« ليس الصمت دائماً عجزاً ، وأحياناً لا يكون تعثّر القلم فقراً في الأفكار ، بل انتظاراً لنضجها » .
أحياناً أفقد الشغف بالكتابة ، فأجد قلمي لا ينزلق على الورق كما اعتدته من قبل ، وكأن خيطاً خفياً كان يصل بين العقل والقلم قد أصابه وهنٌ ، أجلس أمام القرطاس طويلاً ، فأكتب سطراً ثم أمحو ، وأخطُّ فكرة ثم أشعر أنها جاءت نشازاً في غير موضعها ، في تلك اللحظات يبدو لي أن الحرف عصيّاً ، كأنه يرفض أن ينساب على عجل ، وتبدو الأفكار متأرجحة بين معنيين ؛ لا هي استقرّت على يقين ، ولا هي انصرفت عني تماماً .
يخيل إليَّ أحياناً أن المعنى قريب ، كأنني ألمحه في غياهب الفكر ، لكنني كلما مددت يدي إليه تراجع إلى حيث الظل ، فأبقى بين ظنٍّ ويقين وبين رغبةٍ في القول وعجزٍ عن الصياغة ،كأن العقل يعمل في أعماقه بصمت ، بينما ينتظر القلم على السطح كلمةً لم تولد بعد .
وفي تلك الحال ينتابني شعور غريب: أن الكتابة ليست دائماً طوع الإرادة ، بل هي أحياناً طوع النضج ، فالفكرة إذا لم تستوِ في موقد النفس جاءت ناقصة الطعم والمعنى ، حتى وإن سُطّرت حروفها بإتقان ، ولعل لذلك يبدو لي ما أكتبه أحياناً بارداً أو باهتاً ، فأمزقه قبل أن يرى النور ، لا لأنه بلى معنى ، بل لأن حينه لم يأتِ بعد .
أدرك حينها أن الفكر يشبه المخيض ؛ لا يطفو دسمه على سطحه من أول خضّة ، بل يحتاج إلى استمرار وصبر حتى تتجمع الزبدة في أعلاه . وكذلك المعنى في النفس ، لا يخرج صافياً من أول محاولة ، بل يمرُّ بمراحل من الاضطراب والتردد قبل أن يخرج ليرى النور في صورته الأخيرة.
ولعل أجمل ما في هذه اللحظات أنها تعلم من يكتب شيئاً من التواضع ؛ فالقلم الذي يظن صاحبه أنه طوع يده يذكّره أحياناً أن الحروف ليست ملكه بالكامل ، وأن المعنى سيدٌ متى حضر حضر ، ومتى تأخر فلا سبيل إلى استعجاله .
وهكذا أتعلم بين حين وآخر أن الصمت ليس عدواً للكتابة ، إنما هو أحد وجوهها الخفية ، ففي الصمت تتخمر الأفكار ، وفي الانتظار تنضج الكلمات ، حتى إذا جاء أوانها سال الحرف على الورق هادئاً مطمئناً ، كأن الخيط بين العقل والقلم لم ينقطع يوماً ، وإنما كان يأخذ قسطا من الراحة ، كي يطفو الدسم .

( عماد عواودة ، ابو حازم
الأحد ٠٨ مارس ٢٠٢٦ ، قميم / الأردن )