
الدكتور سعيد عيسى
في الفضاء الرقمي المزدحم الذي يوسم ملامح هذا الشتاء من عام 2026، يبدو أنّ أغنية “ويلي” للفنان الشامي قد تجاوزت كونها مجرد نجاح تجاري عابر في آلة صناعة “البوب” العربية، لتستحيل إلى ظاهرة مركزية تعبر عن إعادة تشكيل الوجدان الجمعي في عصر السيولة الثقافية. إنّ الاستماع إلى هذا العمل اليوم لا يتطلب أذناً موسيقية رصينة بقدر ما يتطلب بصيرة ترصد كيف تتحول الأصوات إلى ملاذات بديلة للهوية حين تضيق الجغرافيا بأصحابها، وحين تصبح الحدود مجرد خطوط وهمية أمام تدفق الترددات الصوتية التي تخترق جدران المنافي والمدن البعيدة. نحن أمام نص سمعي يقطع بجرأة مع التقاليد الطربية الكلاسيكية التي سادت لعقود، ليؤسس لما يمكن تسميته بـ “جماليات الاغتراب الحديث”، حيث يمتزج الشجن المشرقي الأصيل بإيقاعات “التراب” و”السينث-بوب” العالمية، محولاً صرخة الألم الفردية إلى إيقاع جماعي يتردد صداه بين أزقة دمشق وبيروت وعمان، وصولاً إلى ضواحي برلين وستوكهولم ونيويورك، معلناً ولادة “عصبية رقمية” جديدة لا تلتفت للحدود المرسومة على الخرائط بل لتلك المحفورة في الترددات.
إنّ القوة الكامنة في هذه الأغنية لا تنبع من الكلمات بحد ذاتها، بل من تلك النبرة الصوتية التي تحمل في طياتها تاريخاً طويلاً ومثقلاً من الترحال والنزوح والبحث المستمر عن المستقر؛ فالصوت هنا يعمل كأداة هندسية لبناء “وطن افتراضي” لا يحتاج إلى تأشيرات دخول، حيث يجد المستمع السوري المغترب، أو اليمني الذي يرقب البحر، أو اللبناني الذي يصارع الانهيار، أنفسهم في تلك “الآه” الممدودة التي تدمج بين الوجع القديم والنبض الإلكتروني الحديث. في زمن تشتت فيه المجتمعات العربية وتوزعت ديموغرافياً بين عواصم العالم، تأتي هذه الموسيقى لتعيد لمّ الشتات تحت مظلة نغمية واحدة توحد المشاعر دون الحاجة لوحدة سياسية، وهي تعكس حالة من “القلق الوجودي” لجيل نشأ وسط التحولات الكبرى والحرائق التي لم تنطفئ تماماً، جيل لم يعد يجد في المقامات الطويلة والتقاسيم التقليدية المهللة والمبجلة ما يعبر عن سرعة حياته المتلاحقة وتشرذم انتباهه بين شاشات الهواتف، فاستبدلها بـ “القفلات” السريعة والمؤثرات الصوتية التي تمنح شعوراً مضاعفاً بالوحدة في قلب الزحام، حيث يتحول الإيقاع من مجرد ضبط زمني للملحن إلى انعكاس مباشر لنبض المدن الحديثة التي لا تنام، والتي تختلط فيها مشاعر الحب المبتور بالخوف من الفقد المفاجئ، والرغبة في الاستقرار الجسدي بالحاجة الدائمة للرحيل النفسي.
