أعيروني
قدحاً من قهوةٍ
ولا تزيدوا
وبعضَ قُصاصاتٍ
وإن كانت عقيمة
ولا تُغني من …
…. وصلٍ
ودعوا الباليةَ
في مهبِّ الريحِ
أعيروني ..
… ما تقتاتُ عليهِ
الروحُ …
…. وتمارسُ بهِ السهر
في ليالٍ خَرساء
عاقرت صمتاً
بلا بوحٍ ..
.. وإن تحركت الشفاهُ
كوريقاتٍ تريدُ السقوطَ
إبّان خريفٍ ..
أعيروني …
ولا تغلّوا خبرَها
وإن كان بنصفِ لسانِ
حرفٍ …
….. أو تأتأة قلمٍ مقصوفٍ
تحشرجَ في جوفه …
….. الحبرُ
واعتلتهُ غَصةٌ
فاعتقلت الرسمَ
قبل الصدى
دعوهُ ….
….. وإن كان بلا
هويةٍ
فهي ….
…….. قادرةٌ
على ترميمِ شتاتي
وجمعي ……
……… ووشمي
على نهدٍ تلمّظَ أمامهُ
ظِلّي ..
وتكففَ كَفُّ طينِِ
معجونٍ ….
…. بماءِ الذكرياتِ
دعوني …
…… كحقيبةِ سفرٍ
فارغةٍ
أُميّة التأشيرةِ ….
…… أُمَميّة البوحِ
لينتحر النبض المهاجر
على مشهدٍ …
… من وكالاتِ أنباءِ
العشقِ الممنوعِ ..
ونخّاسي المشاعر
سياطُ مراسليهم
تَجلدُ صدى صرخةٍ
تأرجحَ ….
…. ما بين حناجر الوترِ
والوريدِ
هشام صيام
___________
لو كل امرىء في هنيهة تأمل يستعرض شريط حياته اي سيرته الذاتية فتعرف الى ما يعتريها من شوائب او يزينها من خصال جميلة تلك القراءة لنص يخصك تعرف أسراره وتعرف كيف اجتزت مصاعبه وتذوق حلاوة ما كان جميلا ومفيدا لو قرأت ذلك بلغة النقد الادبي والفلسفة.. لأنشأت لك منصة وعي لذاتك واثقة ولادركت كيف تحقق سلاما لها وكيف تواجه صعوبة ما فالنص سيرة ذاتية لحال عرض شريط من حياة مر بها كاتب او شاعر .. وأراد أن يتكلم عليها بلغة خاصة فجاء بحياة موازين افتراضية تحمل حكمه وكيف يرى الى العالم الذي يعيشه وما هو موقفه من ظواهرة التي تفرض نفسها كحصار على سيرته ومسيرته يحتاج لحل…
اذا انا امام نص هو سيرة ذاتية لحال يقف عندها الشاعر ليرى الى العالم الذي يعيشه محاصر يحتاج الى فك الحصار عنه لينعم بالسلام النفسي..وليثق بذاته فيكمل حياته بحرية اكبر ..
اللغة شعرية حرة من نوع قصيدة النثر .. اي لها فكرة محورية تنتشر حولها افكار ثانوية وصور ..فلها حدود وفضاء خاص وهذا من طبيعة الشعر أن يبدع الشاعر للفكرة /الحال فضاء خاصا لم نره من قبل …فهل نرتاح لدعوته أن ندخل فضاء شعريته ام نغادره ؟
وفيها هذه القصيدة فكرة عدم التواصل مع الآخر /الجماعة التي ينتمي اليها الشاعر.. هي المحور . ..
ولها صفات معروفة كالتكرار الذي وفرته جملة “اعيروني” والترادف في ثلاث فقرات اذا يعدد ما هو مفتقر له عند جماعته وهذا هو الترادف لاقناع القارىء بالدخول..
