
عادل النعمي (كاتب وناقد)
قبل الشروع في أي قراءة نقدية جادّة، يفرض السؤال نفسه بوصفه مدخلاً منهجيًا:
هل النص مبني على حدث أم على شخصية؟ لأن الإجابة هنا لا تغيّر زاوية القراءة فحسب، بل تغيّر كامل منظومة التقييم!
لنقل مجازًا إننا بدأنا من الشخصية:
في هذه الحالة، أطلقها كما هي، ككتلة نفسية حرّة، تتصرّف داخل العالم وفق تراكماتها العاطفية ومكبوتاتها اللاواعية، لأن الكاتب حينما يكتب عن شخصيات تشبه عالمه يدرك كيف يتحكم بها ـ ولكن الشرط أن تكون شخصيات بسيطة غير معقدة في انفعالاتها.
الحدث هنا لا يُختلَق من الخارج، بل يتكوّن بوصفه الامتداد الطبيعي لطبائع الشخصية، لا مفروضًا عليها ولا مُفتعَلًا لخدمة الحبكة.
أما إذا كانت الشخصية عميقة فمنذ البدء، الأمر يختلف جذريًا… هنا لا أكتفي بإطلاقها، بل أقيّدها بمسارات محسوبة، مسارات ناتجة عن معرفة دقيقة بأنماط الشخصيات المضطربة في علم النفس السلوكي (الأمريكي). نحن أمام معايير واضحة، موثّقة، خاصة في المدارس الأمريكية، تُحدِّد البنية النفسية للشخصية القلقة، أو الحدّية، أو النرجسية، أو القريبة من الاضطراب. عندها يصبح السرد ضربًا من المحاكاة النفسية الدقيقة، لا انفعالًا إنشائيًا.
أما إذا كان النص قائمًا على الحدث، فهنا تتّسع المساحة… لأن الحكاية في ذاتها ليست جوهر العمل، بل الحبكة أولًا، ثم المادة الخام للحكاية، ثم اللغة بوصفها أداة تشكيل لا غاية بذاتها.
في هذا السياق يأتي دوري ككاتب: لا أكتب وفق ترتيب خطّي، بل أبدأ من مدخل الفكرة؛ من النواة التي ستختصر عمرًا كاملًا، أو تجربة إنسانية، أو مفارقة وجودية ، أو لحظة تأملية (وبنوع أكثر من التسهيل، مداخل القصة القصيرة لا تتجاوز هذه الأبواب).
إذا أردت اختصار حياة كاملة من خلال فكرة عن شخص، فإن أنسب الأدوات هو أسلوب غابرييل غارسيا ماركيز، حيث تتحول السيرة إلى أسطورة شخصية، وقد كتبت بهذا المنهج قصتي “صانع الأمنيات”.
وإذا أردت بناء قصة من حدث واحد بسيط يتضخم دلاليًا، فإن أسلوب أنطون تشيخوف هو الأقدر، وقد اشتغلت به في “الكأس المقدسة” وإذا كان الصراع هو جوهر الفكرة، صراع الإنسان مع الطبيعة، أو الجسد، أو المصير، فإن أسلوب جاك لندن هو الأشد فاعلية، وبه كتبت “محكمة الجليد”.
أما إذا كان جوهر السرد قائمًا على مفارقة عدم تطابق الواقع مع أفكار الحياة، فإن إدغار آلان بو يقدّم النموذج الأكثر كثافة، وقد كتبت بهذا الحس “الهدوء المريب” عن المجنون الذي لا يدرك جنونه.
وفي المقابل، حين يكون الهدف هو الإمساك بلحظة واحدة عارية من الزمن، لحظة وعي خالص، فإن السرد يقفز فوق المنطق السببي، ويمنحنا فرصة لتكثيف الوجود في مشهد واحد، كما في قصتي “الارتواء المستحيل” قصة القط السكران، التي اشتغلت فيها على الفلسفة الوجودية من داخل الصورة لا عبر الخطاب.
المعضلة الحقيقية أن كثيرًا من الكتّاب والقرّاء لا يعون أن القصة القصيرة، بوصفها فنًا حديثًا، وُلدت في روسيا، ونضجت في أوروبا، وبلغت ذروتها التقنية في أمريكا لها تقنيات محددة مثل الطبخة التي تطبخ بمقادير وفي درجة حرارة معينة، لكي تخرج أفضل ما لديها من عمق, فإذا ادرك ابجدياتها القارئ ووعى أعماقها الكاتب أمسك بزمام هذا العالم… فتراثنا العربي، على أهميته السردية، فهو في معظمه حكايات، لا قيمة لها فنياً وليست هي قصص بالمعنى البنيوي الحديث! وهذا فارق جوهري لا يمكن القفز فوقه.
غياب هذا الوعي يجعل النقد مرتبكًا، والقراءة مضلّلة… تُقرأ النصوص بأدوات خاطئة، وتُدان لأنها لا تشبه ما ألفه القارئ، لا, لأنها ضعيفة بنيويًا… بل لأنه لا يدرك هذه الأساليب فيحكم بخبرته الناقصة, فيدمر النص نقدياً، ليظهر أنه على حق.
ولتوضيح الأمر بالمثال: حين أنجزت “الارتواء المستحيل” وهي عن قط سكران وكانت الكتابة عن لحظة واحدة في الوجود، وأصبح النص رغم سهولته فلسفيا… كتابتي لم تكن انفعالية أو حدسية، بل قائمة على تقنيات محددة:
بناء يقوم على تداخل الأزمن، تعدد مستويات الفهم داخل التجربة الواحدة، استعمال التداعي الحر، الحوار الداخلي بوصفه محركًا للسرد، الانزياح نحو الرمز بدل التصريح.
هذه الأدوات، لمن يعرف تاريخ القصة العالمية، هي أدوات اشتغل بها دي موباسان وغيره من مؤسسي القصة الحديثة، حين يدرك القارئ أو الناقد ذلك، يصبح النص أكثر شفافية، وأكثر متعة، دون الحاجة إلى تفكيك قسري، أو الجدل العقيم حول سؤال: هل هذه قصة أم لا؟
القصة ليست ما نألفه، بل ما يُكتب وفق وعي بالشكل، وبالتراث العالمي، وبالوظيفة العميقة للسرد!
ومن دون هذا الوعي، ستظل القراءة ناقصة، والنقد مجتزأ، والكتابة تدور في حلقة مغلقة.