د.أنطوان يزبك
توفي إدغار موران في مايو/أيار الماضي عن عمر يناهز 104 أعوام. لطالما تحلّى أبو التفكير المركّب، صاحب الفضول الذي لا يشبع، والعلم الذي لا ينضب باستقلالية فكرية شديدة قلّ مثالها.
عرف عن إدغار موران أنه يرفض عزل المعارف. وللتخلص من ذلك، اقترح منهجاً أصلياً متعدد التخصصات لربطها. وعلى هذا الأساس كان “المنهج” أداةُ أساسية لفهم اضطرابات عالمنا.
كان إدغار موران يحبّ أن يذكّر بأنه لم تكن له مسيرة مهنيّة بل حياة. في 29 مايو 2026، فارق الحياة على بعد خطوات قليلة من عيد ميلاده الخامس بعد المائة (8 يوليو). ومع الإعلان عن وفاته، تهافتت الإشادات من جميع أنحاء العالم لتكريم الرجل، والمقاوم، وعالم الاجتماع، والفيلسوف.
يبقى السؤال: ما الذي تدين به اليوم العلوم الإنسانية والاجتماعية لإدغار موران؟
هو مفكر بدأ مشوار الفكر و لم يكن هناك دليل ليهيّئه لأن يصبح أحد كبار شخصيات الفكر المعاصر، ونادراً ما وجد مسار علمي بهذا التفلّت من المسالك الأكاديمية التقليدية كمساره بالذات .
مسلحاً بشهادة البكالوريا فقط، اقتحم المركز الوطني للبحث العلمي (CNRS) عام 1950 بدعم من عالم الاجتماع الماركسي جورج فريدمان، والجغرافي بيير جورج، والفلاسفة فلاديمير يانكليفيتش وموريس ميرلو-بونتي، الذين التقى بهم في شبكة اللاجئين بتولوز خلال الحرب العالمية الثانية.
مثقف عصامي شغوف، تغذّى بقراءة هيراقليطس ومونتاني وباسكال وهيغل وماركس، وقد رفض دائماً أن يحصر نفسه في اختصاص واحد معتبراً نفسه مستكشفاً للمعارف. كان ينتقل وسلاحه الفضول الذي لا ينضب من علم الاجتماع إلى علم الأحياء، ومن الأنثروبولوجيا إلى الفلسفة والتاريخ، ومن الأدب إلى السياسة، مقتنعاً بأن القضايا الإنسانية الكبرى تتجاهل التقسيمات الجامعية. وهذا الرفض للأطر القائمة ينبع من تاريخ شخصي طبعته المحن، مثل الفقدان المفاجئ لأمّه وهو في العاشرة من عمره، والذي كان يشبهه بال”هيروشيما الداخلية” لديه، وسنواته في المقاومة حيث نجا بأعجوبة من الموت مرّات عديدة. لكن انخراطه المتحمّس في الحزب الشيوعي الفرنسي عام 1951، وما أعقبه من انفصال مؤلم، هو ما أكمل بناء ريبة دائمة تجاه جميع أشكال العقائديّة، سواء كانت سياسية أو إيديولوجية أو علميّة. كتابه “النقد الذاتي”، الصادر عام 1959، هو استبطان يقوم على قناعة بأنه لا معرفة بدون معرفة الذات. وقد أصبحت هذا السيرة الذاتية الفكرية لديه إلى تحليل سوسيولوجي للانضباط الشيوعي وكيفية تشكيل جهاز سياسي للوعي .
أما إذا كان ثمة إسهام رئيسي لإدغار موران في العلوم الإنسانية والاجتماعية، فهو بالتأكيد تحطيمه لعزل المعارف. لقد أدرك مبكراً أن المجتمعات لا تسمح بحبسها في جزر منفصلة، كما أثبتت جائحة كوفيد-19، لأن فهم آثارها يتطلّب استحضاراً متزامناً للطب والاقتصاد وعلم النفس والقانون والسياسات العامّة.
ولكي يتمّ تجاوز هذا التفتيت، لم يكتفِ موران بتعزيز الحوار بين التخصصات. فما وراء مجرد التعددية التخصصية، التي تضمّن عدة مقاربات لموضوع واحد، وما وراء التكاملية التخصصيّة التي تنظم تبادلاتها، يدعو موران إلى التعددية المعرفيّة التي تبني إطاراً مشتركاً يسمح بربط المعارف دون محو خصوصيات كل تخصص.
في عمله الضخم “المنهج”، العمل الصادر في ستة مجلدات بين عامي 1977 و2004 نجدُ موسوعة فلسفية، هذا المشروع الواسع يشكّل تأملاً في شروط المعرفة ذاتها. يدافع موران فيه عن فكرة أنه كلما تقدّمت العلوم، ازداد تخصصها مما قد يجعل العالم، ومن باب المفارقة، أقل قابلية للفهم بتفتيت الظواهر التي تسعى لتفسيرها.
منذ ديكارت، أعطى المنهج التحليلي القائم على تفكيك ظاهرة إلى عناصر بسيطة ؛ نتائجَ علمية وتقنية رائعة. لا ينكر موران نجاحاته، لكنه يؤكد أنها تبلغ حدودها عندما تصبح التفاعلات أكثر أهميّة من العناصر نفسها. وعليه فهو يعتبر أن الوقائع الإنسانية والإجتماعية ليست آليات يمكن تفكيكها جزءاً جزءاً، بل هي أنظمة حيّة قائمة على الترابطات والتغذية الراجعة والتطورات المستمرّة. فبالنسبة له، لا يمكن فهم مجتمع ما ، بجمع الأفراد الذين يتألف منهم أكثر مما يمكن فهم شجرة بتقطيعها و فرمها و تحويلها إلى نشارة. في كلتا الحالتين، ندمّر بالضبط ما نسعى لتفسيره و تنظيمه.
