يأخذنا الروائي (الكاتب العدل سابقًا) الأستاذ صخر عرب، في روايته الجديدة “نجمة الصبح”، الصادرة عن “مؤسسة ألف ياء” في بيروت، إلى رحلة مليئة بالدهشة، في عالم اختلطت فيه أبعاد المكان والزمان، بين شمال فلسطين وجنوب لبنان وولاية ميتشيغن بأميركا من جهة، وتشعبات الماضي والحاضر والمستقبل من جهة أخرى. ويضيف إليها عرب بُعدًا اجتماعيًا يبدو مثقلًا بقسوة الأعراف والأنظمة، وصراع النفوذ وقلق الهوية، واصطدام الحلم بالمحسوبيات وقسوة الواقع.
تروي لنا “نجمة الصبح”، على مدى ٣٠٠ صفحة، حكاية بناء أسرة، بعد شقاء العمل وأوزار الحروب والتقاليد والأنانيات، والثروة المكتشفة صدفة بالعثور على كنز ثمين. وتمرّ بنا بالحرب الكبرى (سفربرلك) التي ارخت بظلالها القاتمة على عائلات لبنان والبلاد السورية.
في عرضه الاجتماعي يعالج الروائي مسألة تربية الأبناء وتعليمهم وخاصّة الذكور منهم (القاضي، الطبيب، والضابط)، وتخصيصهم بالرعاية والدلال، مع أن نزعة تفضيل الذكور على الإناث، التي كانت مترسخة في ما مضى، أخذت طريقها إلى الاضمحلال والتلاشي. ينتقل إلى الحياة العسكرية بعد هزيمة 1967، بدءًا من مراحل التدريب الصعبة والصارمة، مع تزامن دخول العمل الفدائي الفلسطيني إلى لبنان وتأثيراته فيه، وكيفية الانسلاخ عن الحياة المدنية.
يركز الراوي على مسيرة حياة بطل روايته (علي) والمخاطر التي خاضها، ليضع قرّاءه في ظروف الحرب الأهلية اللبنانية وتعقيداتها، والخطر الوشيك المرافق لكل انتقال أو حركة، مرورًا بالاجتياحات الإسرائيلية المتكررة وموجبات التصدّي لها، والخطر المحدق بالناس، مدنيين وعسكريين، مع كل ما يعتمل في الصدور، والصراع النفسي بين واجب تنفيذ الأوامر أو رفضها والتملص منها، ليوصل الراوي بطله في نهاية المطاف إلى خيبة تصيبه في الصميم، وهو المناقبي في خدمته الأبي في سلوكه. فيترجم تلك الخيبة باستقالته من المؤسسة العسكرية عائدًا الى رحابة الحياة المدنية ودفء الاسرة، مع تصويره انعكاسات التجربة المليئة بالخيبات المتكررة على البطل اجتماعيًا وعاطفيًا.
يصحب عرب بطله في سفر بعيد، كقرار رافض للواقع مقدمًا شرحًا عن معاناة الأولاد الصغار… فهل يدرك البطل الاستقرار العاطفي العائلي الجديد الموعود؟ وهل يحول دونه المرض الذي أضنى الجسد والروح؟ ما هو دور التعاطف الأسري والعائلي في بناء الرواية شكلًا ومضمونًا؟ ما دور الشقيق الأكبر، الطبيب، بإنضاج شخصية البطل وتخطّي المشاكل والصعاب؟ هل كان صخر عرب يسير على طريقة الأدباء الحديثين ونهجهم من اتبّاع المدرسة الفرويدية بالتحليل النفسي لبناء القصّة الاجتماعية (ستيفن زفايج، البرتو مورافيا، احسان عبد القدّوس، ويوسف السباعي) وكم ساهم بمعالجة قضايا المجتمع وتربية الأسرة وإشكالية تراخي سطوة التقاليد والعادات لتتحول إلى روابط حب وثقة وجمال؟ اين تكمن “النجمة” في الرواية وما دورها بترابط التاريخ والجغرافيا والمجتمع؟