بعد تصفحي للقراءات والإضاءات النقدية التي أعقبت صدور رواية “مِستر ولا شيء” لواسيني الأعرج، تبيّن لي أن النص لا ينتمي إلى فئة الأعمال التي يمكن استنفادها بقراءة واحدة أو احتواؤها ضمن تأويل نهائي . نحن أمام نصّ حمّال أوجه، متعدّد الطبقات، مفتوح على التأويل في سيرورة دلالية متجددة، لا يستقر عند معنى واحد ولا يطمئن إلى يقين. إنّه نص يدعو القارئ إلى الارتياب، ويغريه بالتشظّي الدلالي، ويفرض عليه إعادة النظر في المسلّمات التي قد يعتقد أنّه استقرّ عليها في القراءة الأولى . هذا الانفتاح التأويلي هو ما يجعل الرواية تتجاوز كونها حكاية عن كاتب وجائزة وعدالة مؤجلة، لتغدو فضاء إشكاليا تتقاطع فيه الأسئلة الأخلاقية بالسياسية، والذاتي بالجمعي، واللغة بالفعل .
في قلب هذا الفضاء يقف نوفل آل فريد، أو “المِستر”، لا بوصفه شخصية روائية فحسب، بل بوصفه هيئة رمزية، قناعا أنيقا أكثر منه اسما. ف”مِستر” ليس هوية مكتملة، بل لقب، بدلة، طريقة في الظهور الاجتماعي والثقافي، بينما “اللاشيء” ليس العدم الفلسفي الخالص، بل غياب الجوهر حين يُختبر الإنسان خارج اللّغة. نوفل كاتب حساس، عاشق للكتابة، مهووس بالحرية والعدالة والاعتراف، لكنه في الوقت ذاته أب غائب، متردّد، متنصل من مسؤولياته، وهو ما يخلق ارتباكا عميقا في بنية الشخصية، وارتباكا موازيا في إدارة الكاتب لها . يتأرجح نوفل طوال الرواية بين خطاب إنساني رفيع وسلوك يومي يناقض هذا الخطاب. يكتب عن الظلم، لكنه يعجز عن ممارسة أبسط أشكال العدل حيث تبدأ العدالة فعلا داخل البيت . تتجلى هذه المفارقة بوضوح في مأساة بناته العشر، اللواتي يُقدَّمن في النص بوصفهن منكوبات، معاقات، مثقلات بالجسد والقدر، إلى حدّ تتحوّل فيه الإعاقة من معطى إنساني إلى هوية سردية جماعية . لا يمنحهن السرد فردية مكتملة، بل يجعل منهنّ مرايا لعجز الأب، وأدوات رمزية لتجسيد فشله الوجودي . وحين يصف السارد نوفل بـ”المسكين”، فإن هذه المسكنة لا تبدو بريئة، بل تتحوّل إلى تبرير أخلاقي للهروب، وكأنّ الأبوة امتحان قاسٍ يحقّ للمثقف أن يعتذر عنه باسم هشاشته .
في المقابل، تتبدّى مفارقة أخرى لا تقلّ دلالة في علاقة نوفل بالأنثى ، فهو لا يكره النساء، بل يحبّ الأنوثة حين تكون فكرة، رمزا، جسدا متحرّرا لا يطالب بشيء. المرأة الجميلة، الملهمة، المرغوبة، مقبولة ومحبوبة. كما شاء قلمه ان يصوّرها ، أما حين تصير المرأة أمّا، أو بنتا، أو مسؤولية يومية، فإنها تتحوّل إلى عبء ثقيل. من هنا نفهم اعجابه بزها، الشابة القوية المكافحة، التي اختارت مهنة يُنظر إليها اجتماعيا بوصفها رجالية، وهي تربية العجول . زها تمثل أنوثة مريحة في مخيال نوفل ، قوية، واقفة، منتجة، لا تستجدي عطفا ولا تذكّره بفشله. يحبّها لأنّها تمنح ولا تطالب بشيء، ولأنها لا تعرّي هشاشة أشياه الرجال، في حين تظلّ بناته شاهدا صامتا على ما لم يستطع أن يكونه .
هذا التناقض بين حب الأنوثة ورفض الأمومة، بين الإعجاب بالمرأة القوية والنفور من البنات الضعيفات، لا يُفكّك تفكيكا نقديا حاسما داخل النص، بل يُترك معلّقا، وهو ما يخلق شعورا بأنّ الكاتب نفسه متردّد بين فضح بطله والتعاطف معه فواسيني يمنح نوفل لغة أخلاقية عالية، ويتركه في الوقت ذاته يمارس ظلما صامتا دون محاسبة سردية واضحة، وكأنّ النص يتواطأ أحيانا مع أناقة الخطاب على حساب قسوة الفعل . يتوسع هذا الارتباك ليشمل البعد السياسي للرواية، حيث يرسم واسيني، بمهارة سردية لافتة، مشهدا لفساد ناعم، مهذب، يمارس بصمت خلف أقنعة الوجاهة والرقي، وبتواطؤ من السلطات وكبار الرؤوس في الدولة. إنّه فساد لا يصرخ ولا يضرب، بل يبتسم ويوقّع العقود، فساد تحميه المؤسسات بدل أن تحاربه، وتراقبه الهيئات الرقابية لتغضّ الطرف عنه. شركات واهية تنصب على الشعب، ومؤسسات تكافئ الرداءة، وواقع يُدار بالقانون حين يخدم الفساد ويُعطّل حين يهدده .
في هذا السياق، يبدو احتجاج نوفل على فساد الجوائز العالمية، وهيئة نوبل تحديدا، احتجاجا منقوصا، يعزّزه المثل الجزائري الذي يردّده العامة :” نارك من جنبك ” فقبل أن نلوم الخارج على المحاباة، يجدر بنا أن نسائل الداخل الذي صنع كاتبا محبطا، وترك الفساد يستفحل حتى صار نظاما. نوفل يلعن فساد العالم، لكنه يتعايش مع فساد محيطه، يطالب بعدالة كونية، لكنه يعجز عن ممارسة عدالة صغيرة داخل بيته، يندد بالظلم من المنابر، ويصمت عنه في الممرات الضيقة للحياة اليومية . وهكذا تتجسد لاشيئية “المِستر” في أبلغ صورها. ذلك الشخص الموجود اجتماعيا، الغائب إنسانيا، أنيق الثياب، فاشل في الاختبار. يقول في النص: “كل الجوائز التي تحصلت عليها ركضت نحوي ولم أطلبها أبدا”، غير أن هذه الجملة نفسها تكشف عن أنا متضخّمة تتخفّى خلف تواضع لغوي مصقول . اللاشيء هنا ليس فشلا، بل اختيارا، اختيار أن تكون الكتابة بديلا عن الفعل، والخطاب الأخلاقي قناعا للهروب من المسؤولية . فلا يقَدَّم نوفل بوصفه شريرا، بقدر ما هو نموذج إشكالي للمثقف المعاصر، ذاك الذي يملك الوعي ولا يملك الشجاعة ، ويطالب بالعدالة من مسافة آمنة، دون أن يدفع ثمنها حيث يجب أن تُدفع. وهنا يغدو العنوان مفتاح القراءة كلها “مِستر ولا شيء”، ذاك الذي يقدم لنا رجلا كامل المظهر، ناقص الجوهر، وعدالة أنيقة بلا بيت، وحرية تبدأ من النص ولا تصل أبدا إلى الحياة .

ليلى تباني ــ الجزائر