في ندوةٍ شعريةٍ عابرةٍ للحدود وافضاءات الإلكترونية ، على منصةٍ ثقافيةٍ تحتفي بالكلمة وتحتشد فيها الأصوات ، واقصد بذلك منصة الغرفة 19 ، بدا المشهد أوسع من مجرد قصائد تُلقى ، أو نقدٍ يُقال ؛ كان سؤال اللغة يتسلل بهدوء إلى عمق الحوار ليكون له حضوراً لافتاً : أهي واحدةٌ في جوهرها متعددةٌ في تجلياتها ؟ أم أن ما نظنه فروعاً قد أصبح أصولاً قائمة بذاتها ؟ ، والمقصود هنا اللغة ..
هناك في الندوة ، بين قصيدةٍ فصيحةٍ وأخرى عامية ، وبين نصٍ موزونٍ وآخر منثور ، برزت إشكالية قديمة متجددة : ما الفرق بين اللغة ، واللسان ، واللهجة؟ ، وهل يصح أن نُطلق على اللهجات مسمى « اللغات » لمجرد شيوعها واتساع فهمها؟ .
إن اللغة ، في الأصل ؛ ليست مجرد ألفاظ تُنطق أو تكتب ، إنما هي نظامٌ رمزيٌ شامل ، يختزن داخل بنيته رؤية الإنسان للعالم ، ويعكس ثقافته ووعيه وتاريخه ، هي الوعاء الذي يحمل المعنى ، والمرآة التي تعكس هوية الجماعة ، ولهذا لا يمكن تصور لغةٍ بلا ثقافة ، ولا ثقافةٍ بلا لغة ؛ فكلتاهما تنمو في الأخرى ، وتتغذى منها .
أما اللسان ، فهو الوجه الحيّ للغة ، وتجليها في الواقع ؛ فإذا كانت اللغة نظاماً كامناً ، فإن اللسان هو ممارستها اليومية ، وصوتها المتحقق في الحياة ، ومن هنا جاء التعبير القرآني : { بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ } ، ليشير إلى وضوح الخطاب في مقام التبليغ ، لا إلى مجرد الانتماء إلى نظام لغوي مجرد .
وفي داخل هذا اللسان ، تتشكل اللهجات ؛ وهي ليست خروجاً عن اللغة ، لكن تلوّناً فيها ، فاللهجة هي الطريقة التي يتكلم بها الناس اللغة ذاتها في بيئات مختلفة ، متأثرةً بالجغرافيا والتاريخ والاحتكاك الثقافي ، هي اختلافٌ في النطق ، أو في بعض المفردات ، أو في التراكيب ، لكنها تظل في إطارها العام جزءاً من اللغة الأم .
أن التاريخ يقدم لنا مثالاً لافتاً ، يكاد يختبر هذه الحدود ؛ اللغة اللاتينية : فقد كانت ، في زمن الإمبراطورية الرومانية ، لساناً جامعاً ، لكنها لم تكن واحدة في الاستعمال ؛ إذ عرفت مستويات متعددة ، بين فصيحٍ أدبي ، وعاميٍ دارج ، ولغة سوقية ، ومع اتساع الرقعة الجغرافية ، وانفصال المجتمعات ، بدأت تلك اللهجات تنمو بعيداً عن الأصل ، حتى استقلت شيئاً فشيئاً ، لتتحول إلى لغات قائمة بذاتها ، كالـ اللغة الإيطالية، والـ اللغة الفرنسية، والـ اللغة الإسبانية والانجليزية .
وهنا تتضح قاعدة دقيقة : اللهجة قد تصبح لغة ، إذا امتلكت استقلالها البنيوي ، وتراكم عليها تراثٌ مكتوب ، وحازت اعترافاً ثقافياً وسياسياً ، عندها لا تعود مجرد تنويعٍ صوتي ، بل تتحول إلى كيانٍ لغويٍ مستقل .
