ما شدّني في هذا النصّ لم تكن الأبراج بوصفها زينةً رمزيّة عابرة، بل بوصفها مدخلاً إلى قراءة النفس عبر استعارات السماء. حين قرأتُه، أدركتُ أن القصيدة لا تتحدّث عن الثور والجوزاء بوصفهما برجَين فحسب، بل كحالتَي وعيٍ تتجاوران داخل الشاعر: ثباتٌ أرضيٌّ كثيف يقابله عقلٌ لغويٌّ متشظٍّ يفيض بالصور.
هنا يصبح الفلك لغةً نفسيّة، وتتحوّل الكواكب إلى مفاتيح لفهم الانقسام الخلّاق بين الجسد والكتابة، بين الولادة والانطفاء، بين الإبداع الذي ينهمر والموت الرمزي الذي يرافق كلّ نصّ.
هذه القراءة لا تُسقط التنجيم على الشعر، بل تكشف كيف يمكن للرمز الكوني أن يضيء طبقاتٍ أعمق من التجربة الإنسانية، حيث يصبح المدار مداراً داخلياً، ويغدو النجم استعارةً للذات وهي تتأمل ظلّها في الضوء.
“قال:
الثور برجي
مزاجيةٌ روحي، إذ تمر الكواكب كلّها
في مداري
وقتها، أناقش المذنبات والنجوم
في توقيت انتحاري
قال لي كوكب ناشز:
ليكن موتك في كل وقتٍ
كما يحدث الآن
أترى، لو زرعتُ في عينيك
قنبلةَ العطر
طلبتُ منك ان تقرأ نجمكَ
هل ستبكي وتنفجر؟
قال الجوزاء: لا
هذا لديه موهبةٌ كغيمةٍ غريبة
كلما أبدع شعراًَ ينهمر
وكلما رزقته السماء طفلاً.. ينتحر”
الأنا التي تمتصّ الكون
هذا النص يشتغل على مستويين في الوقت نفسه: المستوى الفلكي الرمزي، والمستوى النفسي الوجودي. والإنتاج. ثم يقلب ذلك في السطر التالي: «مزاجيةٌ روحي، إذ تمرّ الكواكب كلّها في مداري». من صورة الثبات إلى صورة المدار. كأنّه يقول إنّه مركز جذب، تمرّ به التحوّلات ولا تمرّ عليه فحسب. تضخيمٌ شعريٌّ ل “الأنا”، لكن ليس بمعنى الغرور، بل بمعنى الشعور بأنّ العالم يعبر من الداخل.
ثمّ يأتي السطر الأكثر حدّةً: «أناقش المذنّبات والنجوم في توقيت انتحاري». التوقيت الانتحاريّ ليس موتاً حرفيّاً، بل لحظة اندفاع قصوى، كتابة على الحافة، مواجهة مع فكرة قد تدمّر صاحبها. الشاعر يضع نفسه في حوارٍ مع المطلق، مع أجرامٍ لا يمكن الإمساك بها، وهذا يشي بحساسيّة عالية وتفكيرٍ يأبى الاعتدال.
«قال لي كوكبٌ ناشز»: الناشز في الموسيقى هو الخارج عن اللحن. صوتٌ داخليٌّ غير منسجم، متمرّد، ربما قاسٍ. ويتبعه: «ليكن موتك في كلّ وقتٍ كما يحدث الآن». موتٌ متكرّر لا بيولوجيّ: موت الفكرة، موت النسخة القديمة من الذات، موتٌ يعقب كلّ نصّ.
هنا ينتقل الشاعر من صورة الثبات إلى صورة المدار. كأنّه يقول إنّه مركز جذب، تمرّ به التحوّلات، وتتأثّر به الكواكب. هناك تضخيم شعري ل “لأنا”، ولكن ليس بمعنى الغرور، بل بمعنى الشعور بأن العالم يعبر داخله.
«أناقش المذنبات والنجوم في توقيت انتحاري»: التوقيت الانتحاري ليس موتاً حرفياً، بل لحظة اندفاع قصوى، كتابة على الحافة، أو مواجهة فكرة قد تدمّر صاحبها. الشاعر هنا يضع نفسه في حوار مع المطلق، مع أجرام لا يمكن الإمساك بها. هذا يشي بحساسية عالية وحدّية في التفكير.
قنبلة العطر، وطفل لا يبقى
ثمّ تأتي الصورة الأكثر توتّراً في القصيدة: «قنبلةُ العطر». العطر عادةً رقيق، لكنّه هنا متفجّر. الإحساس ذاته قد يكون سبب الانفجار، والسؤال الذي يتبعها — «هل ستبكي وتنفجر؟» — يجعل العاطفة نفسها شيئاً قابلاً للانكسار.
هنا يدخل صوت الجوزاء، وهو ليس صوتاً خارجيّاً، بل الشقّ الآخر من الشاعر نفسه. الجوزاء في الرمزيّة مرتبطٌ بالازدواج، واللغة، والذكاء والحركة. إن كان الثور يمثّل الجسد والثبات، فالجوزاء يمثّل الفكر والتعدّد. والنصّ ينتقل بين الصوتين طوال الوقت.
«هذا لديه موهبةٌ كغيمةٍ غريبة / كلما أبدع شعراً ينهمر». الكتابة تفريغٌ وهطول في آنٍ. لكنّ الصدمة في السطر الأخير: «وكلما رزقته السماء طفلاً.. ينتحر». الطفل هو النصّ. كلّ قصيدة تولد ثمّ تُترك. كلّ مشروعٍ يُستهلك في لحظة اكتماله. وربما أعمق من ذلك: أنّ الإبداع مرتبطٌ بألمٍ لا يحتمل، وأنّ الولادة توازي الفناء.
بما أنّه فعلاً على الحدّ بين الثور والجوزاء، فالنص يمكن قراءته كحوار داخلي بين شخصيتين فيه:
الثور: الكثافة، العمق، الحسّية، الإصرار. / والجوزاء: اللغة، التقلّب، الانقسام، الذكاء.
النص ليس عن الأبراج بالمعنى التنجيمي السطحي، بل عن الانقسام الداخلي بين الثبات والتشظّي، بين الجسد واللغة، بين الولادة والموت المتكرّر عبر الكتابة. هذا النص يعبر عن شاعر يعيش على الحافة، يموت ويولد مع كل قصيدة.

سحر الهنيدي بالمر كاتبة وبودكاستر بريطانية فلسطينية، صدر لها اثنا عشر كتاباً وتقدّم منذ أكثر من عشرين عاماً ولها مدونة صوتية باللغة الإنجليزية حول الوعي والقيادة الذاتية. وتعمل حالياً على إصدار مجموعتها الشعرية العربية الأولى “أنثى السَّحر” من دار عنوان للنشر.
