فعاليات أيام الشارقة 2 ندوتان تتكاملان في تأصيل التراث وإحيائه
خاص غرفة 19
الشارقة. الكاتب مروان ناصح

في قاعةٍ تتنفس عبق الذاكرة من “بيت النابودة” التاريخي، وفي أجواء أيام الشارقة التراثية، التأمت ندوتان فكريتان بالتتالي مساء الأحد 8 فبراير، جاءت الأولى بعنوان “وهج الأصالة في راهنالتراث”، لتعيد طرح السؤال القديم المتجدّد: كيف نحفظ تراثنا دون أن نحوّله إلى أثرٍ جامد؟ وكيف نمنحه حياة جديدة في زمن السرعة والتبدّلات المتلاحقة؟
شارك في الندوة كلٌّ من الأستاذ إيهاب الملاح، مدير في دار المعارف بمصر، والدكتور محمد بغدادي، مدير تحرير مجلة روز اليوسف، وأدار الحوار الدكتور سلطان المزروعي من معهد الشارقة للتراث، في إدارة اتسمت بالهدوء والعمق وحسن التوجيه.
استهلّ الأستاذ إيهاب الملاح مداخلته باستعراض تاريخ الاهتمام العربي بالتراث، منذ جهود طه حسين وتلامذته، مرورًا بمشاريع التحقيق والنشر والدراسة، وصولًا إلى المرحلة الراهنة التي شهدت تضاعفًا ملحوظًا في الإنتاج المعرفي المتصل بالموروث العربي.
وأشار إلى أن هذا التراكم لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة وعي ثقافي تشكّل عبر عقود، وأسهم في ترسيخ التراث بوصفه مكوّنًا أصيلًا في الهوية الفكرية العربية.
وفي سياق بالغ الدلالة، توقّف الملاح عند تجربة دار المعارف المصرية، التي يزيد عمرها اليوم على مئة وثلاثين عامًا، وتضم في أرشيفها ما يقارب خمسين ألف عنوان، شكّلت عبر أكثر من قرن ذاكرةً معرفيةً متراكمة للأجيال العربية.
غير أن تتابع الأزمنة، وتقلب الظروف، وضعف التوثيق في بعض المراحل، أدّى – بحسب الملاح – إلى ضياع عدد غير قليل من هذه المنشورات، حتى باتت بعض الكتب مفقودة، لا يُعرف عنها اليوم سوى عناوينها أو إشارات عابرة في الفهارس القديمة.
وأكد أن هذا الفقد لا يُعدّ خسارة مادية فحسب، بل خسارة ثقافية ومعرفية، تمسّ الذاكرة الجمعية للأمة، وتحرم الباحثين من مصادر كان يمكن أن تضيء جوانب مجهولة من تاريخ الفكر العربي.
وفي مقارنة لافتة، أشار الملاح إلى الفارق الكبير بين الماضي والحاضر في مجال حفظ المعرفة، مبيّنًا أن الوسائل الرقمية الحديثة تتيح اليوم أرشفة دقيقة وشاملة، تحفظ النصوص والصور والوثائق والبيانات، وتمنع ضياعها مهما طال الزمن.
غير أنه نبّه في الوقت نفسه إلى أن التقنية، رغم أهميتها، لا تعوّض غياب الوعي الثقافي، ولا تغني عن وجود مؤسسات فاعلة، ورؤية استراتيجية، تحسن إدارة هذا الإرث وحمايته.
من جانبه، اختار الدكتور محمد بغدادي أن ينطلق من تجربته العملية بالمشاركة في إعادة كتابة ملحمة التغريبة الهلالية، ليفتح أفقًا أوسع حول الأدب الشعبي بوصفه ذاكرة جمعية لا تقل قيمة عن الأدب الفصيح.
وأكد أن التراث الشعبي ليس حكايات تُروى للتسلية، بل خزان خبرة وتجربة وحكمة، تختزن رؤية المجتمع لذاته وللعالم.
وفي سياق لافت، استحضر بغدادي تجربة زيارته للصين، حيث لمس حضور التراث في تفاصيل الحياة اليومية، من السلوك الاجتماعي إلى الفنون واللغة والعمل، مشيرًا إلى أن الصينيين يتعاملون مع موروثهم بوصفه امتدادًا حيًا لهويتهم عبر العصور، لا مادة للعرض الموسمي أو الاحتفاء المؤقت.
وتقاطعت مداخلات الضيفين مع آراء عدد من المتدخلين من الحضور، حول ضرورة تضافر الجهود بين الأفراد والمؤسسات الثقافية والتربوية، من أجل غرس قيم التراث في وجدان الأجيال الجديدة، لا عبر التلقين، بل من خلال تربية الذائقة الجمالية، وتنمية الحسّ بالانتماء، وتحويل التراث إلى تجربة معيشة.
وقد لعب الدكتور سلطان المزروعي دورًا محوريًا في إدارة الحوار، من خلال حسن توزيع الكلمة، وطرح الأسئلة الموجِّهة، وربط الأفكار ببعضها، بما أضفى على الندوة طابعًا تفاعليًا بعيدًا عن الرتابة الأكاديمية.