ومع انسياب اللحن وتصاعد حدته، نلحظ بوضوح تراجع السرديات الكبرى والخطابات الأيديولوجية الرنانة لصالح “اليومي والمعاش” في أدق تفاصيله وأكثرها هشاشة، فاللغة المستخدمة في “ويلي” هي لغة “الدردشة” والمقاهي الافتراضية، لغة خالية من التكلف البلاغي الذي ميز حقبة العمالقة، مما يجعلها تخترق الحواجز الطبقية والاجتماعية بسهولة مذهلة، وهذا “الصدق الخام” في التعبير يمثل تمرداً صامتاً، لكنه حاد، على الأشكال الفنية الرسمية التي طالما حاولت قولبة العاطفة العربية في إطارات من الوقار المصطنع أو البطولات الوهمية. اليوم، أصبح المستمع يبحث عن نفسه المنكسرة في الأغنية، يبحث عن هزائمه الصغيرة ومراراته التي لا تجد مكاناً في نشرات الأخبار الرسمية، وهو ما يفسر الانتشار الطاغي لهذا العمل على منصات التواصل الاجتماعي حيث تتحول الأغنية إلى “قناع أدائي” يرتديه الملايين ليعبروا عن حالاتهم النفسية في فيديوهات قصيرة، محولين تجاربهم الشخصية الحميمة إلى استعراض بصري معولم يذيب الفوارق تماماً بين ما هو خاص وما هو عام، وبين ما هو محلي مغرق في “البيئة” وما هو كوني يطمح للتصدر في قوائم “البث” العالمية.
علاوة على ذلك، يبرز في هذا العمل الفني نوع من “الهجنة الثقافية” المتطورة التي لم تعد تخجل من جذورها ولا من طموحاتها المعولمة، حيث نرى استخدام الآلات الشرقية كالعود أو الناي بتوزيع يميل إلى “المينيماليزم” الإلكتروني، وهو ما يعكس رغبة الجيل الحالي في التصالح مع إرثه الثقافي دون الانحباس في سجنه التقليدي، إنها عملية “تحديث قسري للذاكرة”، حيث يتم استدعاء الأنماط اللحنية القديمة التي ورثها هؤلاء الشباب عن أجدادهم، ووضعها في سياق تكنولوجي يحاكي أصوات المستقبل والآلات الذكية، وهذا التداخل يجسد بدقة حالة “الإنسان المعاصر” الذي يعيش بجسده في الحداثة الرقمية، بينما يظل قلبه معلقاً بتفاصيل صغيرة من ركام الماضي الجميل أو المؤلم على حد سواء. الموسيقى هنا لم تعد مجرد خلفية صامتة للرقص أو الاسترخاء، بل أصبحت “بياناً هوياً” يعلن بوضوح أنّ الأصالة لا تكمن في الجمود أو الحفاظ على “نظافة” النوع الفني، بل في القدرة على التجدد والاشتباك الجريء مع الراهن الكوني بمفردات محلية لا تخطئها الأذن.
إنّ نجاح “ويلي” في تصدر المشهد اليوم يطرح تساؤلات عميقة ومقلقة حول دور الفن في ترميم الشروخ الاجتماعية التي أحدثتها الحروب والنزاعات، فبينما تفشل السياسة الرسمية في توحيد الرؤى أو بناء تفاهمات مشتركة، تنجح هذه النغمات في خلق “إجماع وجداني” عابر للحدود وللسياسات، فالأغنية تخلق حالة من “الحميمية الرقمية” عبر الأثير، حيث يشعر المستمع في أيّ بقعة جغرافية، سواء كان في مخيم للنزوح أو في برج عاجي في إحدى العواصم، أنه جزء من جماعة بشرية كبرى تتشارك نفس الألم الوجودي ونفس الأمل الضئيل، وهذا النوع من الفن يعيد إنتاج “الجسد الاجتماعي” المفتت عبر الشاشات، مخففاً من حدة العزلة القاتلة التي تفرضها أنماط الحياة الحديثة القائمة على الفردانية المفرطة والاستهلاك اللحظي. إنّنا أمام موسيقى يمكن تسميتها بموسيقى “ما بعد الصراع”، وهي موسيقى تحاول بجدية أنْ تلملم شظايا الروح المتناثرة وتعيد صياغتها في قالب جمالي يمنح الناس “الشرعية” في الحزن والبهجة معاً، دون شعور بالتناقض أو الذنب التاريخي تجاه القضايا الكبرى.