لكن، وعلى النقيض من ذلك ، بقيت العربية ، رغم تعدد لهجاتها ، متماسكةً حول أصلها الفصيح ، ولم يكن هذا التماسك صدفة ، بل كان للقرآن الكريم الدور الحاسم في تثبيت مرجعية لغوية عليا ، حفظت للغة وحدتها ، وربطت أطرافها المتباعدة بمركزٍ ثابت ، فظل العربي ، مهما اختلف لسانه اليومي ، يعود إلى الفصحى بوصفها معياراً ومرجعيةً ، ومخزوناً ثقافياً مشتركاً .
ولعل الشواهد القرآنية ترسم لنا سلّم التعبير الإنساني بدقة لافتة ؛ فمن اللسان إلى البيان ، ومن القول إلى المنطق ، يقول تعالى : { خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ } ، فيجعل البيان ملكةً يتعلمها الإنسان ، لا مجرد أداة يمتلكها ، ويقول : { وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا } ، فيرتقي بالكلام من مجرد نقل المعنى إلى حسن أدائه ، ثم يفتح أفقاً أوسع بقوله : { وَعُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ } ، ليشير إلى أن التواصل ليس حكراً على الإنسان ، لكن هو نظام دلالي أوسع في الكون ، ويختم هذا التدرج بقوله : { وَمِنْ آيَاتِهِ اخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ } ، ليؤكد أن التعدد ليس خللاً ، بل آية .
ثمة لغاتٍ أخرى لا تُدرج في كتب النحو ، ولا تُقاس بميزان الأصوات ، لكنها حاضرة في وجدان الإنسان حضوراً لا يقل أثراً ، إنها لغاتٌ موازية ، تُفهم بالتجربة ، وتُدرك بالحدس :
لغة الصمت حين يعجز الكلام ، ولغة العيون حين تفيض بما لا يُقال ، ولغة الموسيقى حين تختصر المشاعر ، ولغة الألم حين لا يجد الإنسان لفظاً يوازيه ، ولغة الحب… وهي أبلغها جميعاً ،
وهنا يستحضر الوجدان ذلك البيت العميق :
« وتعطّلت لغة الكلام وخاطبتْ … عينيّ في لغة الهوى عيناكِ » .
فكأن البيان في ذروته، يعود إلى ما قبل اللغة ، إلى إشاراتٍ أولى صادقة ، لا تحتاج إلى ترجمان ، وكأن الإنسان ، مهما ارتقى في أدوات التعبير ، يظل محتاجاً إلى تلك اللغات الفطرية التي تسكنه . وفي ذروة هذا البناء يأتي الأدب ؛ بوصفه تهذيباً للبيان ، وارتقاءً بالكلام ، وصياغةً للمعنى في أجمل صورة ، ولعل في الأثر المنسوب للنبي محمد : « أدّبني ربي فأحسن تأديبي » ، ما يشير إلى هذا المعنى العميق ، حيث يلتقي الجمال بالأخلاق ، ويتحول التعبير إلى مسؤولية . لذلك حين نخلط بين اللغة واللهجة ، لا نقع في خطأ اصطلاحي فحسب ، بل نغفل عن فهم بنية كاملة من العلاقات التي تربط الإنسان بلغته ، ولغته بثقافته ، وثقافته بهويته . ونخلص إلى أن اللغة توحّد ، واللهجة تلوّن وتزخرفة؛ اللسان يعبّر ، والبيان يؤثّر ؛ أما تلك اللغات الخفية فهي التي تكشف جوهر الإنسان حين يصمت . وهكذا ، يبقى الحديث مفتوحاً لا ليقسم ، بل ليوحّد الفهم : لسنا أمام لغاتٍ تتنازع ، بل أمام لغةٍ تتسع … بقدر ما يتسع الإنسان ، وما تختزنه روحه من معانٍ لا تُقال ، لكنها تُفهم .

( عماد عواودة ، ابو حازم
الإثنين ، ٣٠ آذار ٢٠٢٦ ، قميم / الأردن)