
الشارقة: مروان ناصح
خاص غرفة 19
في مساء ثقافي مشبع بروائح الخشب القديم، وهمسات الجدران العتيقة، ودفء الذاكرة التي لا تشيخ، احتضن “بيت النابودة” التاريخي، الكائن في قلب المنطقة التراثية بالشارقة، يوم التاسع من فبراير، ندوة فكرية بعنوان “السرود الشعبية: تمثلات الحكاية”، وذلك ضمن فعاليات أيام الشارقة الثقافية التي يرعاها وينظمها معهد الشارقة للتراث، في إطار مشروعه المتواصل لصون الموروث الشعبي، وإعادة إدماجه في الوعي الثقافي المعاصر.
لم يكن اختيار المكان محض صدفة، فبيت النابودة، بجدرانه العربية العالية، وأبوابه الخشبية، ونوافذه المطلة على زمن آخر، بدا كأنه يهيئ نفسه ليكون شاهدًا على حوار جديد بين الماضي والحاضر، بين الحكاية بوصفها ذاكرة شفوية، والفكر بوصفه أداة لفهمها وتأويلها.
في هذا الفضاء المشبع بالتاريخ، اجتمع باحثون ومبدعون ومهتمون بالشأن الثقافي، ليعيدوا طرح سؤال الحكاية: من أين جاءت؟ وكيف تشكّلت؟ وإلى أين تمضي؟
استهل الباحث المغربي الدكتور سعيد يقطين مداخلته بالعودة إلى الجذور الدينية والثقافية للسرد الشعبي العربي، مشيرًا إلى العلاقة العميقة بين الحكايات المتداولة في الذاكرة الجماعية وبين القصص القرآني، بوصفه أحد أهم المنابع السردية الكبرى في الثقافة العربية الإسلامية. وأوضح أن كثيرًا من البنى الحكائية، وأنماط الشخصيات، ومسارات الأحداث، تجد جذورها في هذا التراث الديني المشترك، الذي شكّل على مدى قرون مرجعية أخلاقية وجمالية وسردية في آن واحد.
وتوقف الدكتور يقطين عند ملاحظة بالغة الأهمية، مفادها أن الثقافة الشعبية العربية ليست نتاجًا محليًا ضيقًا، ولا يمكن نسبتها إلى دولة بعينها أو جغرافيا محدودة، بل هي ثمرة تاريخ حضاري مشترك، تشكّل عبر التفاعل المستمر بين المجتمعات العربية والإسلامية. ومن هذا المنطلق، شدّد على أن محاولات بعض الدول الحديثة احتكار هذا التراث أو نسبته إليها وحدها، تتعارض مع طبيعته العابرة للحدود، ومع روحه الجماعية التي نشأت في فضاء ثقافي واحد.
أما الدكتور أحمد بهي الدين (من مصر)، فقد أعاد الحضور إلى زمن الرواة الأوائل، حين كانت الحكاية تُولد في الأسواق، وتكبر في المجالس، وتنتقل من فم إلى فم، ومن ذاكرة إلى ذاكرة، قبل أن تعرف طريقها إلى الورق والحبر. وأكد أن الأنساق السردية العربية القديمة لم تكن من صنع مؤلفين معروفين، بل من نتاج رواة مجهولين، صاغوا عبر تراكم طويل قوالب الحكـاية، وحددوا إيقاعها، وبناءها، ومنطق تطورها.
وبيّن أن عصر التدوين لم يخلق الحكاية من العدم، بل قام بتثبيت ما كان متداولًا في الذاكرة الشفوية، وهو ما يظهر جليًا في الصيغ الافتتاحية التي استقرت في النصوص القديمة، مثل “قال الراوي” و”بلغني” و”يُحكى أن” والتي تمثل آثارًا واضحة لعصر المشافهة. واعتبر أن شهرزاد في “ألف ليلة وليلة” ليست سوى الامتداد الأجمل والأشهر لهذه السلسلة الطويلة من الرواة، وأن صوتها يحمل في داخله أصواتًا كثيرة سبقتها.
كما دعا الدكتور بهي الدين إلى ضرورة الإفادة من الوسائل الحديثة في توثيق الحكايات الشعبية، سواء عبر التسجيل الصوتي، أو التدوين الرقمي، أو المنصات الإلكترونية، مؤكدًا أن الحفاظ على التراث لا يعني تجميده، بل تمكينه من العيش في زمن جديد دون أن يفقد روحه.
وفي مداخلتها، فتحت الكاتبة الإماراتية ناديا نجار أفقًا مختلفًا للنقاش، حين ركّزت على البعد الإنساني العالمي للحكاية الشعبية، مؤكدة أن تشابه القصص بين الشعوب دليل على وحدة التجربة الإنسانية، وعلى أن الإنسان، مهما اختلفت لغته وثقافته، يظل يحمل الأسئلة نفسها عن الخير والشر، والخوف والأمل، والحب والفقد.
وسردت تجربتها في إحدى ورش تدوين الحكايات، حين عبّرت المشرفة الألمانية عن دهشتها من وجود عدد من الحكايات العربية في الأدب الشعبي الألماني، بصيغ مختلفة وأسماء متبدلة، لكنها تحتفظ بالجوهر ذاته. وقد بدت هذه الواقعة شاهدًا حيًا على قدرة الحكاية على السفر عبر الزمن والجغرافيا، دون أن تفقد هويتها الإنسانية.
وقد أدار الندوة كلّ من الدكتور مني بو نعامة والأستاذة فاطمة المزروعي بحسّ علمي وثقافي رفيع، أسهما من خلاله في خلق مناخ حواري متوازن، أتاح للمتحدثين عرض أفكارهم بعمق، وللجمهور المشاركة بأسئلته وملاحظاته، مما منح الندوة حيوية خاصة، وجعلها فضاءً حيًا للتفكير المشترك.
في مجملها، لم تكن هذه الندوة مجرد فعالية ثقافية عابرة، بل كانت لحظة وعي جماعي بأهمية الحكاية الشعبية بوصفها ذاكرة حية، ومخزونًا رمزيًا، وأداة لفهم المجتمع وتاريخه وتحولاته. لقد أكدت أن الحكاية ليست مجرد ترف سردي، ولا مادة للحنين وحده، بل هي سجلّ للوعي الجمعي، ومرآة دقيقة لعلاقة الإنسان بواقعه، وبأشواقه، وبقيمه، وبأحلامه.
ومن بيت النابودة، حيث تتجاور الأحجار القديمة مع الأسئلة الحديثة، بدت الحكاية العربية وهي تستعيد صوتها، وتعلن قدرتها على البقاء في زمن السرعة والتكنولوجيا. هناك، في ذلك الفضاء المشبع بالذاكرة، أدرك الحضور أن الحكاية لا تموت، ما دام هناك من يصغي، ومن يروي، ومن يؤمن بأن السرد هو أحد أشكال مقاومة النسيان.
هكذا، خرجت الندوة لتؤكد أن السرود الشعبية ليست بقايا ماضٍ منقضٍ، بل طاقة متجددة، قادرة على أن تمنح الحاضر عمقًا، والمستقبل جذورًا، والإنسان معنى إضافيًا لوجوده في هذا العالم.