أنطوان يزبك
كم هو صعب أن تكتب مقالة نقدية عن كتاب يحتاج إلى كتاب رديف آخر أو أكثر من كتاب حتى ، كي تسبر أغوار الأفكار التي وردت فيه . إنّ تناول مسألة المسيح يعدّ إشكالية في زمننا الحالي ومخاطبة الناس [ معظم الناس] في هذه الأمور الدقيقة مسألة عويصة .
حتى تفكّك مضامين هذا المؤلَّف ، عليك أن تدرك وجوبا ؛ عمق التجربة الفكرية الروحية ّواللاهوتية التي يقدمها الدكتور ايلي أبو سمرا في بحثه هذا من منظار المعرفة والانفتاح بعيدا عن الأحكام المسبقة !
أما والأصعب أيضا فهو أن تكتب وأنت ترى بوضوح ، شخصيّة الكاتب ماثلة أمامك كما لو أنه يقف على مسافة ليست ببعيدة عن يسوع المسيح في الزمن الذي،أتى فيه وهو يتوجّه إلى الجماهير في عظة الجبل !
والحال كذلك أسأل صراحة : هل الكلام على المؤلف يتفوّق على المحتوى الموجود في الكتاب أو العكس؟ هذا التساؤل يفتح الباب على آراء النقّاد وخاصة القرّاء فلأجلهم بذل إيلي كل هذا الجهد ..

لم يبخل الكاتب بمعلومات قيّمة هي في الواقع حصيلة تفكير طويل على مدى أعوام الحياة الصّاخبة ومكابدات مضنية ، و لم يتوانَ عن خوض مغامرة صعبة و خطرة قد تؤلّب عليه نقمة الأصدقاء والمقربين قبل الخصوم أو تعرّضه لنقد لاذع ، فهو قد أبى على نفسه إلا و أن يقول الحقيقة الناصعة كما هي من دون لفّ أو دوران ومن يعرف الدكتور إيلي يدرك أنه أمام شخصية متفانية خاصة في موضوع الإيمان المسيحي والتعاليم السامية التي يمثلها ، و كل ما له علاقة بشخص يسوع المسيح بالذات( الإله-الإنسان ) هو مقدس بالنسبة له ولا غَروَ أن يكون موضوعه المفضل .
يطوي الكاتب ، في سريرته العمق الإيماني الذي بناه بعد تعب كبير و هذا ما سيدركه حكما القارئ دون شكّ عندما يلج تضاعيف هذا الكتاب ويقرأ بعناية المعلومات التي فيه ويصل إلى خلاصة شخصية يكوّنها صفحة إثر صفحة من الكتاب .
أمّا أنا فقد شعرت صدقا أن الكاتب كان حاضرا بالروح والجسد في تلك الأزمنة المقدسة والمباركة من ربّ الكون والخلق . أرى إيلي مرافقا لدقائق الأحداث التي حصلت، مُشاركا بها ( كذا ) وكما ذكرت سابقا، في بداية المقالة أن شخص إيلي الإيماني يطغى على كلّ ما عداه من مظاهر إنسانية سلوكية في الحضور والشهادة ليسوع المسيح !
ماذا عساني اقول و أي موقف آخذ في مثل هذه الحالة ؛ خاصة عندما يتكلم المؤلف ، عن معجزات المسيح والسنوات التي سبقت دعوته وخروجه إلى البشارة في العلن . هذه الرؤية هي رؤية متجدّدة يعمل فيها العقل والإيمان والعاطفة جنبا إلى جنب . و لن أقول أن هذا رأي آحادي ، فأنا مسؤول عن كل ما أقوله و أعبّر عنه لأنني قمين على بسط الأمور كما هي، من خلال التصوّر الذي وضعه الكاتب .
من خلال ما يوجد أمام أعيننا في هذا الكتاب لا بدّ لنا و أن نفهم مآل المسيحيّة من وجهة نظر إيلي أبو سمرا : ها هو حين يتكلّم على ( عجائب الاحتياط ) يقول الكاتب في الصفحة 31 :
و في اعتقادي توجد أسرار كثيرة التي لم يكشف عنها من خلال القيمين على الكنيسة لأنها قد تكون فوق مستوى الوعي البشري .
