدًا أن نستهين بالكلاب؛ فهذه هدية تقدمها لنا الطبيعة. وفي الطبيعة دائمًا إجابات، لكننا كبشر كثيرًا ما نتجاهل البحث عنها».
(المقالة مترجمة بتصرف عن الأصل)…
من صفحة د. عامر هشام الصفار