وفي القصيدة صفة اخرى من صفات قصيدة النثر وهي الإيقاع الذي يناغم الانفعال والذي رسمه الشاعر باستعمال البياض لان الشعر مكتوب وفي التنقيط اذا كانت النفس تقف عند النقاط كمن يلتقط لهاثه او ينفث عتبه او لومه او يأسه …
وهذا بين فيها ولغتها قليلة الانزياحات ولكنها مكثفة وفيها تدافع الحالات مثلا ..في الفقرة الأخيرة حقيبة وهو الحقيبة وهذا انزياح فيها نخاسي المشاعر وسياط المراسلين ووكالات العشق الممنوع…فضاءات كثيرة تدافع داخل نبض مهاجر يريد الانتحار لانه مرفوض بلا تأشيرة سفر والبوح عام ليس خاصا .. هذا التكثيف يضيق به النفس اذا ما افتكرنا فيه وتأملنا..ضياع بلا هوية خاصة تجار بشر كبح حريات وانتهاك محرمات ..
فلا وسع لكلام والكلام يتفرج بين وتر وحنجرة .. فمن أراد أن يستعير منهم جاء بهم الى داخل ذاته الحقيبة ليسافروا في نبضه فوجد ما وجد من حصار رهيب. ومن مصائب قاتلة .اي ان مجتمع جماعته اذا انتهى إليه اي قبل أن يعيره ما طلب ..علق مصلوبا ..
فقصيدة النثر هذه بصفاتها التي ذكرتها استطاعت أن تبني دعوتها بلا انفعالات وأفكار جاهزة. .. معجمها قريب من المتداول سهل..
فالتراكيب أحوال ف”قدح من قهوة ” يضمر تحته فسحة من مكان وزمان للمحادثة وتبادل الاراء اي تواصل وتعارف وانس والفة ولقاء …ان أردنا القهوة شرابا او اردناها خمرة ..فالنتيجة واحدة، فالجامعة تملك ذلك لذلك يطلب أن تعيره قدحا منها .. فجملة “اعيروني “
الفرد يقف امام جماعة لا يملك وهم يملكون اي يشعر بالنبذ والعزلة وقصاصة وإن كان عقيمة
اي يريد جزءا مما يقرؤون ولو كان غير مثمر ..وهذا الطلب يشعر ه انه يشاركهم فكرهم ..والطلب الآخر في تغذية الروح للسهر والسمر اي مشاركة في الفرح ..كالموسيفى وغيرها
اي قضاء بعض الليل معهم ..وكذلك طلب خبرهم اي تاريخهم وقلم ولو مقصوفا.. يمنحه هوية ويجمع شتاته وهكذا كان طلبه لينتمي إليهم ولو كانت كل أحوالهم غير مجدية عقيمة تقتل الرسم قبل الصدى .. اي حرف بلا أثر
هل يطلب ما يقتله ؟
هل عزلته اشد وقعا عليه من العقم والسطوة وعدم الإنتاج الفكري ..؟
فاذا ما بنينا الثنائيات لوحدنا أن رؤيته طي سلبياتهم.. يريد عالما فيه تواصلا والفة وفكرا واهتماما بالفنون. وفيه ابتعاد عن الاستبداد الذي يرفضه العالم اذا أردنا أن نتعارف معه فالنبض المهاجر يرتد خاسرا الينا اذا ما قدمنا أنفسنا …
وهكذا نرى أن فك الحصار يكون بالاعتراف بما لدينا من مصاعب تمنع التواصل مع الذات ورقيها ومع الآخر ..في داخل الجماعة وخارجها.. كل بنية معرفية تحمل ضدها في جسم القصيدة..
فالقلم المقصوف يعادله في المخيال يراعة بواحة بما في صدورنا ..وفي فكرنا فلا يحشرج حبرها ..فماء الذكريات
اي مراجعة الذات تبدع طينا جديدا اي نخلق ذواتنا الجديدة ..

سليمان جمعة