
الدكتور سعيد عيسى
حين نستمع إلى أغنية «أمي يا ملاكي» التي لحّنها إدمون صليبا وغنّتها فيروز عام 1961، قد يبدو للوهلة الأولى أننا أمام لحظة وجدانية خاصة، علاقة حميمة بين ابنة وأمها، أو مجرد احتفاء عاطفي بالأمومة. لكن إذا أمعنّا النظر، سنكتشف أن هذه الأغنية ليست مجرد تعبير عن مشاعر فردية، بل هي نص رمزي كثيف، يكشف عن آليات عميقة في بناء صورة الأم في المخيال العربي، ويضيء على كيفيات تحويلها من كائن يومي إلى رمز مقدّس، يتجاوز حدود الاجتماع البشري ليقترب من فضاء الأسطورة والقداسة.
منذ العنوان، «أمي يا ملاكي»، تبدأ اللغة في نقل الأم من الحيز الأرضي إلى عالم سماوي. فالملاك، في الثقافة العربية، ليس مجرد رمز للجمال أو الطيبة، بل هو كائن نقي، منزّه عن الخطأ، حامٍ، ووجوده مرتبط بالحماية والصفاء. حين تُوصَف الأم بالملاك، لا يعود الحديث عن صفات بشرية، بل عن وظيفة رمزية تتجاوز إنسانيتها، وتضعها في مقام أخلاقي وروحي أعلى من البشر العاديين. في هذا المقام، لا يُطالَب الملاك بالاعتذار، ولا يُسمَح له بالخطأ، ولا يُنظر إليه ككائن يمكن أن يضعف أو ينهار. هكذا، تبدأ الأغنية في تأسيس صورة للأم لا تحتمل الهشاشة، بل تفرض عليها الكمال المطلق.
هذا التحويل الرمزي للأم إلى كائن مقدّس ليس معزولًا عن السياق الاجتماعي والثقافي الذي أنتج الأغنية. ففي المجتمعات العربية، حيث الهشاشة السياسية، وضعف المؤسسات، وتقلّب الأوضاع الاقتصادية، يصبح البيت آخر معاقل الأمان، وتتحول الأم إلى قلب هذا الأمان. ليس من قبيل المصادفة أن تتماهى صورة الأم مع صورة البيت، الدفء، والأصل، في الوعي الجمعي. وكأن الثقافة تقول، دون تصريح مباشر: إذا انهار كل شيء، تبقى الأم. في لحظات التحوّل الاجتماعي، يصبح التشبث بصورة الأم الملائكية نوعًا من الدفاع الرمزي عن الاستقرار، وملاذًا نفسيًا في مواجهة عالم متغير ومضطرب.
لكن هذه الصورة لا تكتفي بتعريف الأم من خلال ما تمنحه في المجال الحميمي، بل تهمّش أدوارها الأخرى في المجال العام. فالأم، في الأغنية، ليست منتجة، ولا فاعلة سياسية، ولا صاحبة قرار، بل هي مستودع عاطفي، خُلقت لتمنح الطمأنينة للآخرين. هذا التعريف، رغم حنانه الظاهري، يكشف عن بنية اجتماعية ترى أن وظيفة المرأة الأساسية هي الاحتواء، لا الفعل أو الإنجاز. الأم هنا ليست ذاتًا كاملة، بل وظيفة وجودية، يُنتظر منها أن تظل مانحة بلا توقف.
ولعل أعمق ما في هذه الصورة هو الاستثناء الرمزي الذي يُمنح للأم: فهي الكائن الوحيد الذي يُفترض أن يمنح الحب بلا شروط، في مجتمع تقوم معظم علاقاته على التبادل والمقايضة. في العلاقات الاجتماعية العربية، الطاعة تُقابل بالحماية، والولاء بالاعتراف، والامتثال بالقبول. وحدها الأم تُستثنى من هذا المنطق، فهي تحب لأنها أم، لا لأن الابن يستحق. هذا الاستثناء، رغم ما فيه من دفء، ليس بريئًا؛ إذ يحمل في طياته عبئًا رمزيًا هائلًا: فالأم المقدسة لا يُسمح لها بالتعب، ولا بالشكوى، ولا حتى بالرغبة في الانسحاب. عليها أن تكون دومًا حاضرة، مانحة، متجاوزة لذاتها، وكأن التقديس يتحول إلى شكل من أشكال الإلغاء الناعم للذات الإنسانية.