وبالتعمق في بنية الأداء الغنائي للشامي، نجد أنه يقدم نوعاً من “الاستسلام الواعي” الذي يستهوي جيل ـ “Z” وما بعده، فهو لا يحاول أنْ يكون المطرب “السوبرمان” الذي لا يُقهر، بل يغني بهشاشة إنسانية واضحة، متلاعباً بطبقات صوته بين القوة والضعف، وهو ما يعكس التغير في مفهوم “الرجولة” في الفن العربي المعاصر، حيث أصبح البكاء والاعتراف بالهزيمة العاطفية جزءاً من الجاذبية الفنية، وهذا التحول السلوكي يعبر عن نضج في تقبل الذات البشرية بعيداً عن القوالب النمطية. الأغنية بهذا المعنى تصبح ممارسة “تطهيرية” للجمهور، حيث يجدون في كلمات “ويلي” صدى لإخفاقاتهم التي يخفونها خلف صورهم المثالية على “إنستغرام”. إنها لحظة مواجهة مع “الظل” الجماعي، حيث يتم الاعتراف بأننا جميعاً نتألم، وجميعاً تائهون في هذه الدوامة الرقمية، وأنّ الموسيقى هي الخيط الوحيد الذي يمنعنا من السقوط التام في فخ العدمية.
إنّ التحليل لهذه الظاهرة الموسيقية في مطلع 2026 يكشف أيضاً عن تحول في بنية السلطة الفنية وتوزيع القوى؛ فالمستمع اليوم هو “المنتج الفعلي” للأغنية من خلال تفاعله المباشر ومشاركته للروابط واستخدام المقاطع الصوتيّة كخلفية لحياته اليومية، وليس شركات الإنتاج الضخمة التي كانت تسيطر على الذوق العام وتفرض ما يجب سماعه، وهذا النمط من النجاح يعكس “ديمقراطية النغمة” في أبهى صورها، حيث تفرض الأغنية نفسها بقوة “الترند” وتكرار الاستماع العفوي الذي لا يمكن شراؤه بالمال التقليدي. إنّ الإنسان العربي في هذا العصر يبحث عن “البطولة المهزومة”، أيْ ذلك البطل الذي يعترف بضعفه، ويبكي “ويله” علانية، ويشارك العالم إخفاقاته العاطفية والوجودية، وهذا يمثل انتقالاً جذرياً من صورة “المطرب الفارس” أو “المطرب الوقور” إلى صورة “المطرب الإنسان” الذي يشبهنا في انكساراتنا اليومية وفي رغبتنا المحمومة في الصراخ وسط الصمت العالمي، لذا فإن “ويلي” ليست مجرد لحن راقص أو عابر، بل هي مرثية ذكية للذات العربية التي تحاول النهوض من تحت الأنقاض عبر نافذة الفن الصغير والمؤثر.
وفي ختام هذا المشهد السوسيو-ثقافي الذي يلفنا، يتضح أنّ تصدر هذه الأغنية للقوائم العالمية ليس مجرد صدفة إحصائية أو نتاج حملة تسويقية ذكية عبر المؤثرين، بل هو تعبير عن لحظة نضج ثقافي فارقة استطاع فيها الفنان العربي الشاب أنْ يجد لغة عالمية تتحدث بلكنته الخاصة وتفهمها القارات الأخرى التي بدأت تنجذب لهذا النوع من “الشرق الجديد”. إنها الموسيقى التي تخرج من رحم التجربة الإنسانية العميقة والمؤلمة لتخاطب العالم بلغة “الشجن الكوني” الموحد، حيث تذوب الفوارق بين دمشق وبيروت والقاهرة والمغرب العربي في هذا اللحن الذي يثبت أنّ الحنجرة التي عانت طويلاً من وطأة الجغرافيا السياسية القاسية ومن حصارات المكان، هي نفسها التي تمتلك اليوم مفاتيح الفضاء الرقمي الشاسع. تظل هذه الأغنية صدى حياً لواقعنا المعقد، ومنارة صوتية تهدي التائهين في دروب التكنولوجيا المتسارعة نحو مرافئ الشعور الإنساني الصادق، مؤكدة أنّ الفن، في نهاية المطاف، سيظل هو الخيط الأخير والوحيد الذي يربطنا بحقيقتنا الجوهرية مهما اشتدت رياح التغيير، ومهما تاهت أقدامنا في دروب الشتات، فإن النغمة الصادقة ستظل هي البوصلة التي تعيدنا دائماً إلى أنفسنا.