بقلم/ أميرة ناجي_ فنانة تشكيلية
(أولى ميزات الرسم هي أن يكون متعةً للعين)– أوجين ديلاكروا
يعد أوجين ديلاكروا أحد أعمدة الفن الفرنسي الحديث وأبرز من أرسى دعائم الحداثة في الرسم الأوروبي فقد جمع في فنه بين العاطفة الجامحة والوعي الجمالي وبين الدراما البصرية والحس الإنساني العميق كان ديلاكروا فنانا متمردا على النمطية متصالـحا مع اختلافه ومتقنا لكل وسائط التعبير الفني من القلم الرصاص والحبر إلى الألوان المائية والباستيل وصولا إلى الطباعة الحجرية التي بلغ فيها ذروة الإبداع كما تجلى ذلك في أعماله المستوحاة من فاوست لغوته وهاملت لشكسبير
لم يكن ديلاكروا مجرد رسام يتقن التقنية بل مبدعا يحول الخيال إلى تجربة حسية ويجعل من الصورة ساحة لصراع الفكر والروح وقد وصفه الصحفي الليبرالي أوغست فاكيري بعد معرض عام ١٨٨٥ بأنه حداثي بارع فيما رآه النقاد أحد الذين أحدثوا ثورة في الفن من خلال إضفاء الطابع الحداثي حتى على الموضوعات الكلاسيكية
ورغم عزوفه عن الانخراط المباشر في السياسة فإن أحداث ثورة يوليو ١٨٣٠ الفرنسية هزت وجدانه بعمق فاستجاب لها بلغة فنه لا بخطاب سياسي فأنتج واحدة من أكثر لوحاته شهرة وإثارة للجدل الحرية تقود الشعب هذه اللوحة لم تكن مجرد مشهد واقعي بل تحولت إلى أيقونة بصرية للحرية والكرامة الإنسانية وإلى وثيقة فنية خالدة تعبر عن لحظة مفصلية في تاريخ فرنسا الحديث
أنجز ديلاكروا لوحته الزيتية عام ١٨٣٠ وجعلها مرآة للروح الثورية التي اجتاحت باريس آنذاك وقد عرضت لاحقا في متحف اللوفر لتغدو من أبرز الأعمال التي تجمع بين الواقعية الرمزية والعاطفة الرومانسية في هذه اللوحة تظهر الحرية مجسدة في هيئة امرأة تسير بخطى ثابتة فوق الركام والجثث تمسك في يدها اليمنى العلم الفرنسي ثلاثي الألوان وفي اليسرى بندقية بينما يتدلى فستانها الممزق كعلامة على نبل المعاناة جسدها الفنان بملامح تجمع بين القوة والأمومة العري والقداسة لتغدو رمزا للولادة الجديدة للأمة الفرنسية
لم تكن هذه المرأة كائنا أسطوريا بل رمزا واقعيا متجذرا في الحياة اليومية تقود خلفها شعبا من الطبقات المختلفة العامل والطالب والطفل والمثقف على يسار اللوحة يظهر العامل بثياب متسخة ومئزر بسيط يحمل مسدسه كمن يعلن انتماءه للثورة وبجواره رجل أنيق بقبعة سوداء ومعطف طويل يحمل بندقية صيد في إشارة إلى مشاركة الطبقة الوسطى في النهوض الشعبي وفي مقدمة المشهد فتى مراهق يسقط بين الحجارة محاولا النهوض في دلالة مؤثرة على تداخل الطفولة والموت في زمن الثورة بينما يذكرنا الفتى الصغير الذي يطلق النار على اليمين بشخصية غافروش في رواية البؤساء لفيكتور هوغو كأن الفن والأدب التقيا على فكرة واحدة أن الحرية لا تعرف عمرا أو طبقة
لم تكن الحرية تقود الشعب مجرد تسجيل لحدث سياسي بل عملا ينتمي إلى الدراما الإنسانية التي جعلت من الجسد البشري مسرحا للألم والبطولة لقد أدرك ديلاكروا أن الثورة ليست فقط ساحة للدماء بل لحظة ميلاد جديدة للفكر والإنسان وبهذا المعنى لم يقدم الفنان لوحة دعائية بل سيمفونية بصرية يتصاعد فيها الإيقاع اللوني بين ظلمة الموت ونور الأمل بين الدخان والتراب والعلم الذي يلوح كصوت للحرية
كتب الصحفي فاكيري في وصف ديلاكروا إنه حديث في العصور الوسطى وحديث في العصور القديمة وحديث يتجاوز الزمن فمن الخطأ الاعتقاد أن الحداثة رهينة الموضوعات المعاصرة فالحداثة تكمن في روح الفنان لا في زمن الحدث وهذا ما يجعل ديلاكروا خالدا في الذاكرة الفنية فلوحته تجاوزت إطارها الزمني لتصبح رمزا عالميا للثورة والحرية الإنسانية وصورة ناطقة بروح القرن التاسع عشر بكل ما فيه من توتر وحلم وإيمان بالمستقبل
لقد تركت لوحة الحرية تقود الشعب أثرا عميقا في تاريخ الفن الحديث وأصبحت علامة تتجاوز الحدود الفرنسية إذ جسدت بصدق فكرة المقاومة والبحث الدائم عن الكرامة الإنسانية وحرية الاختيار فكانت بمثابة إعلان بصري عن أن الفن قادر على أن يكون صوتا للتاريخ وضميرا للإنسانية وأن الجمال حين يقترن بالحرية يصبح أبلغ من أي خطاب سياسي أو نداء ثوري