بذلك يشير الكاتب إلى خاصية فريدة وبالغة الأهمية في تكوين العقل الإنساني وعلاقته بالوعي و محاولة إدراك الماورائيات لأن الإنسان و بحسب طبيعته البشرية المحدودة يهمل كثيرا الناحية الروحية في حياته اليومية و يحاول أن يسبغ على الروح قوانين المادّة وهذا خطأ كبير ، كما يحاول إيلي ابو سمرا أن يشرح لنا من خلال هذا الكتاب أهمية إحكام العقل والمنطق إلى جانب الإيمان فلا يفصل كلية الروح والمادة عن بعضهما ولا يجعلهما خصمين. كما يتطرّق أيضا إلى ذكر الأناجيل المنحولة والعجائب الخارقة التي لا تزال تحيّر العلماء منذ قرون و حتى يومنا هذا . و لا نستطيع أن نسرد في هذه المقالة المقتضبة كل ما ذكره الكاتب واستفاض في شرحه حول القدرة الخارقة التي كان يسوع المسيح يمتلكها ؛ و لكن نستطيع أن نصف أطروحة المؤلف كمحاولة جادة من أجل مصالحة المادّة والروح مع بعضهما و تعاضد بين العلم والايمان لإبراز الحقيقة . يقول الكاتب أيضا في الصفحة 35 ما يلي :
لا يمكن لأي تطور أن يتفاعل معه الإنسان من دون الرجوع الى ما قبل عبر قنوات عدّة ، قد تكون بحثا أو حتى إلهاما أو اكتشافا . إن العقل الانساني والفكر البشري دائم العمل هو لا يتعب أبدا وهو موجود لدى قلة من العباقرة و أهل الوعي . و يتابع الكاتب قائلا : إن مشي السيد المسيح على المياه هو أكثر من درس ؛ قال لتلاميذه يمكنكم أن تفعلوا أعظم مني !!
سؤال جوهري يطرح نفسه :
هل نحن البشر ( في حال نستحق أن تطلق علينا صفة بشر ) ، الأحياء اليوم في القرن 21 نحاول أن نقتدي بالمسيح ونفعل مثله ، ألم تأكلنا الجبانة والعصيان والركون عن فعل الإيمان الثابت وعيشه بكل معانيه وبكل بساطته إلى مداه الكليّ ، على قدر ما منحنا السيد المسيح من عجائب فائقة وأمثلة نعجز كل العجز عن تصديقها بعقولنا البشريّة المحدودة بسبب التلهّي بقشور الحياة والتعلق بقشور المادة .
هذا الكتاب ولو أنّه في ظاهره يبرز الناحية الإلهية البحتة الموجودة في أعمال و تعاليم السيّد المسيح ، هو أيضا كتاب يدعو البشر إلى أن يلتفتوا إلى ذاتهم الداخليّة و أن يفهموا ويتقنوا أمثولة حياة كان عليهم أن يتعلموا أصولها منذ أجيال و أجيال .
ما أخشاه هنا هو أن يتمّ تناول الكتاب من خلال الدخول في حيثيّات عقيمة من الجدليّات الدينيّة ، تبقى في موقعها التعبيري الصوري والرّمزي ، يعني سذاجة بحتة من دون أن تدخل إلى قلب الإنسان وتنيره من الداخل كضوءباهر عظيم . و بعد ؛ كلّما قرأنا في هذا الكتاب وتبحّرنا في مضامينه تتهافت علينا الأسئلة خاصّة ؛ ذلك السؤال حول العودة الأبدية أو تناسخ الأرواح هذا السرّ الكبير الذي ، يشكّل معضلة المعضلات الكبرى وسرّ الأسرار حول ماهية الوجود و سببيّة الخلق ولابدّ لهذا الموضوع الشيّق أن يأخذ حيّزا في كتابات إيلي ابو سمرا إذ بعد أن يستفيض الكاتب في الصفحة 42 شارحا عن هذا الموضوع و يذكر مثلا عودة النبي إيليا على شكل يوحنا المعمدان و يذكر أيضا إيمان الموحدين الدروز بعودة الحياة بعد الموت . يقول ابو سمرا :
طبعا إن المسيح لا يخضع لهذه القوانين أو المعتقدات لكنّه تجسّد عندما أراد أن يكون بين البشريّة … فكلمة تجسّد تعني أنّه قد لبس جسدا…. بينما كلمة تقمّص تعني أنه قد لبس قميصا …
وبعد ما عرفوه بشكله الجديد لزموه سمعوه وطبقوا ما قاله لهم نعود فنقول ليس المهم الشكل بل المهم الأعمال ….