صوت فيروز، في هذا السياق، لا يؤدي الأغنية فحسب، بل يضاعف من رمزيتها. ففيروز، في المخيال العربي، ليست مجرد مطربة، بل رمز للطهارة والسكينة، وصوتها يحمل مسحة تراتيلية تجعل الأغنية أقرب إلى صلاة جماعية منها إلى أغنية عاطفية فردية. حين تغني فيروز للأم، لا نشعر أننا أمام علاقة شخصية، بل أمام طقس جماعي يُستعاد فيه حضور الأم كذاكرة جمعية، وكأنها جزء من طقوس الحنين الجماعي إلى الأصل والدفء.
ولا يمكن فصل هذه الأغنية عن سياقها الزمني. فقد جاءت في لحظة تحوّل عميقة في المجتمعات العربية: تمدّن سريع، تفكك تدريجي للعائلة الممتدة، صعود الدولة المركزية، وبداية تغيّر أدوار النساء. في هذا المناخ، تصبح الأغنية نوعًا من التشبث الرمزي بصورة الأم التقليدية، قبل أن تربكها التحولات الحديثة. كأن الثقافة، عبر الأغنية، تقول: نحن نعرف أن العالم يتغير، لكن دعونا نتمسك بهذه الصورة قليلًا، لعلها تمنحنا بعض الطمأنينة في مواجهة المجهول.
وإذا وسعنا زاوية النظر، سنجد أن صورة الأم في هذه الأغنية تتقاطع مع رموز مقدسة أخرى في الثقافة العربية: الأرض، الوطن، الطفولة، الماضي. كلها تُقدَّم بوصفها كيانات حنونة، ثابتة، نقية، في مقابل حاضر مضطرب. ليس غريبًا إذًا أن يُشبَّه الوطن بالأم، وأن تُشبَّه الأم بالوطن؛ فكلاهما يمنح الانتماء دون شروط، وكلاهما يُفترض أنه باقٍ مهما تغيّرت الظروف. لكن هذا التشبيه يخفي توترًا عميقًا: فكما يُطالَب الوطن بالتضحية دون مساءلة، تُطالَب الأم بالأمر نفسه. وكما يُمنع نقد الوطن بحجة القداسة، يُمنع نقد صورة الأم المثالية. هكذا تتحول الأغنية، من حيث لا تقصد، إلى إعادة إنتاج بنية ثقافية تمنع مساءلة الأدوار الجندرية، وتكرّس صورة الأم كضحية مثالية تحت غطاء الحب والتقديس.
ورغم هيمنة هذه الصورة الملائكية، إلا أن الأدب والفن العربيين قدّما صورًا أخرى للأم: ففي روايات نجيب محفوظ، نجد الأم القاسية أو المنكسرة أو حتى الغائبة؛ وفي شعر محمود درويش، تظهر الأم كرمز للحنين، لكنها أيضًا كائن متألم يحمل عبء الفقد والمنفى؛ وفي الدراما الحديثة، بدأت تظهر أمهات يواجهن تحديات العمل، الطلاق، أو الهجرة، ما يفتح الباب أمام إعادة تعريف الأمومة خارج إطار التضحية المطلقة. هذا التنوع في الصور يكشف أن صورة الأم الملائكية ليست قدرًا حتميًا، بل هي بناء ثقافي قابل للتغيير والمساءلة.