وقد خرج الحضور من الندوة وهم يدركون أن التراث ليس ماضيًا نلوذ به هربًا من الحاضر، ولا مادةً نستهلكها في المناسبات، بل طاقة رمزية وثقافية قادرة على إضاءة الطريق، إذا ما أُحسن التعامل معها.
كما أكدت هذه الندوة، مرة أخرى، أن صون الذاكرة لا يكون بالحفظ وحده، بل بإعادة الفهم، وإحياء المعنى، وربط الجذور بالآفاق، حتى تظل الأصالة وهجًا حيًا في زمن التحوّل.
أما الندوة الثانية، فكانت بعنوان “الجهود المؤسسية لحماية التراث”‘وشارك فيها كلٌّ من الشيخة سلامة بنت خليفة، والدكتور موسى الهواري، وكلاهما من دائرة الثقافة والسياحة في إمارة أبو ظبي، وأدارتها الدكتورة شيخة المطيري، حيث قدّما عرضًا متكاملًا عن الرؤية المؤسسية الشاملة التي تنتهجها الدائرة في صون التراث المادي واللامادي، وتعزيز حضوره في الحياة العامة.
وتناول المتدخلان مختلف مجالات العمل التراثي، من إدارة المتاحف الكبرى، وفي مقدمتها متحف اللوفر أبو ظبي، إلى رعاية المواقع التاريخية، والقصور، والقلاع، والآثار، في إمارة أبو ظبي، ولا سيما في مدينتي العين والظفرة، اللتين تتميزان برصيد حضاري عريق، يجمع بين العمارة التاريخية، والواحات، والحصون، والموروث الاجتماعي المتجذر.
كما استعرضا الجهود المبذولة في حماية التراث غير المادي، بما يشمله من عادات، وتقاليد، وفنون شعبية، وممارسات اجتماعية، مؤكدين أن الحفاظ على هذا الجانب لا يقل أهمية عن صيانة الحجر والمكان.
وفي سياق متصل، ركّز المتحدثان على البعد التعليمي في مشروع حماية التراث، من خلال التعاون الوثيق مع وزارتي التربية والثقافة، والجهات المعنية الأخرى، لتفعيل البرامج المدرسية والأنشطة اللاصفية، بهدف ربط الأجيال الجديدة بموروثها الثقافي، وتحويل التراث من مادة معرفية جامدة إلى تجربة معيشة ومتفاعلة.
كما أشارا إلى النجاحات التي حققتها الدائرة في تسجيل عدد من عناصر التراث الإماراتي ضمن قوائم منظمة اليونسكو، بما يعكس الاعتراف الدولي بقيمة هذا الموروث وفرادته.
وشهدت الندوة تفاعلًا لافتًا من الحضور، الذين أثروا النقاش بمداخلاتهم وآرائهم الثمينة، متوقفين عند تجاربهم الشخصية في التعامل مع التراث، ومقترحين سبلًا عملية لتعزيز حضوره في الإعلام، والتعليم، والسياحة الثقافية، وحمايته من الاندثار في ظل التحولات المتسارعة.
وقد عكست هذه المداخلات وعيًا متناميًا لدى الجمهور بأهمية التراث، وحرصًا صادقًا على المشاركة في صونه وتطويره، بما يجعل العمل التراثي مسؤولية جماعية، تتقاسمها المؤسسات والمثقفون والمواطنون على حدّ سواء.
وهكذا، تكاملت الندوتان في تقديم صورة بانورامية عميقة لمعنى التراث في راهنه ومستقبله؛ فبين وهج الأصالة الذي استحضره الأستاذ إيهاب الملاح والدكتور محمد بغدادي، من خلال قراءة تاريخية وفكرية لمسار الاهتمام بالموروث العربي، وبين الجهد المؤسسي المنظم الذي عرضته دائرة الثقافة والسياحة في أبو ظبي، بدا التراث مشروعًا حيًّا، لا ذكرى جامدة.
في الندوة الأولى، كان التركيز على الوعي، والذاكرة، والكتابة، وإعادة القراءة، وعلى مسؤولية المثقف والناشر والباحث في إنقاذ التراث من النسيان والضياع. وفي الثانية، تجلّى البعد العملي والمؤسسي، حيث تحوّل هذا الوعي إلى برامج، ومتاحف، ومناهج، ومشاريع ميدانية، تضمن للتراث استمراريته وانتقاله الآمن بين الأجيال.
وبين الرؤيتين، الفكرية والتنفيذية، تبلورت رسالة أيام الشارقة التراثية في أبهى صورها: رسالة تؤمن بأن حماية التراث لا تتحقق بالشعارات، ولا بالحنين وحده، بل بتكامل المعرفة مع التخطيط، والذاكرة مع العمل، والعاطفة مع المسؤولية.
لقد بدا واضحًا، من خلال هذا الحوار الثقافي المتعدد الأصوات، أن التراث ليس ماضيًا نلتفت إليه من بعيد، بل هو حاضر نصنعه، ومستقبل نؤسسه، وهوية نعيد اكتشافها كل يوم، في الكتاب، والمتـحف، والمدرسة، والشارع، والوجدان.