طبعا هذا ما قدّمه الكاتب فالمقصود في معنى تجسّد أنّه لم يغيّر جوهره ، بل انتقل من حال إلى حال بحسب تعابيرنا الشائعة أو أوحى لنا نحن البشر عبر الصورة الظاهرة أو حيث أن الجسد بما هو ” لباس” لبسه المسيح [ مار بولس يستعمل التعبير عينه حين يقول : لبستم المسيح حين اعتمدتم ] وهنا نجد التحام الروح بالمادّة…
هذا الاعتراف كفيل برفع نسبة الجدل اللاهوتي والفلسفي وفتح الأبواب على مصرعيها للجدل ولا استبعد حنق و امتعاض المتعصبين الدينيين وعلى إيلي ابو سمرا أن يقف الآن في قفص محكمة الأديان ويدافع عن أطروحته ، هذا سوف يجلب عليه أيضا انتقادات كثيرة من كل الأديان السماوية الأخرى وغير السماوية ، ولكن قبل النقد العبثيّ التافه ليقرأ الناس والنقّاد ويحاولوا التفكير من خارج الصندوق كما يقال الآن .
لا يسعني سوى أن أشهد للكاتب إذ تكمن شجاعته في أنّه جهر بالحقيقة بدون أن يتردد أو يجبن لأنه مؤمن كبير . ينبع هذا الإيمان من حرية تفكير الكاتب، و سنوات طويلة من التفكير وليست مجموعة من آراء تأتّت من انفعال أو في لحظة من تغلّب حبّ الظهور على الواقعية والعقلانيّة .
ينضم إيلي ابو سمرا إلى العديد من الكتّاب والفلاسفة والمفكّرين الذين كتبوا عن المسيح مثل جبران خليل جبران و ميخائيل نعيمة وشوقي خيرالله و نصري سلهب وعباس محمود العقاد الذي وضع كتاب “حياة المسيح: في التاريخ وكشوف العصر الحديث”، وهو كتاب يصف حياة المسيح ويقدم رؤية حول المجتمع اليهودي في ذلك الوقت . كذلك القمص أنطونيوس فكري في كتابه “حياة المسيح و زمانه” و ألفرد إدرشيم الذي كتب كتاب “حياة السيد المسيح والزمان الذي عاش فيه”، وهو كتاب يتناول حياة المسيح في سياقها التاريخي والثقافي .- وخليل إدة اليسوعي في كتاب “العلم الصحيح فى حياة السيد المسيح (إنجيل الأحداث) .
ونذكر أيضا بتروس سميث الذي ألّف كتاب “حياة يسوع.. وهو كتاب سيرة المسيح الشعبية” .
وهناك المئات لا بل الآلاف غير هؤلاء الكتّاب والهدف من إبراز هذه الأسماء ، هو الدلالة على عظمة ومدى اهتمام البشرية وتعطّشها للمعرفة و الغوص في كل ما له علاقة بشخص يسوع المسيح و تعاليمه و انجازاته وعجائبه على الأرض و وعده بالملكوت السماوي ، و يأتي كتاب إيلي أبي سمرا : ” ما لم يُحكَ عن يسوع ” كقيمة مضافة على كل ما وضع من كتب ومؤلفات سابقة علّه يمنح سعادة روحية و صفاء للقلوب المعذّبة للناس الذين يشقون على هذه الأرض …
