
الشارقة- مروان ناصح
خاص غرفة 19
وفي “بيت النابودة” التراثي أيضا، جاءت المحاضرة الثانية مساء السبت 7 شباط فبراير تحت عنوان (الحِرف التراثية: الحضور والأثر)، لتفتح نافذة واسعة على عالم الحِرف الشعبية بوصفها ركيزة من ركائز الهوية الثقافية، وذاكرة حيّة للأوطان.
شارك في هذه الندوة كلٌّ من الباحث والفنان الإماراتي عبد الله صالح، والدكتور المصري خالد متولي، فيما أدار الجلسة الدكتور الإماراتي خالد الشحي، بحضور نوعي عكس الاهتمام المتزايد بهذا المجال الحيوي.
استهل الفنان عبد الله صالح مداخلته بالحديث عن تجربته الشخصية مع الحِرف التراثية، مؤكّدًا أنّ اهتمامه بهذا المجال بدأ من خلال دورة تدريبية متخصصة، كانت الشرارة الأولى لمسيرته في توثيق هذا التراث. وقد أثمرت هذه التجربة عن إصدار كتاب موسوعي من 204) صفحات)، تناول فيه مختلف الحِرف التراثية الإماراتية، ليُعدّ من أوائل الكتب الرائدة في هذا الحقل.
واستعرض عبد الله صالح محتويات كتابه، موضحًا منهجيته في التوثيق، وجمع المعلومات، وتقديمها بصورة علمية وفنية في آن واحد. كما بدا واضحًا في طرحه حرصه العميق على حماية هذا الموروث من الاندثار، داعيًا إلى ضرورة إيجاد آليات حديثة للحفاظ على الحِرف، وتشجيع ممارسيها، وربطها بالمشاريع الثقافية والتنموية، باعتبارها جزءًا أصيلًا من هوية الإمارات وذاكرتها الجمعية.
أما الدكتور خالد متولي، فقد قدّم عرضًا ثريًا عن تجربة الدولة المصرية في صون الحِرف التراثية، مستعرضًا جملة من الإجراءات والمؤسسات والمبادرات الهادفة إلى حماية هذا القطاع. وضرب مثالًا بصناعة الزجاج المنفوخ، التي تصل فيها حرارة الأفران إلى نحو 900 درجة مئوية، ما يجعلها من أخطر الحِرف التقليدية، مما يدفع كثيرًا من الحرفيين إلى العزوف عن توريثها لأبنائهم خوفًا عليهم.
كما تناول متولي إشكالية تسويق المنتجات التراثية، مشيرًا إلى سيطرة الوسطاء على تحديد الأسعار، وهو ما يُضعف مردودية الحِرفة ويُثقل كاهل الحرفيين. وبيّن أن هناك محاولات جادة للتقليل من دور الوسيط، عبر دعم التسويق المباشر، والمنصات الرقمية، والمعارض المتخصصة، بما يضمن عدالة العائد واستمرارية المهنة.
من جهته، أغنى الدكتور خالد الشحي النقاش بعدد من المداخلات المهمة، ركّز فيها على البعد التربوي للحِرف التراثية، داعيًا إلى إدماجها في المناهج الدراسية، سواء من خلال الأنشطة العملية أو البرامج الثقافية، باعتبار المدرسة الحاضن الأول لغرس الوعي بالتراث، وضمان انتقاله بين الأجيال.
وقد خلصت المحاضرة، في مجملها، إلى التأكيد على أن الحِرف التراثية ليست مجرد مهن تقليدية، بل هي تعبير عن منظومة قيم، وذاكرة مجتمعية، وخبرات متراكمة، لا يمكن التفريط بها لئلا نفقد جزءًا من هويتنا الثقافية والإنسانية الأصيلة.