و بدلاً من منطق الفصل التحليلي ، يستبدله موران بمنطق العلاقة، ويقابل الإبستيمولوجيا الوضعية والتحليلية الكلاسيكية لديكارت بتلك البنائية والشمولية لباسكال، الذي كان يحب تذكير جوهر قوله :
“إنني أرى أنه من المستحيل معرفة الأجزاء دون معرفة الكل، ولا معرفة الكل دون معرفة الأجزاء على وجه الخصوص .”
وقد أطلق عليه مسمى، مبدأ الشمولية التصويرية (الهولوغرامية) .
كما يضيف إليها ثلاثة مبادئ أخرى تشكل فكره. المبدأ النظمي يذكّر بأن الظاهرة لا تأخذ معناها إلا ضمن الكلّ الذي تنتمي إليه. والمبدأ الجدلي يظهر أن وقائع تبدو متضادة كالنظام والفوضى، والاستقلالية والاعتماد، والاستقرار والتغيير يمكن أن تكون صحيحة في آن واحد وأن يكمل بعضها بعضاً. وأخيراً، يكسر مبدأ التكرار التنظيمي و التصوّر للسببيّة: فالأفراد ينتجون المجتمع الذي يعيد بدوره تشكيلهم. وهكذا تصبح النتائج أسباباً، والأسباب نتائج. يشكل هذا “التفكير المركب” اليوم واحداً من أكثر عناصر إرثه إثماراً.
“لست منكم”، كتب إدغار موران في كتابه “شياطيني”. ومثل هذا الاستقلال لم يكن ليترك أحداً غير مبال، وسرعان ما تهافتت انتقادات علماء الاجتماع الأكاديميين، مستائين على الأقل بقدر استيائهم من أسلوب المهرج في الصياغة (فهو ابتكر مثلاً مصطلح “يي-يي” yéyé في مقال بصحيفة “لوموند” في يوليو/تموز 1963)، بقدر ما كانوا مستائين من طرائقه. ووصفه البعض بسخرية بأنه عالم اجتماع الحاضر، معترضين عليه بأنه يلهث كثيراً وراء الأحداث، والأكثر خطورة، أنه يستبدل الحدس بالبراهين القائمة على تحقيقات تجريبية مصمّمة بدقة.
لكن في كتابه “روح العصر”، ابتعد موران عن علم الاجتماع السائد آنذاك مفضلاً المقاربات والتماثلات والتركيبات الواسعة. ورداً على ذلك، في كتاب “علماء اجتماع الأساطير وأساطير علماء الاجتماع”، قاد بيار بورديو وجان كلود باسيرون الهجوم عليه ، واتهماه بافتقاره إلى المنهج العلمي، وكون علم الاجتماع لديه أكثر إيحائية منه برهانية، وذكّراه بأن النظرية العلمية لا يمكنها الاستغناء عن فرضيات صريحة، وبروتوكولات تحقق، ومواجهة بالوقائع.
كذلك حيثما يجعل كارل ماركس وماكس فيبر وجوزيف شومبيتر أو دوغلاس نورث من المؤسسات والحوافز والآليات الاقتصادية عوامل أساسية في تطور المجتمعات، يفضل موران التمثلات والثقافات وأنظمة الفكر.
هذا المنظور يضيء العديد من أبعاد التغيير الاجتماعي، لكنه يترك في الخلفيّة القيود المادية التي تشكل أيضاً، وربما بشكل أساسي، السلوكيات الفردية والجماعية.
لا تغيّب وفاة إدغار موران تأثيره، بل على العكس، تبرز راهنيته. ولا شك أن أقواله المأثورة التي لا تعد ولا تحصى، مثل “البساطة ليست تبسيطاً” أو “يجب أن تعيش الموت وتموت من الحياة”، ستترك صورة حكيم اعترف مع ذلك، وهو في المائة من عمره، في كتابه “دروس من قرن من الحياة”، بأنه فشل تماماً في حياته العائلية.
وإذا كان لم يترك مدرسة، لعدم وجود دعم مؤسساتي وبسبب استقلاليّته الفكرية التامّة وفرديّته المتطرفة، فإن إرثه الفكري المفتوح للجميع سيكون مفيداً بشكل خاص لفهم التحديات الكبرى الراهنة، مثل موجات الحرّ الشديدة لعام 2026 في فرنسا التي ذكرتنا بتبصّره عند نشر كتاب “العام الأول من العصر البيئي”، الذي بدأ عام 1972. فالتغيّر المناخي يستلزم تعبئة علوم الطبيعة والعلوم الاجتماعية، وظهور الذكاء الإصطناعي بعنف في نوفمبر 2022، يثير في آن واحد أسئلة تقنيّة واقتصاديّة وقانونيّة وفلسفيّة وأخلاقيّة مثيرة ومرعبة في الوقت عينه. و عليه لا مفرّ للبشرية من التفكّر ، ولا بدّ لنا نحن البشر الذين ندّعي الفهم من العودة إلى العقلانيّة في تناول مشاكلنا قبل حلول السقوط الكبير للحضارة البشرية .