ولا يمكن إغفال البعد الديني في بناء صورة الأم. ففي المسيحية، السيدة مريم العذراء هي أم مقدسة، رمز للطهارة والتضحية، لكنها أيضًا أم حزينة، تعاني وتبكي. وفي الإسلام، «الجنة تحت أقدام الأمهات»، وهو حديث يرفع الأم إلى مقام روحي عالٍ، لكن الموروث الشعبي يمنح الأم هامشًا للمعاناة والدموع. أما في الأغنية، فغالبًا ما تُفرض على الأم صورة الكمال المطلق، ويُحجب عنها حق التعبير عن الضعف أو الألم.
هذه الصورة المثالية، رغم حنانها، تفرض على النساء عبئًا نفسيًا واجتماعيًا هائلًا. كثير من الأمهات يعشن صراعًا بين رغباتهن الفردية وتوقعات المجتمع، ويجدن أنفسهن محاصرات بين قداسة الدور وضغوط الواقع. في السنوات الأخيرة، بدأت تظهر أصوات نسوية عربية تنتقد هذه الصورة، وتطالب بحق الأم في التعبير عن ضعفها، أو حتى رفضها لدور التضحية المطلقة، في محاولة لإعادة تعريف الأمومة كعلاقة إنسانية متبادلة، لا كوظيفة مقدسة مفروضة.
ومع تغير بنية الأسرة وصعود الفردانية وتزايد حضور النساء في المجال العام، بدأت صورة الأم تتغير في الأغنية العربية المعاصرة. ففي أغنيات مثل «ست الحبايب» لفايزة أحمد، ما زالت صورة الأم الملائكية حاضرة، لكن في أغنيات أحدث، تظهر الأم كصديقة أو رفيقة درب أو حتى كإنسانة لها أخطاؤها. وفي الدراما، بدأت تظهر أمهات يواجهن تحديات الحياة المعاصرة، ما يفتح الباب أمام مساءلة الصورة التقليدية للأمومة.
وإذا قارنا هذه الصورة بما نجده في ثقافات أخرى، سنلاحظ أن تقديس الأم حاضر أيضًا في الغرب “عيد الأم (Mother’s Day)، لكن هناك مساحة أكبر للاعتراف بضعف الأم أو حتى نقدها. في الأدب الأمريكي، مثلًا، نجد أمهات معذبات أو سلبيات دون أن يُنظر إلى ذلك كخيانة للرمز، ما يطرح سؤالًا حول مدى استعداد الثقافة العربية لمساءلة رموزها.
ورغم كل الأبعاد الإيديولوجية، تبقى الأغنية حيّة لأنها تلامس خوفًا إنسانيًا عميقًا من الفقد. الأم، في الوعي الجمعي، هي الكائن الوحيد الذي يُفترض أن يبقى حين يرحل الجميع، هي الذاكرة الأولى، والصوت الأول، والوجه الذي لا يتغير. لذلك، لا تزال الأغنية حيّة، لأنها تلامس حاجة إنسانية أصيلة إلى ملجأ عاطفي في عالم غير آمن.
في النهاية، يمكن القول إن «أمي يا ملاكي» ليست أغنية عن أم واحدة، بل عن تصوّر كامل للأمومة بوصفها قداسة اجتماعية، ونص يكشف كيف تُبنى الأم في الثقافة العربية كحل رمزي لأزمات أعمق: أزمة الأمان، وأزمة الثقة، وأزمة المعنى. وبينما تبدو الأغنية حنونة وبسيطة، فإنها تحمل في عمقها شبكة معقدة من القيم والتوقعات والتناقضات. إنها أغنية تقول، بصوت هادئ: نحتاج أن نؤمن بأن هناك حبًا لا يتغير. لكنها تقول أيضًا، دون أن تصرّح: إن هذا الحب حُمّل فوق طاقة إنسان واحد… الأم. والسؤال الذي يبقى معلقًا: هل نجرؤ يومًا على إعادة تعريف الأمومة، بحيث نمنح الأمهات حقهن في الإنسانية، لا في القداسة فقط؟